تقارير

الملف المفقود في كامب ديفيد!

لن يحضر في القمة ملف حقوق الإنسان في السعودية وآلاف المعتقلين السياسيين والأمنيين ومعتقلي الرأي والنشطاء والمثقفين، لن يحضر ملف الأنظمة التي فقدت شرعيتها وباتت حاضنة خصبة للتطرف المتمم لشروط استمرارها، لن يحضر ملف المشاركة والديمقراطية في دول بقائها مرتبط عضوياً بالاستئثار بالسلطة والمال والإعلام والدين، لن يحضر ملف الحريات الدينية والأقليات التي ترى فيها هذه الدول أنها بوابة يمكن طرقها كلما تعقدت الأزمات وارتفعت المطالبات بالتغيير

يرتحل الجمع الخليجي لحضور قمة كامب ديفيد، حيث تلتقي القيادات الخليجية مع الرئيس الأميركي باراك أوباما، ورشح عن القمة أنها للبحث والتشاور حول الملفات الإقليمية ابتداء من اليمن وسوريا وصولا للعراق ولبنان وليبيا، ثم الملف الأهم في اهتمامات الأنظمة الخليجية وهو الملف الإيراني وما يتفرع عنه، كالملف النووي والأمن في الخليج وما اصطلحت عليه الماكنة الإعلامية في الخليج بالتمدد الإيراني الفارسيومخاطره على بنية الأنظمة الوراثية فيها.

قد يسيطر الملف الإيراني والاتفاق النووي الذي تم بين إيران من جهة والغرب من جهة أخرى على هذه المباحثات، نظراً لما يمثله من خطر وفق حساباتهم على أمن واستقرار منطقة الخليج، ولكن نظرة فاحصة تستدعي القول أن دول الخليج ليست على رأي واحد من الملف الإيراني، وربما أسفرت قمة كامب ديفيد عن انقسامات بهذا الخصوص في الصف الخليجي قبل الوصول للبون الشاسع في الرؤية لهذا الاتفاق بين الإدارة الأمريكية وحكام الخليج.وعلى صعيد آخر هناك الملف السوري والعراقي واللبناني المرتبطة عضوياً أيضا بإيران ونفوذها من جهة والأنظمة الخليجية ومغامراتها غير المحسوبة من جهة أخرى، وآخرها العدوان على اليمن والدخول في دوامة المجهول، حرب فرض العضلات والرؤى ثم المباهاة على طريقة “شوفيني يا منيرة” من جانب، ثم من جانب آخر مستنقع جديد يتكاثر عليه البعوض والآفات، اخترعته وجمعت مياهه الآسنة صراعات ومنافسات على النفوذ والسلطة في السعودية.

وفي ظل تلك الملفات الساخنة اللاهبة لطاولة كامب ديفيد، غاب الاهتمام بملف “المواطن” في الخليج، فطاولة كامب ديفيد لا تحمل السلطة والمواطن في آن معاً، فإما الأنظمة الخليجية وإما المواطن، ورأى العالم حينلمز الرئيس أوباما قبل أسابيع قليلة في خطابه ” أن أكبر خطر يتهدد عرب الخليج ليس التعرض لهجوم من إيران إنما السخط داخل بلادهم، مشيرا الى سخط الشبان الغاضبين العاطلين والإحساس بعدم وجود مخرج سياسي لمظالمهم”، قامت قيامة الأنظمة الخليجية ومن ورائها ماكنتها الإعلامية ومؤسسات العلاقات العامة التي تديرها السفارات الخليجية في الغرب، للنهوض بمسؤوليتها في الدفاع عن الاستبداد والقمع، تارة باسم الإرهاب والجماعات التكفيرية –المصنعة محلياً- وأخرى باسم المد الصفوي الإيراني.

لذا لن يحضر في القمة ملف حقوق الإنسان في السعودية وآلاف المعتقلين السياسيين والأمنيين ومعتقلي الرأي والنشطاء والمثقفين، لن يحضر ملف الأنظمة التي فقدت شرعيتها وباتت حاضنة خصبة للتطرف المتمم لشروط استمرارها، لن يحضر ملف المشاركة والديمقراطية في دول بقائها مرتبط عضوياً بالاستئثار بالسلطة والمال والإعلام والدين، لن يحضر ملف الحريات الدينية والأقليات التي ترى فيها هذه الدول أنها بوابة يمكن طرقها كلما تعقدت الأزمات وارتفعت المطالبات بالتغيير. فـ”الإنسان” الملف المفقود في كامب ديفيد ولن تجده في قمة اهتمامها الأول دوام واستمرار الحكام الحاليين ما دامت خدمتهم لخطط وأهداف ومصالح القوى الكبرى وعلى رأسها أمريكا، فالمواطن الخليجي انتظر منذ إشهار استقلال دول الخليج ومن بعدها انشاء مجلس التعاون الخليجي المشاركة في إدارة شؤون وطنه، وقبل ذلك الاعتراف به كشريك فاعل، لا أن يقبع في خانة الرعية القاصر المحتاج دوما لمن يقوده ويتسلم زمام أمره، انتظر عقود طويلة دون طائل، بل أن الأنظمة وقفت حجر عثرة أمام اكتمال كينونة الإنسان بتعطيل المواثيق والعهود الدولية الخاصة بحقوق الإنسان الأولية.

الانفتاح على المواطن الركن الآمن للأنظمة الخليجية، لكنه انفتاح له ضريبته التي يجب أن تدفعها الأنظمة سياسياً واقتصادياً، ضريبة لا يبدو أنها مستعدة لدفعها في القريب العاجل، فالمؤشرات تسفر عن النقيض من خلال المنظومة الأمنية الخليجية التي باتت مسلطة على رقاب كل من يطالب بالتغيير والإصلاح، وأمست دول الخليج من الكويت والبحرين وعمان والإمارات ناهيك عن السعودية تحاكم المواطن على التعبير عن رأيه في وسائل التواصل الاجتماعي. ثم يأتيك من يتشدق بديمقراطية ومشاركة وإعلام حر وحريات في دول القمع الخليجي. هذا الانفتاح المغيّب والملف الإنسان إنْ وضعته الإدارة الأمريكية على الطاولة فسيكون لذر الملح في عيون المشاركين أو للاستهلاك الإعلامي.

يقول الشاعر مظفر النّواب:

قممْ..
معزى على غنم
مضرطةٌ لها نغمْ
تنعقد القمة
لا تنعقد القمةُ
لا.. تنعقدُ القمة
أيْ تـُفـو على أول من فيها
إلى آخر من فيها
من الملوك.. والشيوخ.. والخَدَم

كتبه عبد العزيز علي
لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى