تحليلات

الرياض كانت تنتظر بفارغ الصبر فرصة جيدة لتبرير تصعيد الحرب الباردة العالقة مع إيران

«فورين أفيرز»: الحسابات المعقدة للسعودية في حربها الباردة ضد إيران.

هنا، قد لا يبدو أن ثمة علاقة بين عملية شحن 2500 رطل من اليورانيوم منخفض التخصيب من إيران في يوم 28 ديسمبر/كانون أول 2015، والذي كان جزءا من اتفاق نووي تاريخي بين إيران والقوى الست العالمية، وبين قرار السعودية بعد ذلك بأسبوع واحد بقطع العلاقات مع طهران، ولكن من المرجح، في الحقيقة، أن هناك علاقة ما.

 

بعد أيام من الشحنة، قامت المملكة العربية السعودية بتنفيذ حكم الإعدام في الشيخ «نمر باقر النمر»، أحد زعماء الشيعة البارزين في البلاد (يشكل الشيعة ما بين 15 -20% من السكان) بعد اتهامه بالتحريض على الفتنة. قام بعض الغوغاء، من المحتمل أن يكون ذلك بدعم بعض النخب الحاكمة في طهران، بإحراق السفارة السعودية في البلاد قبل أن ترد السعودية بقطع علاقاتها بإيران على الفور. أرسلت إيران رسالة اعتذار رسمية إلى الأمم المتحدة حول الهجوم على السفارة، لكنها لم تكن كافية لنزع فتيل الأزمة.

 

قامت الرياض سريعا بقطع كل علاقاتها مع إيران، ومارست ضغوطا على حلفائها كي يحذوا حذوها. يأتي هذا في الوقت الذي تسرع فيه إيران في تنفيذ بنود الصفقة النووية وتطبيع علاقاتها مع الغرب مما يشير إلى أن الرياض كانت تنتظر بفارغ الصبر فرصة جيدة لتبرير تصعيد الحرب الباردة العالقة مع إيران. لفترة طويلة جدا، كانت المملكة العربية السعودية تؤمن بأن إيران هي صاحبة اليد الطولى في ساحات القتال في سوريا والعراق واليمن ولبنان. لوضع البلاد مرة أخرى في مكانها، فإن ض .

 

الانتقال المثير للقلق

تواجه الأنظمة الملكية الاستبدادية لحظات محفوفة بالمخاطر خلال أوقات انتقال الخلافة وحين تبدأ التغييرات الداخلية الرئيسية. حينما يأتي الأمران في وقت واحد، فإنه من الطبيعي أن تتصرف المملكة العربية السعودية بعصبية محاولة إخفاء شعورها بانعدام الأمن عبر استعراض القوة في الداخل والخارج.

 

قبل أقل من عام، صعد الملك «سلمان بن عبد العزيز»، صاحب الـ79 عاما والذي يعاني من حالة صحية سيئة، إلى العرش، ما عجل بظهور الصراع على السلطة داخل العائلة المالكة. وقد كانت خلافته سلسة على نحو ما ولكنها كانت باهظة الثمن. صرف الملك «سلمان» قرابة 30 مليار دولار في صورة مكافآت سخية لموظفي الدولة. كما قام بعزل ولي عهده، والأخ غير الشقيق، الأمير «مقرن بن عبد العزيز» وعين بدلا منه ابن أخيه «محمد بن نايف» البالغ من العمر 57 عاما في منصب ولي العهد، كما عين نجله «محمد بن سلمان»، 30 عاما، في منصب نائب ولي العهد ووزير الدفاع. سعى الثنائي لتوطيد سلطتهما من خلال تعزيز الحس الوطني السعودي الممتزج بالحس الوهابي، مع قمع المعارضة في الداخل واتخاذ سياسة خارجية أكثر عدوانية. وكان رأسمالهما السياسي يعتمد إلى حد كبير على نجاح هذه السياسات الجريئة.

 

ورغم ذلك فإن المملكة تواجه تحديات صعبة. الرئيس الأمريكي «باراك أوباما» سبق أن تحدث عن أن الشباب العاطلين عن العمل قد يكونون أكثر عرضة لتبني أيدولوجيات هدامة وعدمية، خاصة في غياب أفق شرعي للتعبير عن المظالم السياسية. وبالنظر إلى كل ذلك فإنه، عاجلا أو آجلا، سوف تكون المملكة مجبرة على إصلاح نفسها.

 

تواجه المملكة العربية السعودية أيضا صعوبات اقتصادية خطيرة. ويرجع ذلك إلى انخفاض أسعار النفط مع زيادة الإنفاق في الداخل والخارج. وقد بلغ عجز الموازنة 87 مليار دولار خلال عام 2015، وفي الوقت نفسه، انخفضت احتياطيات النقد الأجنبي من 746 مليار دولار إلى 669 مليار دولار منذ يوليو/تموز 2015. وقد قامت الحكومة مؤخرا برفع سعر البنزين بنسبة 40%، وغالبا فإن مثل هذه الخطوات لا تحظى بشعبية داخل المملكة. «عدنان مازاري»، نائب المدير التنفيذي لقسم الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في صندوق النقد الدولي، قد لاحظ أن النظرة الاقتصادية في منطقة الشرق الأوسط تبدو كئيبة. من المتوقع أن يتباطأ النمو الاقتصادي في المملكة العربية السعودية. وقد أسهمت الوفرة التي تمتع بها الشعب السعودي خلال السنوات الماضية بسبب ارتفاع أسعار النفط في رفع سقف توقعاتهم، وبالتالي فإن أي تراجع اقتصادي حاد سوف تكون له عواقب وخيمة.

 

لاحتواء أي آثار سلبية للتحديات السياسية والاقتصادية الناشئة، فقد روجت القيادة الجديدة للمؤسسة الدينية الوهابية. منذ تأسيس المملكة العربية السعودية في عام 1932، كانت هناك علاقة تكافلية بين أسرة آل سعود والمؤسسة الدينية. تقوم المؤسسة الدينية بتوفير الشرعية الدينية للملكية، في مقابل السماح لها بالسيطرة على بعض المؤسسات الدينية والقانونية الرئيسية في الداخل وتصدير أيديولوجيتها في الخارج. مكافحة التشيع هو أحد العناصر الرئيسية في الأيدولوجية الوهابية، وهذا يقودنا من جديد إلى عملية إعدام «النمر».

 

سجنت السعودية «نمر النمر» في عام 2012، قبل أن تقوم بإعدامه في مطلع عام 2016 على الرغم من المناشدات المتكررة من إيران، والعراق، وحتى وزير الخارجية الأمريكي «جون كيري» بإطلاق سراحه. لم يكن «نمر النمر» متمردا عاديا، وإنما كان يحظى برتبة آية الله وهي سلطة مبجلة عند الشيعة. كان «صدام حسين» هو آخر زعيم سني قام بتنفيذ حكم الإعدام بحق أحد آيات الله. وقد كان إعدام آية الله «محمد باقر الصدر» في أبريل/نيسان 1980 عاملا مساهما في الحرب بين إيران والعراق التي بدأت بعد ستة أشهر.

 

من خلال إعدام «النمر» و46 آخرين، فقد أرسلت القيادة الجديدة إشارة لا لبس فيها إلى المعارضين الشيعة والسنة أنه لن يتم التسامح مع التمرد. القيادة الجديدة تشعر بقلق خاص إزاء السكان الشيعة الذين يعيشون في المناطق الغنية بالنفط في البلاد. يمكن للاضطرابات هناك أن تنتشر بسهولة إلى البحرين، حليف الرياض، حيث تحكم أقلية سنية صغيرة أغلبية شيعية كبيرة.

 

الصراع البارد

قبل عامين، شرحت في هذه الصفحات طبيعة الحرب الباردة بين إيران والمملكة العربية السعودية. لا يدور هذا الصراع حول الطائفية بقدر ما يدور حول السلطة والهيمنة في الشرق الأوسط، ولكن كلا الطرفين يستخدم الطائفية من أجل تعزيز أجندته.

 

القرار السعودي بقطع العلاقات مع إيران كانت له علاقة مباشرة بالشعور بأن إيران لها اليد الطولى في المنطقة. إنهم يخشون أن موقف إيران سوف يتحسن بشكل كبير بعد رفع العقوبات، ويعرفون أن القيمة الاستراتيجية للمملكة العربية السعودية لدى الولايات المتحدة سوف تبدأ في التقلص كلما قل التوتر بين الولايات المتحدة وإيران.

 

كان الغزو والاحتلال الأمريكي للعراق هو المرحلة الأكثر أهمية في هذه الحرب الباردة، وقد تسبب في ميل ميزان القوى لصالح إيران. كان السعوديون ينظرون إلى العراق التي يحكمها السنة كثقل موازن أكثر فعالية ضد إيران يسهم في كبح جماح التوسع الإيراني في الخليج وبلاد الشام. هذا هو السبب في دعم السعوديين لـ«صدام حسين» خلال الحرب ضد إيران في الثمانينيات. كان إنشاء حكومة صديقة لطهران يهيمن عليها الشيعة في بغداد بمثابة نكسة استراتيجية للمملكة العربية السعودية.

 

منع توطيد أركان حكم صديق لطهران في بغداد بكل الوسائل هو أمر ضروري، وقد كان ولا يزال أحد الأهداف الاستراتيجية للرياض. وعلى الرغم من ذلك فقد فشلت تلك الاستراتيجية وأصبحت بغداد حليفا سياسيا مقربا من طهران، ووسعت إيران إلى حد كبير من تأثيرها في جنوب العراق على الحدود مع المملكة العربية السعودية. في هذا السياق، فإن صعود «الدولة الإسلامية» قد مثل نعمة حقيقية وخطرا محتملا في ذات التوقيت بالنسبة للمملكة. هو نعمة من حيث كونه تحرك مضاد للشيعة وإيران ويسهم في زعزعة الاستقرار في العراق. وهو خطر محتمل بسب سعي «الدولة الإسلامية» إلى إنشاء خلافة تقع مكة المكرمة في القلب منها. هذه النظرة المعقدة تفسر عزوف السعوديين عن الانخراط بجدية في التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة لهزيمة «الدولة الإسلامية».

 

كما أن السياسة السعودية تجاه سوريا لم تحقق أي مكاسب. دعمت إيران بسخاء نظام «بشار الأسد»، وقدمت المساعدات السياسية والمالية والعسكرية، بما في ذلك إرسال مستشارين عسكريين ودعم قوات حزب الله. وفي الوقت نفسه، قدمت المملكة العربية السعودية قدرا كبيرا من الدعم لمعارضي «الأسد»، بما في ذلك بعض الجهاديين العنيفين. من خلال المطالبة بالإطاحة بـ«الأسد»، فإن الرياض تريد أن تضرب ثلاثة عصافير بحجر واحد: جلب نظام جديد إلى السلطة في سوريا ينهي التحالف الاستراتيجي لسوريا مع إيران، ومنع إيران من استخدام سوريا لنقل الأموال والأسلحة إلى حزب الله في لبنان، وأخيرا دعم قيام سوريا صديقة تسهم في تقويض الحكومة الشيعية في العراق. على عكس واشنطن، التي تمنح الأولوية القصوى لهزيمة «الدولة الإسلامية»، تركز الرياض على إزالة «الأسد»، على الرغم من أنها لم تقدم بديلا مجديا له. لكن «الأسد» لا يزال في السلطة. وعلاوة على ذلك، فإن روسيا قد تدخلت عسكريا في الحرب الأهلية وتعمل على دعم «الأسد» وتعمل بشكل وثيق مع إيران والعراق وحزب الله اللبناني. الأهم من ذلك، وعلى الرغم من اعتراض الرياض، فقد دعت واشنطن طهران رسميا للمشاركة في مفاوضات إنهاء الحرب الأهلية.

 

في اليمن، يبدو السعوديون متورطين في مستنقع أيضا. بعد تسعة أشهر من القصف الجوي لأفقر دولة عربية، فإن السعوديين، الذين ينفقون زهاء 200 مليون دولار يوميا في اليمن، لم يحققوا أيا من أهدافهم. الحوثيون لا يزالون أقوياء والرئيس «عبد ربه منصور هادي» لم يعد بعد إلى السلطة. وقد قتل أكثر من 5 آلاف شخص وتم تشريد آلاف آخرين، وتواجه البلاد كارثة إنسانية. وقد مكنت الفوضى التي خلفها التدخل السعودي في اليمن لتنظيم القاعدة في جزيرة العرب وفتحت الطريق أمام «الدولة الإسلامية» لتأسيس تواجد هناك. لتبرير تدخلها، بالغت الرياض في تقدير دور إيران في دعم الحوثيين. كما كتبت في هذه الصفحات قبل سبعة أشهر، فإن الدعم الإيراني في اليمن يبدو محدودا وليس عاملا حاسما في الحرب الأهلية هناك. في نهاية المطاف، فإن الحكومة السعودية عليها إما قبول الحوثيين كلاعبين مهمين في الحكومة أو دعم تقسيم اليمن، مع بقاء الحوثيين كلاعبين مؤثرين في أحد الأقسام أيضا. أي من السيناريوهين ربما يمهد الطريق أمام إيران لتصبح لاعبا أكثر تأثيرا بكثير في اليمن من أي وقت مضى قبل المغامرة العسكرية.

 

الحب الصعب

القيادة الجديدة في المملكة العربية السعودية تتبع سياسة خارجية عدوانية أقل اعتمادا على الولايات المتحدة وتبدو على خلاف معها في كثير من الأحيان. وقد تم إرهاق البلاد عسكريا وهي تواجه متاعب داخلية محتملة. ووفقا لمعهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام، فقد بلغ مجموع النفقات العسكرية في المملكة العربية السعودية ما بين عامي 2003 و2014 حوالي 502.7 مليار دولار. ووفقا للتقديرات، فإن إيران تنفق أقل من ربع هذا المبلغ المذهل. وعلى الرغم من هذا التركيز العسكري والدعم من القوى الغربية الكبرى، فإن المملكة العربية السعودية لم تسجل بعد أي انتصارات في ساحة معارك حربها الباردة مع إيران.

 

بالطبع، فإن أيدي إيران ليست نظيفة أيضا لكن إيران لا تدعي أنها حليف الولايات المتحدة. لقد حان الوقت للولايات المتحدة لمنح شيء من الحب القاسي قليلا للمملكة العربية السعودية. وهذا لا يعني التخلي عن السعودية فهي تمثل حليفا مهما في بعض النواحي، ولكن ذلك يعني أن الولايات المتحدة لا ينبغي أن تقف بشكل تلقائي مع السعودية ضد إيران في الوقت الذي تنفذ إيران فيه بنود الصفقة النووية، وتسعى للتقارب مع الولايات المتحدة، وقد أثبتت أنها عدو لدود وفعال للدولة الإسلامية، التي تشكل خطرا كبيرا على المصالح الوطنية الأمريكية.

 

هناك العديدون في واشنطن من الذين يقولون إن أنه يجب على الولايات المتحدة اتخاذ موقف صارم من إيران ويقترحون مجموعة جديدة من العقوبات من أجل احتوائها. وهناك أيضا أولئك الذين يقولون أن على الولايات المتحدة أن تقف جنبا إلى جنب مع المملكة العربية السعودية ضد إيران. كلا المعسكرين يعملان على مضاعفة سياسات الماضي الفاشلة. بدلا من ذلك، يجب على واشنطن اتباع نهج جديد تجاه إيران والمملكة العربية السعودية يقوم على موازنة القوة الاستراتيجية. لا يوجد سوى هذه الاستراتيجية التي بإمكانها خدمة المصالح القومية الأمريكية وتسهيل تحول إيران من قوة مفسدة إلى سلطة مسؤولة. كما أنها ستحمي السعوديين من الاستمرار في هذا الإنهاك العسكري الخطير وتساعد على جلب الاستقرار إلى منطقة منهكة من عقود من الحرب والطائفية والإذلال.

 فورين أفيرز-ترجمة و تحرير فتحي التريكي – الخليج الجديد
لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى