أدبيات

بقايا بوصلة

إنها الأرضُ قال لي الموتُ تعبى
ثقبتْهَا الجراحُ حدبًا وصوبا
إنها الأرضُ والتوابيتُ حبلى
بمسافاتِها ابتعادًا وقُربا
إنها الأرضُ فافتحِ الجُرحَ أبعادًا
وعُدْ بالزفيرِ شَرْقًا وغَرْبا
تَعِبتْ والبكاءُ ما عادَ يُجْدِيْ
خَدُّهَا اليومَ صارَ قُطْرًا وقُطبا
هِيَ مِنْ كُلِّهَا على الوقتِ تَهوي
أدمعًا وهْيَ تغمُرُ الخدَّ شعبا
ذلك التلُّ ذلك السهلُ باتُوْا
شهداءً صَحَوْا بلاءً وكربا
والتضاريسُ مشنقاتٌ كسالىً
وبذورٌ تُعَانِقُ الرِّيْحَ صَلْبا
سِرْ لأقصى البكاءِ لا دمعَ يكفي
لتقيسَ الأسى وتَمتدَّ قلبا
بينَ ذاكَ الضمادِ والجرحِ وَجْدٌ
عبقريٌّ يُوَسِّعُ الآهَ دربا
ثُمَّ موتٌ وتلةٌ ثُمَّ موتٌ
وزمانٌ مشى غبارا وتربا
كان للموتِ حانةٌ كان شعبٌ
مترفُ الجرحِ يسكبُ الموتَ نخبا
ليس للثكلِ أيُّ لونٍ فريْدٍ
هُوَ كلُّ المكانِ سَفكا وحربا
الجنازاتُ كانتِ الوَقْتَ كانتْ
هِيَ أعيادَهُمْ سرورا ورعبا
كَبِرُوا منذُ أمسهم فوقَ أثداءِ
الرَّمَادِ انتشوا رَذَاذًا وشيبا
ما يزالُ الصدى بريعانِ حزنٍ
صرخةً حسرةً بكاءً ونَدبا
خفقةٌ في الركامِ قلبٌ على الرملِ
على جانبيهِ قد جفَّ حُبَّا
البقايا مِنَ احتضاراتِها بوصلةٌ
تذرِفُ الإشاراتِ جَدْبا
الغناءُ الحزينُ لَحْدُ الموسيقى
فوقَهُ شهقةٌ تُغَطِّيهِ ثوبا
عادَ للصمتِ مِنْ موسيقَاهُ أنقاضَ
صدىً نايُهُ مُوسيقىً أَكَبَّا
عادَ للأرضِ يَحْمِلُ الأفقَ جثمانَ
غَدٍ يُكْمِلُ الجنازاتِ سِرْبا
أنفقتْ جفنَهَا دموعٌ وباتَتْ
تذرِفُ الغيبَ تغمُرُ الخَدَّ غَيْبا
شهقةٌ واختصارُهَا ألفُ دَهْرٍ
وشهيدٌ على المَنَايا تَرَبَّى
ثُمَّ بينَ النقوشِ جرحٌ خَفِيٌّ
يتخطى يعاودُ الأمسَ صُلْبا
بعدُ لم يندملْ بهِ الطعنُ وَحْيًا
كلما سالَ عبدُهُ جَفَّ رَبَّا
نحرُ هابيلَ والنصولُ السلالاتُ
تَحُزُّ النَّوَالَ تُرْدِيْهِ خَطْبا
واثقٌ خطْوُ حُزنِهِمْ لم يَضِلُّوا
بخيالاتِهِم شَقَاهُمْ تَنَبَّا
يومَ كانَ الحُسَيْنُ عُشْبًا وكانتْ
ظبيةُ اللهِ بينَ عينيهِ تُسْبَى
يومَ كانَتْ أصلابُهُمْ كربلاءً
تَلِدُ الذكرياتِ قتلا وسَلْبا
مَسَحَتْ خَدَّهُمْ أيادِيْ المرايا
اْحتكروا الثكلَ طيفُهُم كانَ صعبا
لم يَمُدُّوْا سِوى الجراحَ لعلَّ
الدَّمَ يومًا يجِفُّ في الأرضِ عشبا
لوحةٌ كربلاءُ والأرضُ بِرْوَازٌ
ونزفٌ يعاودُ الوشْمَ رَطْبا
الشظايا الحُلِيُّ والأرضُ أنثىً
تَتَحَنَّى الرَّصَاصَ ثُقْبًا فثُقْبا
وهُمُ يَرْقُصُوْنَ كانَ المُغَنِّي
خلفَ أشلائِهِم دُمُوْعًا وهُدْبا
وهُمُ الوردَ يبذرونَ سَرَى الجرحُ
حصادًا فحزنُهُم كانَ خصبا
أبَّنُوا بعضَهُم أعَدُّوا رثاءً
للسلالاتِ فالعذابُ استتبا

 

 

السيد أحمد الماجد
لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى