أدبيات

(الشكاوى السرّية للرجل العادي)

شيخيَ الجليل،،، لا أقصد تدنيس وقتك الإلهيْ
لكنك إن استمعتَ إليّ دقيقة ً،، أو اثنتين
ربما يؤمن قلبي بكلمة
أو يكفر بكلمة
فلا أعود إليك في الحالتين..
*

شيخيَ الجليل هذا أنا، تلك ملامحي..
أنا الواقف خلف كل شيء،، ثروتي قدمايْ
أقف خلفك في الصلاة
أقف خلف كل من جاء قبلي
أقف خلف الأبواب المنقوشة
خلف الحواجز الأمنية
و الأطواق الأمنية
خلف زجاج المصارف
خلف كل المتاريس في كل الحروب التي استغلقَتْ على فهمي الحدود
خلف كل الحكايات التي استغلقَتْ على فهمي المحدود
خلف كل الوصايا التي استغلقَتْ على فهمي المحدود
رأيتُك َ في نومي تعانق الشيطان
فاستعــذتُ من الشيطان و ابتهلتُ إليك
و وقفتُ خلفك..
أنا الواقف خلف كل شيء،، إن نظرْتَ خلفك وجدْتَني..
و إن نظرتُ أنا خلفي وجدْتُ العدم..
جئتُ اسألك،، من خلقَ الفرقَ بين النظرتين؟
أنا لا أملُّ الوقوف،، و لكنك إن استمعتَ إلــيّ دقيقة ً،، أو اثنتين..
ربما يؤمن قلبي بكلمة..
أو يكفر بكلمة..
فلا أعود إليك في الحالتين..
*
هذا أنا، تلك ملامحي..
أنا القابض على كل شيء،، ثروتي يدايْ
أنا من يزرع النار في أطراف المدينة
أنا من ينفث في الفجر قناديلَ الليل
أنا من يغنّي بصوتٍ رديء ٍ فتتسارع خطوة الأيام
أنا من يفتل حبلك المقدس
أنا من قدَّت يداي عرشك،، عرش النجاة
و أعطيتُه من ماء عيني و من شرياني حياة
في جوفك كل ما زرعـتُ من قمح ٍ ،
و في جوفي كل ما جاء في ألواحك من وصايا
سمعتُك تحدّثنا مرة ً عن واجبات الرجل الفقير
شعرتُ أنك افترسْتَ كرامتي،، و تقاسمتها مع نسور الجبل
و أنت نشوانٌ تعانق الشيطان
و تستبدل قصة قديمة بقصة جديدة
أنا القابض على كل شيء جئتُ أسألكَ..
ما الفرق بين القصتين؟
أنا من عباءتك و ابن عباءتك
و لكنك إن استمعتَ إليّ دقيقة ً ،، أو اثنتين
ربما يؤمن قلبي بكلمة
أو يكفر بكلمة
فلا أعود إليكَ في الحالتين..
*
هذا أنا، تلك ملامحي
أنا عاشق كل شيء أقبّل يديكَ و احمل الأرض على كتفي
و أضعها برفق ٍ تحت المطر و أنحتها لتأخذ شكل الوصية
و أنحت ُ نفسي لتأخذ شكل الوصية
و أنحت أسرتي لتأخذ شكل الوصية
ابني أصبح الآن ينطق!
هل تصدّق؟!
ابني الآن يسألني،، ماذا تعني لنا الأرض؟
ماذا تريد منّا الأرض؟
هل نثق بكل ما تأتي به الأرض؟
هل تحب كل سكان الحي يا أبي؟
هل ستنجب أبناءً غيري يا أبي؟
هذا هو ابني، تلك ملامحي
اصطحـبتُه يوما معي ليراني معك..
هو ابن عباءتك،، في جوفه كل ما جاء في ألواحك من وصايا..
سمعتُك تحدثنا عن واجبات الرجل الفقير
شعرتُ أنك افترسْتَ طفولته.. و تقاسمتها مع نسور الجبل
و أنت نشوانٌ تعانق الشيطان و تهذي..
كــدْتُ أن أمزّق ذراعه و أنا اصرخ في وجهه المذعور:
الأرض أرملة الحلم، الأرض رفُّ بضائع، الأرض قبور بلا أسماء
الأرض صفقة بين الغزاة و بين شيخنا الجليل..
شيخيَ الجليل اغفر لي..
أنا الواقف خلف كل شيء،، ثروتي قدمايْ
أنا القابض على كل شيء،، ثروتي يدايْ
أنا عاشق كل شيء.. ثروتي أغنيتان و كأس شايْ
أنا رجلٌ عـــاديٌّ لا اقصد تدنيس وقتك الإلهيْ
أنا وحدي غريق النهر و أنت وحدك على الضفتين..
أنت في حلٍّ من كل الوعود
و لكنك إن قلتَ لي الحقيقة مرّة ً،، أو مرتين
ربما حييتُ حرّا ً..
أو مِتُّ حرّا ً..
فلا أعود إليكَ في الحالتين

محمود الشرقاوي
لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى