تحليلات

الخليج: جمر الخلافات يتّقد مجددا

 

يكشف السجال المُرّ بين الجانبين ان العلاقات الخليجية – الخليجية هشة تسودها حروب صامتة وتتخلها هُدَن وأحاديث شاعرية عن “العلاقات الأخوية” و”الإجماع الخليجي”، كذبة وراء أخرى تنكشف أمام أول امتحان.

علي عبادي

سِجال دولة قطر مع بقية “الاخوة- الأعدقاء” في الخليج يعبّر عن مكنون وجوهر العلاقات الخليجية التي بُنيت على استلحاق السعودية لبعض الدول الصغيرة ورفضها أي تمايز عنها في بعض القضايا. العلاقات اتسمت بالخلافات دوماً، الأمر الذي يفسر عدم تحقق الاتحاد الخليجي المنشود، أو حتى بعض مفرداته مثل العملة الموحدة.

يكشف السجال المُرّ بين الجانبين ان العلاقات الخليجية – الخليجية هشة تسودها حروب صامتة وتتخلها هُدَن وأحاديث شاعرية عن “العلاقات الأخوية” و”الإجماع الخليجي”، كذبة وراء أخرى تنكشف أمام أول امتحان.

لم ينته الخلاف بين الإمارات والسعودية حول اليمن والذي تفجرَ بسبب طريقة إدارة الوضع في جنوبه والنظر الى مستقبل اليمن وتقاسم النفوذ فيه، حتى اندلع الخلاف وعلى نحو مفاجئ وواسع بين قطر وكل من السعودية والإمارات (ومعهما استلحاقاً البحرين). ما الخطب؟ تساءل الكثيرون عن أسباب هذا التغير الدراماتيكي في بيئة تتسم بالتحفظ والانفعال في معالجة مشاكلها.

الواقع ان الجميع يتبارى على كسب ودّ الرئيس الأميركي وفي تقديم الأعطيات له والحصول على رعايته وحمايته عن طريق منحه الأموال (في عزّ حاجة أبناء الخليج اليها) وتقديم العروض لفتح أراضيهم للعسكر الأميركي (إعلام دولة الإمارات يتباهى بأن الأميركي يفكر في نقل ثقله من قاعدة العديد الجوية في قطر الى الإمارات). ويوضح هذا التسابق على قلب الرجل الأشقر بأن هذه الدول بنت حاضرها ومستقبلها على إقامة ما يشبه مضافة دائمة غاية في السخاء للغريب الأميركي، وهي تُفتتن بمشاهد تحشيد الزعماء والأنوثة الأميركية التي يكتشفونها عن قرب ومن دون حجاب في بلاد الحرمين!

من الواضح ان قطر اتبعت خلال السنوات الماضية سياسة “مشاكسة” في عدد من الملفات، برغم وقوفها في كل مرة على خاطر الملك السعودي. ويبدو ان الإشكال المستجد يتعلق بصورة رئيسة بالخلاف حول طريقة التعامل مع جماعة الاخوان المسلمين. والإمارات على وجه الخصوص تستعجل – بما تملك من علاقات مع لوبيات في واشنطن- إدراج جماعة الاخوان على لوائح الإرهاب، ومثّل الضغط الذي مارسته الإمارات على السعودية في جنوبي اليمن خلال الأسابيع الماضية محاولة لدفع الرياض الى حسم موقفها في هذا الصدد قبل رفع موقف خليجي مشترك الى واشنطن بهذا الشأن.

وتجدر الإشارة الى ان الملك سلمان بن عبد العزيز أحدث تحولاً مؤقتاً في التعامل مع “جماعة الاخوان” عما كان عليه الحال أيام أخيه عبدالله الذي صنّف “الاخوان” جماعة “ارهابية”، حيث عمد سلمان الى كسبهم واستخدامهم في مواجهة “عدو” آخر: ايران، وتُرجم ذلك خصوصا خلال حرب اليمن حيث يوجد ثقل مهم للتجمع اليمني للإصلاح _الجناح اليمني للإخوان. لكن الآن، يبدو ان السعودية تفضل مجاراة الإمارات والاحتفاظ بها حليفاً في الحرب على اليمن بسبب علاقاتها الواسعة مع اطراف قبلية وحزبية وسلفية في الجنوب، على انه يمكن تقديم أضحية “الاخوان” في موسم التقرب الى الإدارة الأميركية التي تريد محاربة التطرف والإرهاب و”التشدد الإسلامي” وعلى أيدي “أهل الدار” أنفسهم.

وتعتبر قيادة الإمارات أنها تواجه أزمة تهديد وجودية بتأثير كامن لقيادات وكوادر “الاخوان” في الإمارات، في حين ان السعودية تواجه تهديداً أقل من هذه الناحية بسبب الثقل المؤسسي للوهابية. ومن الطبيعي ان قطر، التي تحتضن قيادات اخوانية، تمثل عائقاً أمام هذه الخطوة، فجاءت الهجمة السعودية – الإماراتية منسقة للضغط على الدوحة وإجبارها على وقف دعمها لجماعة الاخوان. فهل تتكرر تجربة 2014، عندما استنفرت السعودية والإمارات لعزل قطر بسبب الموقف من “الاخوان”، وعمدت الدوحة لاحقاً الى خطوات استرضائية من أجل تهدئة الموقف، ليبقى الجمر تحت الرماد قبل ان يشتعل مجدداً اليوم؟

المهم ان الاميركي مرتاح للحصول على امتيازات اقتصادية كبرى من تجمع مشيخات الخليج التي تقدم له اراضيها من دون مقابل، وتبدي استعدادها للتضحية ببعض أبنائها والتقرب من “اسرائيل”، لتؤكد للمرة الألف انها لا تملك مشروعاً استقلالياً، بل انها تتربص بأية قوة ذات مشروع تحرري في المنطقة العربية والاسلامية.

العهد

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى