تقارير

عندما تصبح السعودية عالةً على الأمريكي

“اقوى المحاربين هما الوقت والصبر”             -تولستوي-

لم يكن أمام السعوديين سوى العرض الأمريكي لإنقاذ ماء وجههم: “الهدنة” كمخرج لوقف عاصفة الحزم، وعندما حاول وزير الخارجية عادل الجبيري أن يتثاقل حفاظاً على “الهيبة” بالقول: أن بلاده ستبدأ هدنة “تستمر لمدة خمسة أيام ” مهددًا باستئناف القصف إذا “لم تلتزم “ميليشيا الحوثي وقوات صالح بالهدنة “. سارع كيري وقطع على الجبيري عنتريته ليضع الأمر في نصابه حين قال “الهدنة في اليمن لا تعني السلام وعلى الجميع العودة الى التفاوض لتحقيقه”. وهذا باللغة الدبلوماسية يعني أن “الهدنة” هي أكثر من وقف لاطلاق النار ، وأقل من حالة السلم !.

حقائق ثلاث

لقد بنت القيادة السعودية حساباتها على انهيار الداخل اليمني بفعل الضربات الجوية مصحوبة بآلة إعلامية مدوية ، تكراراً لأسلوب “الصدمة والترويع”. وهي الاستراتيجية الحربية التي اتبعتها أمريكا في العراق. غير أن صمود الجبهة الداخلية خيب الحسابات السعودية . ولعله كشف ثلاث حقائق :

أولاً- أن مكونات الحراك اليمني الثوري تتجاوز فئة بعينها . لتطال شرائح سياسية وقبلية آخرى غير الحوثيين، ويبدو بالتقصي أن هذا الأمر كان مرتباً مسبقاً وأعد له الحوثيون العدة، وقد سبق رصده مسبقاً من عدة باحثين منهم على سبيل المثال الباحث والكاتب اليمني نجيب غلاب رئيس منتدى الجزيرة العربية، حيث كتب قبل سنة وفي صحيفة “الشرق الأوسط” المحسوبة بشكل تام على السعودية مقالاً عنوانه ينبىء عن مضمونه “هل يُـفسر نجاح الحوثيين تمكنهم من اختراق المكونات القبلية والمذهبية في اليمن”.

كما وان تقارير عديدة كانت تشير مسبقاً إلى وجود “خلايا نائمة” في الحراك الجنوبي وقد ثبت هذا بالفعل بتحركها عند ساعة الصفر مما سهل على الثوار السيطرة على عدن .وبالاستطراد في ذات السياق سيجدد من يطلب المزيد سخط العديد من القبائل اليمنية على الإخوان المسلمين – المسمى (التجمع اليمني للإصلاح)- كونه محسوبا على السعودية وهذا سبب ليكون معزولاً في اليمن! فضلاً عن أنه مخترق من عناصر يزيدية ليس عن إيمان بالتأكيد ولكن طلباً للمال! .شيء شبيه بجماعات 14 آذار في لبنان مع الاختلاف في الشكل!.

ثانياً- أن الدم الذي سال في اليمن تحت ضربات الطيران السعودي قد عمق الحقد في مجتمع قبلي ثأري بامتياز، ليزيد من رصيد تركات الماضي القريب من حساسيات وأحقاد تجاة السعودية، وبالمحصلة بات الاقتصاص منها عصباً جامعاً يتجاوز التباينات القبلية، لا سيما وأن هذه الضربات لم تكن انتقائية كما يدعي السعوديون، بل باتت بعد حين من الخيبة الميدانية، ضربات انتقامية شاملة ،عنوانها “إذا تعذر علينا حكم اليمن فسنحولها إلى ركام لمن يأتي بعدنا”. وهذا مبني على ما تسرب عن بعض (صقور) العائلة المالكة الذين قالوا بما معناه: ( لن نترك إيران تهنأ بما سيفرج عليه من أرصدتها جراء الاتفاق النووي حتى تصرفها على إعادة إعمار اليمن)!!.

ثالثاً – الاستعداد الواضح للثوار لجهة تخزين كميات كافية من الذخائر والمعدات والوقود تفي بحاجة عملياتهم العسكرية فضلاً عن متطلبات الصمود أمام حرب استنزاف طويلة قد تفرض عليهم ..
من جهة أخرى أدرك الجميع وفي مقدمتهم “أصدقاء” السعودية ! بأنها إلى مخاض لا قبل لها بها، ولطالما كانت اليمن “مقبرة الغزاة” بحكم جغرافيتها وصعوبة مسالكها الجبلية الشاهقة. التاريخ القريب شاهد على التجربة المصرية البائسة ستينات القرن الماضي ، والبعيد حيث الحقبة العثمانية تخبرنا بأنه لم يكن (للسلطنة) في اليمن إلا وجود شبه شكلي وحكم قائم على التراضي مع القوى المحلية . ومن ينشد التفاصيل في هذا سيجده في عدة وثائق من اهمها كتاب “عاديات اليمن ” ويأتي في 580 صفحة كناية عن يوميات متصرف الحديدة لعشر سنوات يوسف حسن وهو للمفارقة من لبنان .

لماذا اوقفوا الحرب؟

عودٌ على بدء .فقد عقدت القيادة السعودية الآمال على الضربات الجوية لتحقيق النصر في حربها على اليمن، ولعلها لم تمتثل بتجربة أمريكا البائسة في فيتنام وتجارب اسرائيل الخائبة في لبنان وغزة. وحيث سلاح الجو لا يستطيع أن يكسر إرادة الخصم متى توفرت له إرادة الصمود، إلى جانب الحذاقة في استخدام الأرض للتمويه والتخفي والمناورة؛ وبذا يصبح الاعتماد على سلاح الجو كعامل مقرر من غير حسابات المواجهة البرية نوع من الحماقة، فهذه الأخيره هي التي تقرر وجهة المعركة. وفي بلد مثل اليمن هي الوحيدة بالمطلق التي تحسم النتيجة!. ويبدو أن اصحاب القرار من آل سعود لم يطلعوا على تاريخهم الحربي حين أمر الملك عبد العزيز ابنه فيصل-(الملك فيما بعد)- بالعودة بقواته عندما علم انها توغلت في الأراضي اليمنية أدركاً منه بانها ذاهبة إلى مصيدة قاتلة!.

ولكن ماذا حصل حتى اوقف السعوديون حربهم ؟.. ثلاثة عوامل لعبت دوراً جوهرياً في فرض وقف إطلاق النار على السعودية.:

أولها أن هذه الغارات لم تستطع وقف تقدم “الحوثيين وجيش عبد الله صالح” في جميع محاور القتال، ومن أهمها عدن ومضيق باب المندب.

الثاني أن المواجهة بين الأطراف اليمنية افضت إلى سقوط جماعة عبد ربه صالح – أي ما يعرف بـ”المقاومة الشعبية” – ليصبح هؤلاء باللغة العسكرية خارج المعركة.

وهذا بدوره أفسح المجال لقوات (القاعدة) كيما تتوسع، وهو أشد ما يقلق واشنطن في ان تتجيَّر هزيمة قوات عبد ربه صالح لصالح هذا التنظيم وقد باتت نيرانه على ابواب الجزيرة العربية حيث المصالح النفطية لأمريكا.

وحيث هشيم معظم الأنظمة الخليجية الفاقدة للمناعة، والتي تترنح بانقسام حكامها وباستحقاقات داخلية كثيرة، وبالأخص منها في مملكة آل سعود. لعل هذا الاحتمال قد اسقطه من حساباتهم اصحاب القرار في الرياض.  فقد عميت الأبصار عما له صلة بالحسابات الاستراتيجية برماد المكائد وطلب الثأر، وهو حالهم في سوريا أيضاَ !.

أما العامل الثالث فجاء القشة التي قصمت ظهر البعير، وهو ما همس به كيري للثلاثي سلمان نايف ومحمد، نقلاً عن دوائر فاعلة في موسكو ،من أن الحوثين ،” يفكرون في استخدام صواريخ السكود ضد أهداف في جنوب المملكة “!.وأن الولايات المتحدة بهذه الحالة ليست بوارد الانزلاق في الرمال طالما أن الصواريخ لا تطال آبار النفط ومحطات الضخ كما ابلغتها بهذا موسكو!!.

والحقيقة أن عدم انزلاق قيادة الثورة اليمنية إلى فخ الرد السريع على الغارات الجوية قد جعلها تكسب الصورة بوصفها الضحية، فقد قلب مشهد الدم والدمار الصورة بعد أن جهدت السعودية أن تقدم حربها بوصفها وقائية في وجه ” التمدد الأيراني “. وهذا ما يعطي اي رد قد يصدر من الجانب اليمني وقعاً مختلفاُ امام العالم باعتباره رد الضعيف على القوي المعتدي . هو ذا “الصبر الاستراتيجي” الذي تحدث عنه سيد المقاومة في خطابه.

ليست هذه هي الخطيئة الأولى التي تقترفها السياسة السعودية ولن تكون الأخيرة. لعل تراكم الخطايا سيجعل المملكة بوضعا الراهن عالةً على حليفها الأمريكي . إنه مفترق له ما بعده كما نعتقد.

لؤي حسن 
لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى