ــالنشرةتقارير

تحديات مزمنة تعرقل رؤية بن سلمان

مرآة الجزيرة

نشر مركز الفكر الاستراتيجي للدراسات، دراسة للباحثة إلهام الحدابي تحت عنوان ” الشركات المتعددة الجنسيات في السعودية وأثرها على المجتمع والاقتصاد السعودي”.

وتلفت الباحثة في المقدمة إلى الدور الذي يلعبه النفط في الاقتصاد السعودي، لكونه مصدر غير مؤتمن للأموال والرفاه الاجتماعي لتأثر أسعاره بالتقلبات السياسية والاقتصادية على نطاق عالمي. وبالتالي بقدر ما تشكل أسواق النفط فرصة سانحة لخلق رخاء اقتصادي تشكل في الوقت نفسه مصدر تهديد حقيقي كونها غير مأمونة النتائج.

وفي تطرقها لتحديات تنويع المصادر الاقتصادية، التي تبناها محمد بن سلمان في طرحه لرؤية 2030، تعتبر الحدابي أنه صيغ عقد اجتماعي منذ ظهور الطفرة النفطية في فترة الأربعينات والخمسينات سمح بزيادة ضخمة في العائدات والثروات، والتي على أساسها قام هذا العقد. ولفتت الباحثة إلى أن هذا العقد حكم علاقة الحكام والناس. الأمر الذي يجعل من الصعب في ظل الحديث عن التنويع الاقتصادي تناول إعادة صياغة العقد الاجتماعي القديم ووضع أسس جديدة لعقد جديد يجمع بين “المواطنين” و”الدولة”.

تقول الحدابي أن جميع دول الخليج فشلت بنسب متفاوتة في الاستغناء عن النفط وتحقيق تنوع اقتصادي يخلق له استقرار اقتصادي حقيقي يقوم على الإنتاج والتصدير. ويتطلب التنويع الاقتصادي إلى قدرة على أنتاج سلع وخدمات -غير الهيدروكربون ومشتقّاته- يمكن المتاجرة بها مع باقي العالم. لكن يبدو، وفقا للباحثة، أن “السعودية” لا زالت بعيدة عن تحقيق مثل هذا الهدف، ففي العام 2018، شكّل الهيدروكربون والمنتجات المرتبطة به أكثر من 80 % من الصادرات الإجمالية في “المملكة العربية السعودية”.

وتذكر في دراستها أن الاستثمار الأجنبي المباشر، يعد أحد أبرز الوسائل التي تمكن الدول من تحقيق التنويع الاقتصادي فيها، وتردف بأن دول الخليج بشكل عام لا تزال غير نشطة في هذا الجانب، إذ لم تبلغ التدفّقات الصافية من الاستثمار الأجنبي المباشر إلى مجلس التعاون الخليجي ككلّ سوى 1,1 في المئة من الناتج المحلّي الإجمالي بين العامين 2015-2019. ويمثّل هذا الرقم أقلّ من نصف المتوسّط العالمي وأقلّ بثلاثة أضعاف تقريباً من تدفّقات الاستثمار الأجنبي المباشر إلى الاقتصادات العالية الدخل.

وفي هذا السياق، تواجه الرياض مروحة من التحديات التي تشكل عقبة تحول دون تمكنها من تطوير قدرتها في تنويع مصادرها الاقتصادية. وتتمثل تلك أبرز تلك التحديات في النقاط التالية:

أولاً، ضعف بيئة الأعمال: تفتقر بيئة الأعمال في السعودية إلى وجود أطر قانونية محددة الملامح توضح شروط عمل الشركات الأجنبية، وعادة ما يتم إجراء التعديلات في السياسات على أساس مرتجَل بدون إنذار أو مراجعة. وقد تشمل هذه التعديلات الحدّ من تراخيص العمل من دول معيّنة والحدّ من تحويل الأموال إلى الخارج وقطع العلاقات الاقتصادية مع الدول المجاورة. ويزيد هذا الغموض في السياسات من الخطر للشركات الدولية، وحتّى المحلّية، التي ترغب في الاستثمار في المنطقة.

ثانياً، عدم نجاحها في تطوير القطاعات غير النفطية: تعتبر الباحثة بأنه على الرغم من مرور أكثر من خمسة أعوام على إطلاق رؤية 2030 والتي هدفت بشكل رئيسي إلى التخلص من التبعية للنفط، إلا أن معظم المشاريع لا زالت تعتمد على تمويل النفط، مشيرة إلى أن “المملكة” لم تتخذ الاجراءات اللازمة لتحقيق هذا الهدف.

وتؤكد الباحثة من جهتها، أن التنويع الاقتصادي الناجح يتطلب بناءَ قطاعات مستقلّة فعلاً عن النفط والغاز. وترتكز القدرة على إنشاء قطاعات مستقلّة على ثلاثة أسس: (1) اعتماد إطار عمل مالي يخصِّص عائدات النفط والغاز للريوع القصيرة الأمد أو للاستثمارات الطويلة الأمد مع الحد الأدنى من التشوهات الاقتصادية، (2) تمكين قطاع خاص موجّه نحو التصدير لا يعتمد على النفط والغاز لكي ينمو ويزدهر ،(3) بناء يد عاملة قادرة ومحفَّزة خارج القطاع العام تتضمّن روّاد الأعمال. وإزاء ما ورد تشير الباحثة إلى اعتماد الرياض لإصلاحات جزئية لا يبنى عليه اقتصاد متنوع.

ثالثاً، تبعية الإصلاحات لتفضيلات الحاكم وليس لخطط منهجية وحاجة الواقع: تبدي الباحثة أن “الإصلاحات في السعودية” عادة ما تعكس تفضيلات صانعي السياسات أكثر منها مكامن القوّة التنافسية لاقتصاداتها. إذ أن التركيز على القوة التنافسية لدى الدولة يسهل لها تحقيق تنويع اقتصادي من جهة، كما يحقق لها سهولة التفوق في المجال الذي تتميز فيه عن غيرها. ويُلاحظ أن معظم مشاريع الرؤية ركزت على جانبيين رئيسيين، الأول يتعلق بإصلاحات مجتمعية، والثاني يتعلق بالمشاريع الترفيهية. ومن يتتبع سير تطبيق خطوات تنفيذ مشاريع الرؤية يدرك أن معظم تلك المشاريع لا تتبع خطة منهجية في التنفيذ وبالتالي تنعكس بشكل سلبي على هدف التنويع الاقتصادي بشكل عام، وعلى الرؤية بشكل خاص.

رابعاً، ترهل القطاع العام وجمود القطاع الخاص، تبيّن الباحثة أن القطاع الخاص في “السعودية”- شأنه شأن معظم دول منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا – لا يزال يعاني من إشكاليات جوهرية، إذ يعاني هذا القطاع من غياب التنظيم المؤسسي وإن وجد فيكون مفرطاً في التنظيم، ناهيك عن أنه يدار -عادة- من قبل نظام مترسّخ من المحسوبيات والمعارف. وعادة ما يتم تمويله من قبل المؤسسات المالية العامة كما أنه ينال دعماً من خلال الإعانات الحكومية، وبالتالي من الصعب أن يقف القطاع الخاص ويعتمد على نفسه بشكل كامل، كما يصعب عليه أن ينمو بشكل طبيعي، إضافة إلى ذلك يصعب على أي شخص بلا معارف سياسية أن يؤسّس عملاً ناجحاً وينمّيه. وترجع جذور هذه العوامل إلى الاقتصاد السياسي وإلى العقد الاجتماعي الحاكم في دول “مجلس التعاون الخليجي”.

لتختم الباحثة إلهام الحدابي، هذا المحور من الدراسة بالقول بالتأكيد على وجود تحديات مزمنة فرضها واقع الاقتصاد الريعي الذي اعتمدت عليه “السعودية” طيلة العقود السابقة، وتسبب في حدوث اختلالات اجتماعية واقتصادية بسبب ارتباطه بشكل رئيسي بتقلبات أسواق الطاقة وعدم اعتماده على الإنتاج بمختلف مجالاته وأنواعه. ناهيك عن الفواتير الضخمة التي فرضتها تأثيرات تفشي جائحة كورونا التي لا تزال آثارها مستمرة على مستوى السوق العالمي بشكل عام وعلى مستوى سوق الطاقة بشكل خاص.

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى