مقالات

ما وراء ابتسامة الصفيان!

ثمّة حقيقة يجب أن تبقى ماثلة في الذهن وحاضرة في الوعي الشيعي على المستوى الفردي والاجتماعي، تتلخص في أن مَنْ يدور في فلك السلطة الجائرة وخصوصاً مسؤولي وموظفي وزارة الداخلية وأجهزتها الأمنية كالمباحث والسجون والشرطة وأمراء ومحافظي المنطقة، كانوا ولا يزالوا يشكلون أذرعاً وجسوراً وأدوات لتنفيذ مخططات الداخلية وتمرير أجندتها ومؤامراتها ضد المجتمع الشيعي بكل تياراته الدينية وأطيافه السياسية وقواه الفكرية وبكل تنوعاته الأسرية والعشائرية والاقتصادية!

صادق أمين العقيلي

خالد الصفيان اسم عرفته القطيف منذ نحو ثلاثة عقود، جاء على صهوة شهادة “بكالوريوس إعلام” وبعد نحو 10 سنوات قضاها وسط مؤسسات صحافة تتنفس أكسجين “قوائم الممنوعات” وتتلمس خطواتها بين منعرجات حمراء يرسمها وزير داخلية القمع إلى وزراء إعلام النفي.. ورؤساء تحرير الولاء المطلق لأمراء آل سعود، الذين يُعينهم ويُقيلهم وزير الداخلية بجرّة قلم.. هكذا قفز الصفيان من مستنقع الإعلام السلطوي إلى إدارة المستشفيات!!

وتربع على كرسي إدارة مستشفى القطيف المركزي عدة سنوات, كان يُدير خلالها مكتب صحيفة المدينة بالدمام, ويُشغل منصب استشاري في مكتب أمير الشرقية السابق محمد بن فهد، ويوزع نحو 8 ساعات من يومه بين وظائفه الثلاث!!

استفاد الصفيان من احتكاكه بشباب القطيف في جامعة الملك سعود بالرياض فبنى علاقات ما لبث أن ضعفت عقب تخرجه، ثم استغل عمله في مستشفى القطيف ليستأنف نسج شبكة علاقات واسعة تغلغل من خلالها في الوسط القطيفي، وكان تركيزه منذ البدء على أبناء العوائل والأسر البارزة تجارياً ودينياً و”وجاهة”.. فكان يحرص على حضور المناسبات العامة كمجالس الفواتح وحفلات الأعراس ليُعمّق تلك العلاقات ويوسع دائرتها!

الصفيان اعتاد أن يزرع فوق شفتيه ابتسامة ساحرة، وأن يمزج أحاديثه العامة بالنكات ليتبادل الضحكات مع المحيطين به، ولا يأنف أن يقصّ على البعض في دوائر ضيقة مغامراته الحمراء في ربوع لندن وفنادق البحرين، بل إنه لا يتحرّج حتى عن تصنّع انتقاد التاريخ الأموي ومقارنته بوضع الحكم السعودي، والجزء المتيقن من هذا أنه كان يمارس ذلك إلى أن غادر مستشفى القطيف المركزي، ولولا الخشية على ما يمكن أن يتعرّض له من سمع منه ذلك مرات متكررة لذكرتهم بالاسم!.
****

بهذه الخلفية والتجارب والمعرفة الظاهرية بطبيعة مجتمع القطيف التي وفرتها له سنوات دراسته ثم عمله، تسلّم الصفيان منصب وكيل محافظة القطيف قبل أن يتم تعيينه محافظاً في فبراير 2013م تزامناً مع الانتفاضة الثانية،¬ ومنذ وطأ الصفيان أروقة المحافظة استغل قدراته في التلوّن والتصنّع والمراوغة وتسويق الكلام المعسول في الولوج إلى أوساط المجتمع الشيعي بالقطيف وقراها، وراح يُظهر التواضع المكذوب ويتصنّع بساطة التعامل فوجدناه عضواً في “قروبات” الواتساب وبرامج التواصل الأخرى الخاصة ببعض نخب ومثقفي القطيف!

ولا يفوتنا هنا ملاحظة تركيزه على الوصول إلى الدوائر الشبابية والأجيال الناشئة عبر استحداث مشروعات ولجان وهمية أو شكلية مفرغة من أيّ مضمون أو جوهر نافع وحقيقي، وفي أحيان أخرى عمد إلى مدّ زعانفه المسمومة إلى لجان ومشروعات ومبادرات شبابية هادفة وناجحة بهدف محاصرتها والسيطرة عليها والتأثير على توجهاتها، ويمكننا الإشارة هنا إلى أمثلة من قبيل: “المجلس الشبابي”، “لجنة صمود من أجل الحدود” و”قطيف الغد” حيث عمل هو والقابع في الظل مدير وكر الاستخبارات داخل مقر المحافظة “وليد الصيّاح” على اختراق هذه المشاريع أو استدراج كوادرها وحين فشلوا لجأوا الى وسيلة التهديد والعرقلة ومحاصرة أعضائها ومنع أنشطتهم المختلفة.

****

الصفيان ورغم قدرته على أداء أدوار الحية الرقطاء في المكر والخداع واصطياد الآخرين بدهاء وخبث مغلف بالنكتة والكلمات الليّنة والابتسامات الصفراء، إلا أنه فيما يتعلق بالقضايا الأمنية يخضع لتعليمات القابع في الظل وليد الصيّاح، ويُنفذ بدقة المخططات التي ترسمها الداخلية والاستخبارات ويتولى الصيّاح مهمة الاشراف وضمان دقة التنفيذ.

وخلال السنوات الـ5 الماضية نفذ الصفيان مخطط وزارة الداخلية الهادف أولاً لزرع الفتن والخلافات والتناحرات وشق بنيان المجتمع الشيعي في القطيف وقراها، مستخدماً تارة الوعود ببرامج تنموية لتطوير القطيف وضواحيها ومعالجة أزماتها في الإسكان والصحة والتعليم وتحسين مستوى الخدمات البلدية بما يشمل الشوارع والحدائق والمتنزهات.. هذه الوعود كانت دائماً للمقايضة بوقف التظاهر وإنهاء كل أشكال وأنواع الاحتجاجات في الشوارع، وتارة أخرى يُكشّر عن أنياب الحية الرقطاء كما يفعل مع آباء الشهداء لتمرير ضغوط المباحث عليهم من أجل انتزاع توقيعاتهم بالتنازل أو قبولهم بشهادات وتقارير الوفيات التي تسند الأسباب إلى حالات مرضية أو رصاص مجهول حتى وإن كان الشهداء قضوا تحت التعذيب كما في قضايا الشهداء العريض والمحسن والعقيلي والحساوي!.

الصفيان قدم ونقل عن الأمراء عشرات الوعود إلى أهالي الشهداء بالتحقيق في قضايا مقتل أبنائهم والاقتصاص من الجناة دون أن يفي بوعد واحد منها طوال ما يربوا على 5 سنوات متواصلة! هذا فضلاً عن وعوده الى أهالي المعتقلين بالإفراج عنهم، وفضلاً عن كذبه وخداعه لأسر دفعها لإقناع أبنائهم بتسليم أنفسهم بعد أن طمأنهم بأن المسألة لن تتجاوز أياماً معدودة فيما هم لا يزالون يُمضون سنوات شبابهم في زنازين المباحث!

****

ولطالما تحولت بعض الأحاديث والمكاشفات الشخصية التي ينساق لها البعض بحسن نية، وتفاعلاً مع ما يُظهره الصفيان من تبسط وانفتاح إلى أوراق ضغط ووسائل ابتزاز وأسلحة تهديد يستخدمها هو ذاته أو يُمرّرها إلى إدارات أخرى كالمباحث والشرطة.

هذا الثعلب الماكر ظهر على حقيقته حين وجدناه جميعاً وقد نزع عنه جلد الحية الرقطاء ليتعرّى وتتساقط عن سوأته أوراق التوت وتنفضح للملأ دناءة نفسه وخبث طويته وصلف أخلاقه وحقارة معدنه وهو يخاطب الشيخ جعفر الربح بطريقة بذيئة منسلخة من الخلق والأدب إذ صادر من سماحته حتى لقب المشيخة وناداه كما ينادي الطفل زميله “يا جعفر”!! كلُّ ذلك إيغالاً في إذلال الشيخ وإمعاناً في شحذ سيف التهديد لأنه تحدث برأي يخالف هوى السلطة ويعاكس مشروعها في هدم مسورة العوامية، هذا ما قرأناه فيما نُشر للعلن والله أعلم بحجم وطبيعة التهديدات والمعاملة المسيئة والحاطة للكرامة والمهينة للشرف التي قد يكون تعرّض لها سماحة الشيخ داخل أروقة المحافظة!
الآن وبعد أن أثبت الصفيان وعلى رؤوس الأشهاد بأنه ليس حملاً وديعاُ، وأن خلف ابتسامته الصفراء تكمن أفاعي وزارة الداخلية، وأن أريحيته وبساطته في التعامل سرعان ما تتكشف عن أحابيل وسياط.. الآن كيف نتقي شره ونقول له “انتهت اللعبة”؟

حتى سنوات قريبة مضت كان مجتمع القطيف والأحساء يتمتع بدرجة عالية من الحصانة الذاتية على الصعيد النفسي والعقلي والاجتماعي ضد الاختراقات الأمنية والسياسية والاستخباراتية، بل وضد التأثيرات الثقافية والفكرية المنحرفة التي تبثها دوائر سلطوية، وإن وجدت حالات شاذة فهي معدودة، وتظل حالات فردية، معزولة، منبوذة، ومحاصرة اجتماعياً.

تلك الحصانة نتاج طبيعي للتعليمات والرؤى الشيعية التي يتربى عليها الفرد الشيعي في المنزل والحسينية والمسجد، يُعزّزها الإيمان بالله سبحانه واستحضار الوعي بالآخرة والحذر الدائم والمستمر من مآلات وعاقبة الاصطفاف مع الظالم ومجالسته ومخالطته، وهو حذر وخوف تدعمه وترسخه الثقافة الشيعية عبر مئات النصوص والأحاديث المروية عن أهل البيت”ع”.

ثمة عوامل ومتغيرات متعددة، متشابكة، ومعقدة طرأت على الحياة العامة في أوساط المجتمع الشيعي في الأحساء والقطيف وطفت ملامحها على السطح منذ منتصف التسعينات حيث ساهمت في خلخلة جدار الحصانة وأضعفت مروحة الرقابة والنبذ الاجتماعي لكل مَنْ يُبدي تعاطفاً أو ميلاً أو مجرد الرغبة في مجالسة أمراء الظلم والفساد، وكل مَنْ يدور في فلك السلطة الجائرة وخصوصاً مسؤولي وموظفي وزارة الداخلية وأجهزتها الأمنية كالمباحث والسجون والشرطة وأمراء ومحافظي المناطق حيث كانوا ولا يزالوا يشكلون أذرعاً وجسوراً وأدوات لتنفيذ مخططات الداخلية وتمرير أجندتها ومؤامراتها ضد المجتمع الشيعي بكل تياراته الدينية وأطيافه السياسية وقواه الفكرية وبكل تنوعاته الأسرية والعشائرية والاقتصادية!.

****

خالد الصفيان وكما أوضحنا في الحلقة الأولى يمثل أداة تنفيذ لمشروع وزارة الداخلية، وتكمن خطورة الصفيان في طبيعة شخصيته المرحة وما يظهره من بساطة التعامل والتواضع الأمر الذي يسهل اليه استمالة أشخاص حسني الظن وطيبي النوايا، فضلاً عن آخرين ممن استوطنت أمراض الجشع والطمع وحب الظهور والجاه.. ويوزع الصفيان اهتمامه وتركيزه على فئات مختلفة في مقدمتهم الشباب الناشطين اجتماعياً أو ثقافياً أو فنياً، ثم على فئة البارزين من أبناء الأسر ذات الثقل والتأثير الاجتماعي كالوجهاء والعلماء والتجار والنخب الطبية والعلمية.

ويحرص الصفيان على حضور الفعاليات الأهلية وزيارة المنتديات والديوانيات وتكريم الشباب البارزين والمميزين كوسيلة تقرب واختراق للوسط الشيعي، وحسب التتبع لم يسبقه أحد من أمراء ومحافظي القطيف الى فعل ذلك بهذه الكثافة والتركيز. ولعل أهم الدوائر التي أولاها اهتمامه تمثلت في الاعلاميين والصحفيين والكتاب مستفيداً ومستغلاً خبرته السابقة التي يوظفها اليوم في السيطرة والتوجيه والضبط لطبيعة ما يتناوله بعض الأعلاميين الصاعدين من ذوي الخبرة الصحفية المحدودة الذين لايسعفهم مستوى وعيهم السياسي ونضجهم الفكري في استجلاء حقيقة تأثير الصفيان على تفكيرهم وأفكارهم وميولهم!

المسألة الأخطر هي ما تتعلق بتأثيره على بعض “الوجهاء الجدد” وفيهم الكتاب والمعلمون ورؤساء أندية رياضية ومهندسون وحتى مشايخ معممون!! قسم من هؤلاء غافلون ويتعاطون مع الصفيان كشخص يظهر الطيبة وحسن الخلق، ويغيب عن وعيهم وذهنهم كونه موظف يمثل وزارة الداخلية ويتبع خطتها وينقذ أجندتها.. وما أدراك ما هي خطط الداخلية وأجندتها لأهالي القطيف!! وأما القسم الآخر فهو يدرك ويعي حقيقة اللعبة والتآمر على مستقبل القطيف وأهلها ولكنه ينغمس في التماهي مع مطالب الصفيان ومخططاته أحياناً طمعاً في مصلحة أو بروز وحظوة وتعويلاً على الوعود بأن يناله رضا السلطة فتقربه منها وترفعه اليها فيضمن التسهيلات ليقضي حاجاته ومآربه.. وأحياناً أخرى ولعلها الأكثر خوفاً ورعباً بسبب الضغوط والتهديدات التي يمررها الصفيان وذاك الخبيث القابع في الظل وليد الصياح!

ما أحوجنا لاستحضار معاني الآية الكريمة “وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الأعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ” صدق الله العلي العظيم الصفيان هو رأس الأفعى في وكر المنافقين المسمى “المحافظة” ولذلك تجب مقاطعته وهجرانه والتهرب من مجالسته والامتناع عن توجيه الدعوات إليه أو الاستجابة إلى دعواته.. حيث لا ينبغي التعامل معه إلا اضطراراً وعلى أساس كونه عدواً ينبغي الحذر منه والاحتراس من خطره وسمومه.. فكلما شاهدنا ابتسامته نستحضر أنها ابتسامة الثعلب الماكر!

لعل من المفيد هنا للتدليل على حقيقة خبث ومكر ونفاق الصفيان أن نعود بالذاكرة 5 سنوات للوراء ونستعيد سجل الأحداث والمآسي والويلات التي تعرضت القطيف وهي الفترة التي شغل الصفيان خلالها منصب نائب المحافظ ثم المحافظ، وأشرف بالتالي على تمرير وإدارة كل ما شهدته القطيف خلال هذه الفترة العصيبة.

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى