أدبيات

معزوفة وبطل

كنت معنا فعجلت الخطى، أراك تسح الدموع على جدك الحسين، ولم أكن أعرف أنك تنظر إلى ملاقاته، وتعشق راية الشهادة، لم تكن إلا جبل تواضع، ولم تكن إلا شهامة هاشمية تنفست في دوح أعماقك، فأقسمت أن تلقي بروحك التي بين راحتيك من أجل أن تقول للمظلوم : (أنا معك)، أيها الشهيد السيد عشقت حمل القلم وكنت واقعاً يتحرك لنصرة المظلومين.

أيها السيد الشهيد أقدامك لم تكل ولم تتوقف عن المطالبة بالحقوق، كنت تقف على بحيرات النفط ولم تقبل أن تسير هذه البرك للبعيد والقريب يتضور جوعاً، واليوم أنت تقف على بحيرات من العسل المصفى فلشهيد كرامة لا توصف، أنا أكتب فيك لا من أجل أن أتذوق ما لديك هناك، بل لأني تذوقت عبق الأصالة التي أنت تناهض من أجلها.

أنا أكتب فيك لأنك معدن كرم ونبل حقيقي شح نظيره، أنا أكتب فيك لأنك تستحق هذا الاسم الذي سمتك به أمك، فـ (أكبر) تنسحب جذورها لـ (علي بن الحسين) الذي يقول : (أولسنا على الحق؟)، تقمصت هذا الوشاح قلادة وتفاخرت بها كما يتفاخر الرياضي الفائز في مباراته الأخير، وانطلقت، ولسان أقدامك المهرولة للجنان : (لا أبالي، أوقعنا على الموت، أم وقع الموت علينا)؟!

التهور هو ما يوصف به فعلك عند البعض، ولكني أذكرهم بـ (عابس) المجنون في حب الحسين، هل بالموت يهدد الكريم؟، والموت عادتهم والشهادة كرامتهم، لم تكن تسير دون بوصلة فأنت أردت أن تكون منصفاً حتى وإن خسرت ما تبقى من عمر الورد، بل أنت من ربحت عمر الجنان والخلود والشهادة، لم تكن يا (أكبر) إلا كلمة رافقت الأذان، وأحببت أن ترفعها عالياً ولم ترى غير (الفردوس) لها مسكناً، أنت يا (أكبر) ترفعت عن هؤلاء الذين يلعقون أحذية الدنيا، فنفسك أكبر من هؤلاء الذين يغرقون في وحل الذنوب ويسفكون ويفعلون الأفاعيل.

سيدة جليلة وقور، تعلمت منها صنعة الكلام، وتعلقت بأطراف حديثها، فمتلئ قلبك عنفواناً، فهذه قبضتك المنددة نحو السماء تبحث عن العدالة المضيعة والتي لن تضيع بعد الآن، وأصداء حديثك المدوي من قبرك الطاهر يصدح مجدداً : (كد كيدك، واسع سعيك، وناصب جهدك، فوالله لا تمحو ذكرنا ولا تميت وحينا)، لقد أعادت دماؤك هذه الحروف عن ظهر قلب، أشلاؤك المهشمة تكسرت على وقع هذه المعزوفة التي لا يجيدها إلا الأبطال الكبار أمثالك.

أيها السيد العريس، يا حنظلة الهاشمي أسلافك الشهداء يرمون وراءهم كل زبارج الدنيا ويرمقون طاعة الله والرسول، أيها الهاشمي الأصيل رحلت متعجلاً، وخلفت بيني وبينك الذكريات، رحلت ولم تودع صديقاً لك ولو من بعيد، رحلت وفي فمك الكثير من الحكايا التي لم تقلها لي بعد، لا ريب أن الحكايا التي تعرفها الآن تحتاج إلى قافلة، فمتى ستروي لي تلك الحكايا، ومتى سيكون الوصال؟، هل لي أن اطلب عنوانك؟ أو أعرف مكانك؟ أو تصلني منك دعوة؟ يكفيني ألماً أنك تسكن الفردوس ونحن نطمع في الأعتاب !!

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي
زر الذهاب إلى الأعلى