تحليلات

المشهد السعودي: الاثارة والتحديات

استمرارا لمسلسل المفاجآت والانقلابات التي واكبت وصول الملك سلمان بن عبدالعزيز الى عرش المملكة السعودية، أعفى العاهل السعودي ليل الاربعاء ولي عهده أخاه غير الشقيق الأمير مقرن بن عبدالعزيز من ولاية العهد، وعين أول حفيد لمؤسس المملكة الأمير محمد بن نايف خلفا له، كما عين ابنه محمد بن سلمان وليا لولي العهد، وسفير السعودية في واشنطن عادل الجبير وزيرا للخارجية، كأول وزير خارجية خارج العائلة المالكة، خلفا لسعود الفيصل قيدوم وزراء الخارجية في العالم.
هذه الانقلابات على رجال الملك الراحل عبدالله بن عبدالعزيز، وتمكين الجناح “السديري” بالأسرة الملكية من إحكام قبضته على السلطة، بعدما تم تهميشه واضعافه نسبيا في العهد السابق، تأتي في وقت تمر فيه السعودية بمجموعة من التحديات السياسية والامنية. فمن ناحية، هناك انعدام الاستقرار الامني في العراق بسبب سياساته الطائفية، والحرب في/ على سوريا التي تحولت الى ارض معارك وتجاذبات اقليمية ودولية، لعبت فيها السعودية دورا كبيرا لازاحة نظام الاسد، مما حولها (سوريا)، بالاضافة الى العراق، الى حلبة اقتتال طائفي بعدما دخل تنظيم الدولة الاسلامية على الخط، مستغلا الانفلات الامني ودعم دول الاقليم سواء العسكري والمالي او تسهيل اختراق الحدود، ومحتلا مساحات واسعة في البلدين تضخمت بعدها مطامحه واطماعه وبات يشكل ليس فقط تهديدا حدوديا على السعودية، ولكن ايضا تهديدا مباشرا عليها بعد الاعلان عن ضبط وزارة الداخلية السعودية لعدد من “الشبكات الإرهابية” التابعة لتنظيم “داعش”، اخرها خلية مكونة من 93 شخصا كانت تخطط لتوجيه ضربات وهجمات داخل البلاد، بما فيها مراكز حساسة والسفارة الأمريكية في الرياض..
ومن ناحية اخرى، هناك الوضع المتفجر في اليمن واستيلاء الحوثيين على معظم البلاد مما شكل تهديدا على مصالح المملكة التي تعتبر اليمن عمقها الاستراتيجي وجزءا من امنها القومي، والتي سارعت الى شن حملة عسكرية جوية في اليمن بدأت فجأة وانتهت فجأة ايضا، وما خلفه مسار هذه الحرب من خلافات داخل القصر السعودي. وهناك طبعا الصراع التاريخي مع ايران التي نجحت في عقد اتفاق بخصوص ملفها النووي سيليه رفع العزلة عنها مما يعني نفوذ إيراني أكبر في المنطقة، الشيء الذي لن يرضي السعودية في أي حال.
والتعيينات الاخيرة، بالاضافة الى انها تؤكد التغيير في تعامل السياسة الخارجية السعودية مع محيطها الاقليمي، فالمملكة التي تخلت عن نهجها الحذر في التعامل مع الأزمات الإقليمية، واستبدلت دبلوماسيتها الهادئة بسياسة اكثر حزما واقرب الى المواجهة المباشرة، بعد قرار شن غارات جوية في اليمن، تؤكد مرة اخرى ان الشأن الايراني سيكون في قلب اهتمامات الخارجية السعودية، وهذا ما يفسر اختيار عادل الجبير السفير السابق في واشنطن والعالم بسياسات امريكا على رأس الخارجية. ولنفس الهدف يأتي تعيين ولي العهد وولي ولي العهد الداعمان، ان لم يكونا عرابا، نهج الملك سلمان بخصوص سياسة خارجية أكثر حزما في مواجهة ايران.
والسعودية التي ستنتقل من مرحلة حكم الابناء الى مرحلة حكم احفاد المؤسس، ما يعني ان مستقبل المملكة سيكون منفتحا على ملوك شباب (ولي العهد في الخمسينات وولي ولي العهد في الثلاتينات) اذا لم تحدث مفاجآت اخرى، لكن الطريقة والسرعة التي تمت بها هذه التعيينات ستطرح مجموعة من الخلافات داخل الأسرة الحاكمة بعدما تم تحديد مسار ولاية العرش لعقود مقبلة، هذا من ناحية. ومن ناحية اخرى، اذا كان تعيين محمد بن نايف صاحب الشخصية المعروفة والتي لديها الخبرة في شؤون السلطة والتعامل مع الشركاء الدوليين ولها علاقة وثيقة بواشنطن ولديها رؤية في محاربة الجماعات المسلحة بتركيزه على بعد الامن الفكري الى جانب الحل الامني، سيمر سلسا، لكن ترقية محمد بن سلمان الابن الاصغر للملك سلمان وتعيينه وليا لولي العهد ومنحه نصيبا كبيرا من السلطة بعيدا عن مبدأ “القيادة التشاركية”، التي طالما ميزت النظام السعودي منذ ستينات القرن الماضي، سوف يكون محل معارضة داخل القصر وان لم تظهر تجلياتها بعد.
السعودية في عهد ملكها الجديد تعيش كل يوم على واقع قرارات فجائية وارتجالية ترسم معالم سياسات جديدة مفادها القطيعة مع السياسات القديمة التي اصبحت، ربما من وجهة نظر الحاكم ومحيطه المقرب، غير صالحة لمواجهة التحديات التي تواجهها المملكة في الداخل والخارج.
لكن من الواضح ان التحدي الحقيقي الذي ينتظر المملكة هو انعكاس تعييناتها الجديدة على العائلة الحاكمة المهددة بحدوث انفجار داخلي بسبب مركزية السلطة في يد شخصين واقصاء ابناء العمومة والاكبر سنا في عائلة تحظى الاقدمية في العمر بالاهمية الكبيرة، مما يهدد بالانعكاس سلبا على بنية النظام الذي ضل متماسكا منذ عهد الملك فيصل الى حدود جلوس الملك سلمان على العرش، حيث تم تقاسم السلطة بين مجموعة من الأخوة غير الأشقاء الذين دعموا الملك فيصل في صراعه على السلطة ضد أخيه الأكبر الملك سعود.
ومنذ ذلك الحين، كان جميع الملوك الذين اعتلوا عرش السعودية من “معسكر فيصل” وتمتع كل اعضاء المعسكر بنفوذ كبير من خلال سيطرتهم على المناصب البيروقراطية المهمة ومن خلال عملية صناعة القرار. لكن من الواضح ان الملك سلمان قطع مع سياسة المشاركة وكرس لسياسة الانفراد بالسلطة مما يهدد بمعركة سياسية خفية او معلنة داخل الاسرة الحاكمة. والتحدي الثاني هو تداعيات سياسات المملكة المندفعة، التي لن تكون حرب اليمن اخرها، على استقرار السعودية والحفاظ على دورها وحجمها الاقليمي والدولي وهي التي كانت معروفة برزانة دبلوماسيتها، والتي بدأت تسقط في اخطاء سيكون لها انعكاساتها.
وفي انتظار ما سوف يفرزه المشهد السعودي وكيفية تعاطيه مع مختلف هذه التحديات، سيبقى هناك يقين بأن الايام القادمة ستكون حبلى بالمزيد من المفاجآت.
وفاء صندي ـ رأي اليوم 
لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى