مقالات

اما ان روسيا خدعت امريكا.. او كلاهما خدعا المعارضة السورية

اتفاق وقف الاعمال القتالية ، وصفه دبلوماسيون روس على انه يعادل من حيث الاهمية صفقة تسليم سوريا للمخزون الكيماوي عام 2013 ، اي انه منعطف مصيري في الازمة السورية سوف يطوي صفحة مرحلة ويفتح اخرى قد تكون اقرب لانهاء الصراع المسلح الدموي في ارض الشام.
بنود الاتفاق كانت محل تقييم لغالبية المهتمين بما يجري في المنطقة ، يكاد يكون هناك شبه اجتماع ان الاتفاق مليء بالمثالب والنقاط الغامضة التي تحتاج الى تفصيل وتوضيح حتى للاطراف العسكرية المعنية به. ليس وضع الملاحظات على البنود ومكامن التساؤول هو بحثي الان ، فرغم كل ذلك فان ما بات واضحا ان هناك ارادة امريكية روسية تدفع باتجاه محدد بغض النظر عن التفاصيل، وبات واضحا ايضا ان على الجميع قوى اقليمية ومحلية عسكرية وسياسية ان تمضي وفق هذه الارادة وهذه الرؤية.
لا يمكنني وانا انقل ناظري بين بنود الاتفاق وملحقه الا وان اسقط ذلك مباشرة على واقع الميداني في سوريا ، واقع عرفته وعاينته عن قرب خلال سنوات الحرب.
واكاد اذهب الى القول مباشرة ان هذا الاتفاق يحقق لروسيا وحلفائها معظم ما يريدون ، بالمقابل فان له مخاطر كبيرة على الجهات التي لازالت تدفع باتجاه اسقاط النظام في سوريا ، وتقف خلف المعارضة المؤتلفة في الرياض. هذا الاستنتاج الذي اقدمه عبر هذه السطور لابد ان اضع له الاسس والمقدمات والاسباب التي توصل اليه .
ببساطة اطرح السؤال التالي: اين سيتوجه الجهد العسكري للجيش السوري والحلفاء بعد ان يوقف القتال مع الفصائل الغير متضمنه في نص الاتفاق بين موسكو وواشنطن؟؟ حسب الاتفاق الى تنظيم الدولة وجبهة النصرة ، هذا يعني ان القوى العسكرية ( الجيش السوري وحلفاؤه) المتوزعة الان على اكثر من جبهة وفي اكثر من نقطة اشتباك على الجغرافيا السورية سوف تتوجه الى امكان محددة لانجازها ، بينما سيكون هناك جمود تام على الجبهات التي يقاتل فيها فصائل اخرى ولا يسمح حسب الاتفاق لهذه الفصائل ان تطلق النار او تتقدم او تغير مكان تواجدها. هذا يعني ايضا ان هذه القوى والجماعات سوف تنتظر الحل السياسي الذي سيحدد مستقبلها او تنتظر الجيش السوري وروسيا والحلفاء الاخرين لينهوا معركتهم مع تنظيم الدولة وجبهة النصرة . ثم يتفرغوا لتصفيتهم.
في منطق الجغرافيا العسكرية الان في سوريا فان المعارك الكبرى هي في امكان تواجد تنظيم الدولة وجبهة النصرة، الجيش السوري بعد انهى معركة ريف الاذقية الشمالي اصبح على تخوم ادلب ويحشد لمعركة استعادة جسر الشغور ثم محافظة ادلب، هذه المعركة وفق الاتفاق الروسي الامريكي شرعية لان هذه الاماكن يسيطر عليها جيش الفتح الذي تقوده جبهة النصرة ويتخذ امير الجبهة (ابو محمد الجولاني) من ادلب مقرا له ، اذان هي معركة تحت سقف الاتفاق كما قرأناه .

 

ايضا يستطيع الجيش السوري اكمال تقدمه الى الحدود التركية من ريف حلب الشمالي الشرقي باتجاه تادف دير حافر والباب ( هذه مناطق يسيطر عليها تنظيم الدولة) ايضا يمكن له ان يفتح معركة كبرى باتجاه استعادة مدينة الرقة معقل التنظيم او يتجه شرقا الى ريف حمص لاستعادة مدينة تدمر والتقدم الى الحدود العراقية. كل هذا مسموح ولا يدخل في اطار اتفاق وفق العمليات القتالية.
اذن ماذا بقي؟
المناطق التي سيطر عليها جيش الاسلام في ريف دمشق تحديدا الغوطة الشرقية المحاصرة من قوات الجيش السوري، هي اصلا منطقة تسود فيها هدنة غير معلنة ولم تشهد معارك تذكر منذ ان تقدم الجيش قبل شهرين تقدما جزئيا الى مرج السلطان ،بينما لم يعد جيش الاسلام يطلق قذائف هاون على العاصمة منذ تصفية زعيمه زهران علوش الا فيما ندر.اما الغوطة الغربية فيها فصائل للجيش الحر وكتائب اسلامية ، المعضمية محاصرة والمجموعات فيها تطرح كل مدة مصالحة او تفاهمات مع الدولة السورية. دارايا محاصرة ومطوقة والقوة القتالية فيها صغيرة العدد ، مضايا ووادي بردى وسرغايا كذلك .

في الجنوب درعا (عدا بصرى الشام التي يسيطر عليها تنظيم الدولة) وفي ريف القنيطرة وفي بعض مناطق حلب شمالا وفي ريف حمص تطرح معضلة تداخل جبهة النصرة وتحالفها مع مجموعات اخرى. وهذه لم يفصل الاتفاق كيفية التعامل معها.
في المناطق المختلطة التي تشكل النصرة فيها مع مجموعات اخرى قوة عسكرية، ثمة مشكلة سوف تواجهها الفصائل والمناطق التي يسيطرون عليها ، لانهم ان انضموا الى النصرة في موصلة القتال فانهم سوف يصنفون انفسهم خارج اتفاق وقف النار، وعليهم ان يواجهوا تبعات ذلك، او توقف النصرة معهم النار وهذا الارجح وهنا ستكون النصرة قد جمدت عناصرها في مناطق بينما تواجه حربا مصيرية في مناطق اخرى.
على الجانب السياسي سوف يكشف تطبيق الاتفاق خارطة الفصائل المقاتلة في سوريا ، وقد يكون معيار من يوقف النار ومن لا يوقف من هذه المجموعات هو معيار التصنيف بين ارهابية ومعتدلة لاحقا عبر قائمة يصادق عليها مجلس الامن ، كما سيطرح التطبيق تحدي كبير امام المعارضة السورية في الخارج وفق حساب على من تمون في الميدان السوري ، واي تاثير للداعمين السعودية وتركيا وقطر في قرار وحركة والتزام هذه الكتائب والفصائل .
على الجانب الاخر سيواصل الجيش السوري حربه على الارهاب وفق نص متفق عليه بين القطبين الكبيرين ، ستواصل روسيا الغارات ، سيحتفظ الجيش السوري بالمناطق التي سيطر عليها مؤخرا، سيحتفظ بوضعية قواته وحصاره لبعض المجموعات في مناطق مختلفة. سيرتاح على جبهات تتوقف فيها العمليات لينقل قواته الى جبهات اخرى سيحاول الحسم فيها ، تخلص من همروجة التدخل السعودي والتركي في الحرب برا لم تتعد الحملة قصف مدفعي تركي على بعض البلدات الحدودية لمنع تقدم الكرد الى عزاز.
لهذا نعتقد ان الفصائل المسحلة والكتائب المتنوعة ومعها المعارضة في خارج سوريا وتحديدا تجمع الرياض قد وقع في فخ محكم . فهل خدعت روسيا الولايات المتحدة ام ان كليهما خدعا المعارضة السورية . كل هذا يصح اذا ماانجز الاتفاق وفق ما اعلن عنه في النصوص.ربما اختلاف التفسيرات يحد من ذلك كما جرت العادة . خاصة ان الية الرقابة على وقف العمليات غير واضحة وستتولاها قوتان لكل منهما حلفاؤه على الارض .

 

 

 

كمال خلف 
لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى