ــالنشرةتقارير

“انقلاب القصر”: خيار التوحش.. لماذا لا يشعر محمد بن سلمان بالأمان؟

مرآة الجزيرة

ليل الأول والعشرين من يونيو وبعد منتصف الليل بدأ محمد بن سلمان حربه الواسعة في الداخل، حرب كانت كفيلة بتقسيم العائلة المالكة وبإطاحة، ما كانت لعقود صورة “العائلة المتماسكة والموحدة”؛ غير أن الحفيد الأول خرق المعايير منذ بروزه في ولاية العهد الثانية وطمعه في السيطرة على الأولى.

الاسم الأول على لائحة الخصوم كان محمد بن نايف. وللرجل ذي الصلات الأمنية والاستخبارية المتينة في الغرب عموما وأميركا على وجه الخصوص وصاحب عقود من الخبرة في وزارة الداخلية كان أول وأكبر ضحايا ابن سلمان، والأخير أراد ربما جعله عبرة للخصوم..بألا استثناءات في حرب الإقصاء.

صبيحة “انقلاب القصر” رتّب محمد بن سلمان مسرحية توليه ولاية العهد منتزعا إياها من ابن نايف وحاسما بذلك الجدل المتطور منذ وصول سلمان إلى سدة الحكم خلفا لعبدالله عن الخط الجديد لتوارث العرش؛ غير أن الصعود اللاشرعي في العائلة كما بين الشعب فاقم قلق ابن سلمان ولم يترك له خيارا غير التوحش.

وكذا بدأ “الشاب المتهور” معركته الأوسع من القصر الملكي إلى خارج حدود البلاد، ولم تشفع له شعارات النزاهة ومحاربة الفساد في إعفائه من الغايات الشخصية الكامنة تحتها بخصوص ضمان إخلاء الساحة من كل المنافسين. بين الأمراء وكبار المسؤولين والمتنفذين والمستشارين من صار ضحية القمع المضاعف في صفوف العائلة، فغدا كل من هؤلاء حبيسا في قصره أو في “الريتز كارلتون”.

بعد الاحتجاز الطويل كانت غاية ابن سلمان السيطرة على الثروات وتجميعها في صندوقه الخاص الذي يسميه صندوق “الاستثمارات العامة” لكن ليس للعامة أي انتفاع منه. تجميع للثروات وحملات اعتقال واسعة طالت الآلاف وبعدها اتفاقات غير معلنة وتدمير للصلاحيات واغتيالات معنوية طالت الأمراء ثم السيطرة على شركاتهم وحصصهم وأسهمهم.

هكذا بات آل سعود في موقع الضحية؛ وضعهم هناك مرتين حفيدهم الأول في الحكم، مرة باستخدام الخيار الأمني معهم والتضييق على أدوارهم ومسؤولياتهم وجمعها في قبضته بعدما كانت شؤون السلطة تدار بتقسيم متعارف عليه بين الأمراء؛ وأخرى بتدمير “العائلة المالكة” وشقّ صفها وإخراج الخلافات إلى العلن.

ولربما أن هذا الرجل من حيث لا يدري يكون بادئ التغيير في “السعودية”، لكنه تغيير يخالف ذلك الذي أراده. فبظهور ابن سلمان وبتتبع ممارساته داخل القصر الملكي يبدو من السهل الجزم أن بداية نهاية للعائلة المالكة قد آن أوانها وهو ما تثبته الخلافات التي طفت على السطح سريعاً، ولم تسلم منها أسماء كان لها وزنها في عالم السياسية “الملكية السعودية” مثل متعب بن عبدالله وأحمد بن عبدالعزيز وقبلهما مقرن بن عبدالعزيز.

لكن المثير للشك أن قلق محمد بن سلمان يتعاظم، وهو ما تثبته حملات الاعتقال التعسفي المتواصلة، وإن كان القمع أداة وحيدة يدركها ابن سلمان فإن الإمعان فيه والمبالغة في كسر القوانين والدوس على الحقوق المدنية المشروعة يدفع “السعودية” إلى حافة الانهيار.

فبين الأحداث تتسلسل تفاصيل صغيرة تكشف عمق الأزمة الكامنة بين الجدران العائلية لقصر الحاكمين، وإذا كانت السلطة تتكتم تماما على كل ما يدور في أروقة البلاط فإن معلومات مسربة من الداخل تذكّر باغتيال اللواء عبد العزيز الفغم في حادثة تتجاوز في حيثياتها الرواية التي عممها الإعلام الرسمي عن إطلاق نار أودى بحياته على خلفية خلاف شخصي.

فالفغم اغتيل في أولى ذروات الحملات التعسفية ضد الأمراء وبالطبع أن التحليلات ارتبطت بعلاقته الوثيقة بالملك وقربه منه وسعي ابن سلمان لتضييق دائرة المتصلين بسلمان وحصره بمن ينالون ثقته.

وفي سياق موازي تترجم عملية اعتقال رئيس أمن الدولة عبدالعزيز الهويريني بعد شكوك بصلاته بمحمد بن نايف. تحرك يؤكد أن الأخير حتى بعد العزل والاعتقال وإبقائه قيد الإقامة الجبرية ما زال إسماً يؤرق محمد بن سلمان حتى بعد أربع سنوات من تجريده من أدوات القوة، ما زال ولي العهد يتتبع آثاره في المسؤولين المحيطين به.

ولعل التركيبة الأمنية للنظام وتقاسم الأجهزة الأمنية بين الأمراء وتجييرها لخدمة امبراطورياتهم المتمددة على بطون الفقراء تجعل من اختراقها التام مهمة مستحيلة حتى على محمد بن سلمان، الذي يحكم “بقبضة حديدية”، ولا يملك خيارا غير استخدام القوة، لكن تجديد الاعتقالات وإبقاء تفاصيلها طي الكتمان يؤكد أن القلق يتعاظم من الانهيار السريع لسلطة بناها بلحظة على خراب بدأ بانقلاب عسكري ناعم على الحكم، للاستحواذ عليه.

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى