مقالات

نظر آليات في تنمية الوعي السياسي

 

 

ليس من شك في ان عالم السياسة ضمن مختلف دوائره «ما ضاق منها واتسع» هو عالم صاخب يضج بالأحداث المتسارعة والوقائع المتحولة والتوقعات الكثيرة.
ويكفي لكي تتجلى صورة ذلك ان يستمع الواحد منا مرتينِ في اليوم لنشرات الاخبار لنسمع ونرى العجب العجاب من الاحداث المفاجئة والحوادث المتلاحقة التي لا تكاد تداعياتها ان تقف عند حد او لا تكاد ان تصل الى نتيجة حاسمة.
وذلك لأنه سنجد اثناء الاستماع والمشاهدة ما يلي:
– نشاطا دبلوماسيا وسياسيا دؤوبا في مختلف الاماكن والاتجاهات ومن جميع الاطراف العاملة في السياسة والمنخرطة في بحر ميادينها غير المتناهية.
– موجاتٍ من الافعال ورداتِ الافعال السياسية في شكل اقوال وتصريحات بين مثبت ونافٍ ومدع ومُكذِّب مما يجعل المشهد السياسي العام في منتهى الغموض والتعقيد حتى على الكثير من السياسيين أنفسِهم.
– كماً هائلا من الخطط والبرامج والمبادرات ذات الصبغة السياسية دوليا واقليميا ومحليا لأغراض شتى واهداف وغايات متنوعة ومختلفة.
– انكشافاً للوجه القبيح الذي تصطبغ به السياسة – غالبا – من خلال سلوك لاعبيها وروادها حيث ينعدم الصدق وتتلاشى الامانة ويكثر النفاق والمكر والكيد والتآمر في سبيل تحقيقِ ما امكن من المكاسب السياسية العاجلة.
– بروزاً للروح الانتهازية المنبثقة من الحرص الشديد على تسجيل المواقف التي يمكن ان تخدم الاهداف الخاصة والتطلعات الذاتية ولو على حساب الشعوب والامم الاخرى.
لكن هذا كله لا يعني ان الموقف من السياسة لا بد ان يكون سلبيا وان يكون هو القطيعة معها وعدم الانفتاح على عالمها والافراط في التحسس منها بما يؤدي الى الانكفاء على الذات والحكم المطلق عليها بالشر.
وذلك لان هكذا مواقف سلبية من السياسة وما يكتنفها من ملابسات لا يعني الخروج عن دائرة تأثيراتها وتداعياتها لان السياسة يصح فيها القول بانها «ان تُركِتْ لم تَتْرُكْ» أو ليست السياسة في مجمل حقيقتها «ادارة البلاد والعباد» فكيف لا تكون كذلك وكيف يمكن بعد هذا النأي بالنفس عنها او اعتزالها او الابتعاد عن شيء من تأثيراتها.
نعم الفرق بين من يمارس السياسة وبين من لا يمارسها ان الاول تناله نتائجها وانعكاساتها بشكل مباشر وأسرع بينما الثاني تصل اليه بشكل غير مباشر وان كانت متأخرة.
من هنا تأتي اهمية طرح السؤال التالي والاجابة عليه؟
كيف ننمي في انفسنا الوعي السياسي لنكون اقدر على فهم ابعاد حركتها وتحولاتها من جهة والتعامل السليم مع ملابسات ومستجداتها؟
الجواب:
يمكن ذلك من خلال التمسك بالآليات التالية:
1 – متابعةُ الاحداث السياسية اولاً بأول من خلال نشرات الاخبار المسموع منها والمرئي وليكن ذلك بتوجه كامل والتفات كبير لتفاصيل الاحداث من حيث الموضوعات والزمان والمكان والاطراف المعنية بالخبر او الحدث.
والمتابعة مرتين في اليوم في وقتين مختلفين من خلال وسيلتي إعلام يمكن الاطمئنان لموضوعيتهما في نقل الخبر – يبدو بان ذلك كافٍ في تحقيق الهدف المنشود فيما يخص الاطلاع على الاخبار السياسية ومجريات الأحداث في المنطقة والعالم.
2 – المواظبة اليومية على قراءة صحيفتين على اقل التقادير مما يُطمأن الى موضوعيتهما في نقل الانباء واستعراض اخبار الاحداث الجارية.
مع التركيز على الانظار والآراء التي تقال حول مجمل الاحداث من قبل الخبراء والكتاب والمحللين واصحاب السياسة والقرار في هذا المجال.
وهكذا الحال مع المجلات السياسية المختص منها والعام.
3 – الاهتمام الخاص بالاطلاع على وجهات نظر اهل الخبرة والاختصاص بالشأن السياسي وما يتصل به من عوالم الاقتصاد والاجتماع والامن والعسكرية وجمع المعلومات ممن لهم تخصص في ذلك او تجربة او مهارة أو اطلاع.
فان تلك كنوز من التجارب وفي التجارب علم مستحدث.
ويمكن ذلك بالاطلاع على محاضراتهم وحواراتهم ومذكراتهم وتصريحاتهم الصحفية وما يكتبونه بأقلامهم.
4 – محاولة تحليل الاحداث السياسية في القضايا ذات الاهتمام بجمع المعلومات والارقام «الاحصائيات» وسائر المعطيات ومن ثم اعمال الفكر والنظر بهدف التعرف على خلفياتها وما يمكن ان تفرزه من نتائج وتداعيات.
وتلك المهمة وان بدت صعبة في خطواتها الاولى الا ان ممارستها باستمرار وبشكل منتظم من شأنه ان يُمكِّن الفكر منها الى درجة تتحول فيه بعد ذلك الى ملكة اصيلة تصدر عن الفكر نفسه بتلقائية وبلا تكلف.
5 – المطالعة المركزة لمجموعة من الكتب السياسية التي يمكن ان تثري الذهنية بالمعلومات السياسية وما يتعلق بالسياسة وان تعمق التفكير وتقوي ملكة التحليل وكذا القدرة على استشراف المستقبل المنظور.
وهنا ينبغي انتخاب عددا من امهات الكتب المناسبة في هذا المجال على اساس ان تكون متنوعة في موضوعاتها ومؤلفيها وأفاقها.
ويُسأل عن ذلك أهلُ الخبرة والاطلاع ممن يوثق بتوجهاته وخبراته في هذا المجال.
6 – مما له بالغ الاثر في تحقيق حالة الوعي السياسي هو الاحاطة بالقدر المناسب مما هو عليه «القانون الدولي» في مبادئه ولوائحه وقواعده.
ويمكن ذلك بقراءة عددٍ من الكتب المعتمدة والمهمة والمناسبة في هذا المجال.
7 – وقبل ذلك ومعه وبعده الانفتاح على النص والتراث الاسلاميين فانهما مملوءان بالحقائق والمعارف والاشارات التي من شأنها ان تغني الذهنية السياسية وتوسع من دائرة آفاقها وتجعلها قائمة على أسس متينة من المبادئ الصلبة والثوابت القطعية.
وأخيراً:
ان يكون كل ذلك مصحوبا بشعور عميق بأهمية المعرفة السياسية والاهتمام بأمور المسلمين باعتبار ان «العالم بأهل زمانه لا تهجم عليه اللوابس» و«من اصبح ولم يهتم بأمور المسلمين فليس بمسلم».
وليُعلم بان احدى اهم الاسباب التي تجعل الشعوب ألعوبة بيد الكبار «الاقوياء» هو انعدام او انخفاض مستوى الوعي السياسي لدى هذه الشعوب او تلك! مما يجعلها دائما ضحايا المؤمرات المحاكةِ بخبثٍ ودهاء على طريق الهيمنة والسيطرة ومصادرة الحقوق ونهب الثروات.
كما ينبغي التأكيد على ضرورة الاحاطة الدقيقة والكاملة بالموقف الديني «الشرعي» من كبريات الاحداث السياسية قبل الانخراط فيها او اتخاذ موقف عملي مباشر منها مما قد تكون له تداعيات نوعية كبرى على المجتمع والأمة.
الشيخ ابراهيم الميلاد
لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى