ــالنشرةحقوق الانسان

السجناء المنسيّون| حسين آل مغيص.. حكايةُ عمرٍ مضى خلف القضبان

مرآة الجزيرة

لو كان يعيش في دولة تحترم حقوق الإنسان وحرياته، لكان المعتقل حسين أحمد آل مغيص يعيشُ اليوم بجانب أسرته محاطاً بأحفاده، وقد أمّن لنفسه ولعائلته عيشاً هنيئاً، إلا أن النظام السعودي شاء لهذا الشاب مصير مختلف تماماً، فاعتقله وهو بعمر الشباب ولم يزل مغيّباً حتى الآن في السجون السعودية.

ابن بلدة القطيف، قرية البحاري، كان عمره عند الاعتقال 24 سنة، عندما اعتقلته السلطات السعودية في أبريل/ نيسان عام 1996، وبعد 25 عاماً من الاعتقال يكون عمره الحال 49 عاماً.

كانت حياة الشاب تسيرُ بهدوء إلى أن أقدمت السلطات السعودية على اعتقاله في 1996 بتهمة المشاركة في تفجيرات الخُبر، في سياق حملة الاعتقالات الواسعة التي شنّتها السلطات السعودية عقب التفجيرات ضد أبناء القطيف والأحساء، رغم أن التحقيقات لم تثبت تورّط أي من المعتقلين في الحادثة.

اعتقل الجرّاش بطريقةٍ بوليسيّة حيث صبّ عناصر المباحث غضبهم على البيت، واقتلعوا بعض أبواب الغرف ودورات المياه. لم يسمح لذويه معرفة أخباره أو زيارته لمدّة طويلة، فبقي لسنوات طوال تتناوب على جسده النحيل وسائل التعذيب المبرح في سجون الحائر في الرياض والحائر في الدمام.

في أعقاب ذلك، عُرض الشاب حسين على قاضٍ عيّنه وزير الداخلية حينها نايف بن عبد العزيز ليثبت عليه تهمة المشاركة في انفجار الخُبر، دون الاستماع إلى أدلة النفي الواضحة التي يمتلكها حسين المغيص، والكافية لتبرئته من أي دور في الهجوم. وبعد 17 عاماً من الاعتقال تم إبلاغه بأنه قد صدر بحقه حكم بالسجن المؤبد يقضيه اليوم في سجن الدمّام.

حلقات المأساة والمظلومية بدأت تتلاحق بحق المغيص ورفاقه السجناء المعروفين بالسجناء التسعة بالمنسيين الذين اعتقلوا عقب التفجيرات مباشرةً، إذ بقي هؤلاء بالإضافة إلى اعتقالهم التعسّفي محرومين من أدنى الحقوق التي تتمثل في معرفة التهم الموجهة إليهم والمحاكمة العادلة و توكيل محامين منصفين ومحايدين يدافعون عن قضيتهم.

خمسٌ وعشرون عاماً قضاها حسين خلف القضبان دون محاكمة، ودون أن يسمح النظام لأحد من ذويه في معرفة أسباب اعتقاله وظروفه وملابسات قضيته في استخفاف واضح بجميع القوانين والمواثيق والأعراف الحقوقية والإنسانيّة وحتى نظام الإجراءات الجزائية السعودي الذي جعله النظام مجرد حبر على ورق كما هي كل الأنظمة والقوانين السعودية. فغدا مع رفاقه رمزاً للاستخفاف السعودي بقيمة الإنسان والمواطن، ورمزاً للطغيان والاستعلاء والجبروت على القيم والمبادئ والتعاليم التي نادى بها الإسلام وتبناها الإنسان بعقله وفطرته.

قضيّة المنسيين التسعة عرضت على المسؤولين والأمراء الذين تمت زيارتهم والمطالبة بالإفراج عنهم إذا كانوا أبرياء أو قضوا فترة حكمهم، أو محاكمتهم إذا كانوا مذنبين إلا أن ذلك لم يحدث حتى الآن. وفي إحدى زيارات مسؤول الرصد والتوثيق أحمد المشيخص في “مركز العدالة لحقوق الإنسان” لأمير المنطقة الشرقية السابق محمد بن فهد طرح عليه قضية المنسيين المعتقلين، قال إن “هؤلاء محكومون بالإعدام وقد تم تخفيف الحكم عنهم، ولكنه لم يوضح ما هو الحكم”.

أما بشأن وضعهم القانوني، فيكشف المشيخص قائلاً: “وضعهم القانوني سيئ جداً، فهم لم يعرضوا للمحاكمة، ولم يُسمح لهم بتوكيل محامين، كما تم اعتقالهم من دون تهمة واضحة، حتى أن أهاليهم كانوا يسألون لفترات طويلة من غيابهم في السجون عن سبب اعتقالهم ولم يفصح عن السبب إلا بعد سنوات”. المشيخص رأى أن قضية المنسيين هي السبب الرئيسي والشرارة التي سبّبت الحراك السياسي الذي شهدته القطيف مشيراً إلى أن الشعار الأول والأبرز في الحراك هو المطالبة بالإفراج عن التسعة المنسيين المعتقلين الذين بقوا في السجون لسنوات طويلة، مع العلم أن إطلاق سراح هؤلاء سيساهم في تخفيف حدة الاحتقان السياسي، خصوصاً أن هناك تعاطفا كبيرا من قبل الأهالي معهم جعل عشرات الآلاف يخرجون في تظاهرات مطالبة أولا بالإفراج عنهم بالإضافة لمطالب أخرى.

يذكر أنه نشبت عدّة احتجاجات واعتصامات طالبت بالإفراج عن السجناء المنسيين خلال الاحتجاجات السعودية بين عامي 2011 و2012 في العديد من المدن في مُختلف أنحاء “السعودية”، لكنّ قوات الأمن قمعتها بل استعملت العنف لتفريقها كما حصلَ في الاحتجاج الذي اندلعَ يوم 19 أغسطس/ آب 2012 في سجن الحائر والذي اضطرت قوات الأمن فيهِ لإطلاق الرصاص الحي في الهواء لإخماده. ليست هناك إحصائيّة رسمية حولَ عدد السجناء السياسيين في سجون المباحث العامّة إذ إنّ وزارة الداخليّة تنكر وجود أيّ سجينٍ من هذا النوع، فيمَا تقولُ “لجنة حقوق الإنسان الإسلامية” التي يقعُ مقرها في المملكة المتحدة إنّ هناك أكثر من 30,000 سجين سياسي في السجون السعودية ونفس الأمر تُؤكّده “بي بي سي”.

وزعمت الداخلية السعودية عقب تفجيرات الخبر رواية واحدة، وهي اتهام أطراف “شيعية” ومن خلفها إيران، في حين تجاهلت حقيقة ضلوع أطراف أخرى، مثل تنظيم القاعدة ومسؤوله أسامة بن لادن الذي كتب قبل ذلك اليوم رسالة مفتوحة إلى فهد بن عبد العزيز في 11 تموز 1995، يعلن فيها “الجهاد على الأميركيين المحتلين لبلاد الحرمين”.

لم تغيّر سلطات الرياض موقفها ولم تنظر في قضية المنسيين التسعة مع العلم أن صحيفة “القدس العربي” نشرت في منتصف شهر آب 1996، معلومات تتعلق بالحركة الجهادية في السعودية، سجلت فيها اعترافات 6 أشخاص من المجاهدين العرب في حرب أفغانستان اعترفوا تحت التعذيب داخل سجون النظام السعودي بارتباطهم بتفجير الثكنة الأميركية في الخبر.

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى