تقارير

هدم التماثيل للوصول إلى هدم الكعبة!

“لو عدنا إلى فكر الوهابية، الفكر الذي نبت عليه عشب التكفيريين، سنجد أنّ الإنحراف هو السمة الأبرز لتعاليم هذا الفكر. فهو مثلًا، يعتبر كل مخالفٍ لاجتهاداته كافرًا ممارسًا للبدع وجب قتله. فمن قرأ الفاتحة عن روح ميّت، وجب قتله، ومن لم يؤمن برسالة محمد، وجب قتله عقابًا على هذا الفعل فقط، كما أنّه أثناء تنفيذ عملية تهدف لقتل عدو، لا ضير في قتل النساء والأطفال والأبرياء ولو بأعداد ضخمة.”

ما زلت أذكر يوم سمعت كلامًا نُسِبَ لداعش عن نية ذاك التنظيم هدم الكعبة، ذلك أنّ قبلة صلاة المسلمين وبيت الله الذي أقامه نبي الله إبراهيم مع ابنه إسماعيل، ومَعْلَم الحج والعمرة، صار بعين التكفيريين رمزًا للشرك بالله وهدمه واجب.

لم ألتفت حينها لذاك الخبر كما لم يلتفت كثيرون. ما زلت أذكر كيف أنّ أحد الأصدقاء المتابعين لم يصدق أصلا بأنّ “داعش” تنطق بمثل هذا الكلام، عازيًا الأمر إلى فبركاتٍ على وسائل التواصل الإجتماعي، فبرأيه “لا يمكن أن يصل جنون الدواعش إلى هذه الدرجة”.

إلا أنّ المعطيات تكاثرت عن نية التكفيريين من انصار “داعش” دخول السعودية وإخضاعها لدولتهم، وهدم الكعبة مع الكثير من المعالم التراثية المحمدية الإسلامية. هناك، في تلك الأرض، شق الإسلامُ دربه إلى العالم، وهناك إن صح التعبير، المركز الجغرافي لِـ”أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنّ محمدًا رسول الله”.

كان ذكرُ السيد حسن نصر الله في خطابه الأخير عن اليمن، لقرار “داعش” بهدم الكعبة إن استطاعت، هو الكلام الفاصل من سيّد له ما له من ثقل إسلامي وإعلامي وسياسي، يضع المسلمين أمام مسؤوليتهم. ليست مسؤولية تصويب الفتاوى أو محاربة ثقافة التكفير، بل هي مسؤولية أكثر تحديدًا هذه المرة، مسؤولية حماية بيت الله على الأرض، ركن الإسلام والتوحيد، حماية الكعبة!

فيما لو عدنا إلى فكر الوهابية، الفكر الذي نبت عليه عشب التكفيريين، سنجد أنّ الإنحراف هو السمة الأبرز لتعاليم هذا الفكر. فهو مثلًا، يعتبر كل مخالفٍ لاجتهاداته كافرًا ممارسًا للبدع وجب قتله. فمن قرأ الفاتحة عن روح ميّت، وجب قتله، ومن لم يؤمن برسالة محمد، وجب قتله عقابًا على هذا الفعل فقط، كما أنّه أثناء تنفيذ عملية تهدف لقتل عدو، لا ضير في قتل النساء والأطفال والأبرياء ولو بأعداد ضخمة.

الإنحرافات هنا لا تُعد ولا تُحصى، ولسنا في مقامٍ فقهي لنبرر عدم صوابية الفكر التكفيري، فالأكثرية العظمى من المؤمنين بالإسلام دينًا، يتبرؤون من هذا الفكر.

في الخطر على الكعبة، تنطلق فلسفة التكفيريين وفتواهم من وجوب هدم كل تمثال يُشيّد لأي هدفٍ كان. ما عُرِفَ على زمان النبي إبراهيم وخاتم الأنبياء محمد، وهو أمر واضح لا لبس فيه، أنّ المشكلة مع تلك التماثيل كانت جعلها في مصافِ الآلهة المطلقة، او الشريكة لله في الألوهية، فتُعبَد وتُقدّس. أمّا اليوم، فإنّ تلك التماثيل التي يتباهى الداعشيون بهدمها، وبتصوير الأمر على أنه انتصار كبير للحق، هي تُحَفٌ أثرية لا يقوم الناس إلّا بالنظر إليها أو بأخذ الصور إلى جانبها، فلا يعبدها أحد ولا يؤمن أحد بألوهيتها.

لا بدّ أنّ خلف كلّ انحراف أسس له التكفيريون على مدى عشرات السنين، هدف ما. هدفٌ يتماشى دائمًا مع المصالح الإستراتيجية الأمريكية. فالتشجيع على القتل العشوائي وتحليل الدماء والأعراض، هدفه تمزيق المجتمع العربي والإسلامي وإغراقه في الفتن التي تقضي علي أي وجود سياسي أو عسكري له، ويهدف أيضًا إلى ازدهار تجارة السلاح. كما أنّ هذا التطرف والقسوة والإجرام تحت مسميات دينية إسلامية واهية، يهدف إلى زيادة الكراهية على الإسلام وتصوريه على أنّه دين للمجرمين، حتى يأتي يوم يقول فيه المسلمون “لا شغل لنا بمثل هذا الدين”، كما ذكر السيد نصر الله في إحدى خطاباته. وبالتالي، ينتهي الإسلام كدين سماوي توحيدي يحمل قيم التسامح والرحمة وينتهي تأثيره شيئًا فشيئًا على حياتنا وثقافتنا.

أما الهدف من وراء هذا التوجه الواضح والصارم بهدم كل الرموز الأثرية والتماثيل، فهو ينقسم إلى أمرين:

أولًا، نسف التراث العربي والإسلامي، فيكفي أن يخرج إمام للتكفيريين ليقول عن هذا المَعْلَم أو ذاك التمثال “هذا رمز شركٍ يُعبَدُ من غير الله”، ليتدافع التكفيريون الذين غُسِلَ دماغهم بثقافة عمرها عشرات السنين، إلى هدم ما يُشار إليه من ذاك الإمام. وبالتالي ينتهي كل البعد التراثي والتاريخي للعرب وللمسلمين.

ثانيًا، إنّ ترسيخ هذه العقلية، بوجوب هدمِ كل شيء مشيّد وله طابع عظيم عند الناس، من الطبيعي ان يجعلهم يفتون بوجوب هدمِ الكعبة. فمن الطبيعي أن يحدث التكفيري نفسه قائلًا “هذا التمثال وذلك يأتي الناس إليه ليزوروه وينظروا إليه فنهدمه، فلماذا إذًا لا نهدم الكعبة إن كان الأمر كذلك”.

الهدف الأساسي من وراء هذا الإنحراف والتشدد بهدم كل تمثال هو الوصول إلى هنا، إلى الكعبة تحديدًا. دراسات أمريكية كثيرة شخصت الكعبة كمصدر إيجابي للطاقة على كوكب الأرض، كما أنّها معلم واضح بتأثيره الديني والروحي على المسلمين، فالحج ربما هو الحدث الوحيد الذي يلفت الأنظار كل سنة، حيث يتوافد الملايين إلى مكة ليطوفوا حول بيت الله العتيق.

لا شك أنّ المسلمين يؤمنون بقاعدة تاريخية واضحة، بأنّ “للبيت ربٌ يحميه”، حين يتخلف المؤمنون عن ذلك. والحادثة التاريخية عن أصحاب الفيل، ذاك الجيش الضخم الذي توجه لهدم الكعبة وتخلفت قبائل مكة عن الدفاع عن بيت الله قبل نبوة محمد، حين أرسل الله على ذاك الجيش طيورًا ترميه بحجارة من سجيل فقضت عليه، ما زالت تُذكر ويتذكرها المسلمون كلما قرأوا في القرآن سورة الفيل، لكنّ هذا الأمر لا يُعفي المسلمين من مسؤولياتهم إن تخلفوا عن واجبهم بالدفاع عن مقدساتهم، بل عن مقّدسهم الأول، قبلة صلاتهم، الكعبة الشريفة.

نعم، الكعبة في خطر، وليس ما قام به آل سعود منذ سنوات من هدمِ للكثير من الأماكن التراثية المجاورة للكعبة وللمسجد النبوي الشريف بحجة توسعة المكان للحجاج ببعيد عن هذا الخطر وعن مخطط هدم الكعبة، طالما أنّ ذاك الفكري الهمجي التكفيري التدميري المجرم يتشارك به السعوديون الوهابيون مع داعش ومثيلاتها.

 

كتبه رأفت حرب ـ سلاب نيوز

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى