ــالمشهد الفلسطينيالنشرة

اغتيال الناشط الفلسطيني نزار بنات في سجون سلطة “أوسلو”.. قارع التنسيق الأمني ورفض التطبيع وعارض آل سعود وناصر اليمن، فارتقى شهيداً

مرآة الجزيرة

شيّع الفلسطينيون، الناشط الفلسطيني المعارض نزار بنات الذي قضى نحبه تحت سياط التعذيب بعد أقل من ساعة من احتجازه من قبل جهاز الأمن التابع للسلطة الفلسطينية، عملية قتل ممنهجة تعرض لها الناشط المعروف بدفاعه عن القضية الفلسطينية ومواجهة الأنظمة العربية المتخاذلة، فصوته الفذّ في انتقاد مسارات التطبيع والتواطؤ الأمني والتعاون من جهاز السلطة مع كيان الاحتلال الإسرائيلي، كان صادحا ومؤثرا، ما جعله هدفا مسوغا لدى الأمن. وعلى أثر اغتياله ارتفعت الدعوات من أجل فتح تحقيق دولي بمقتله ومعرفة مرتكبي الجريمة، فيما وصف متابعون ما جرى بأنه مثال يحاكي جريمة اغتيال النظام السعودي لجمال خاشقجي، خاصة وأن دور التشفي من قبل إعلام الأخير وأبواقه كان واضحا.

في الضفة الغربية، شارك آلاف الفلسطينيون في تشييع نزار بنات (44 عاما)، وأدى المشيعون صلاة الجنازة على الجثمان في مسجد “وصايا الرسول” في مدينة الخليل، قبل أن تتم مواراته الثرى في مقبرة الشهداء. وردد المشيعون الهتافات المطالبة برحيل السلطة ورئيسها احتجاجاً على جريمة قتل الشهيد بنات، الذي عرف على مدى سنوات، كأحد أبرز معارضي السلطة الفلسطينية، إذ آثر توجيه انتقادات لاذعة لأدائها عبر مقاطع فيديو، ومن خلال حسابه على موقع فيس بوك؛ وقد تعرض للاعتقال عدة مرات ومحاولات اعتداء من أجهزة الأمن، بعضها إطلاق النّار مباشرة على منزله، كما تعرّض للتعذيب بسبب مواقفه السياسية. كما أن مواقفه لم تقتصر على الداخل فقط بل كان ناشطا معارضا وفذا، يحاكي كل التطورات في المنطقة. ولعل أبرز مواقفه كانت ضد النظام السعودي وأدواته في مسار التطبيع والتخلي عن القضية الفلسطينية، إذ قال في أحد منشوراته عبر منصة “تويتر” بالإشارة إلى تخلي تركي الحمد عن فلسطين وقوله إن “فلسطين ليست قضيتي”، فكان رد بنات: “هل يمكنك أيها الضب أن تختار قضاياك؟ابن سعود يختار لك، أنت ملكه، وزوجك وأولادك ملكه”.

لاشك أن نبأ وفاة بنات الخميس 24 يونيو 2021، كان خبراً صادماً نتيجة اختطافه من قبل جهاز الأمن الوقائي التابع للسلطة في الضفة الغربية، عند الساعة الثالثة والنصف فجرا، واقتحمت “القوة منزل نزار بنات بعد تفجير مدخله، وانهالت عليه بالضرب بواسطة هراوات حديدية وخشبية”، وتعرض للسحل والضرب  أثناء جرّه إلى سيارة الاعتقال، وقاموا بشتمه وإهانته، وكانت الدماء تسيل منه، وهو ما أكده عمار بنات المتحدث باسم العائلة، فيما أشارت المعلومات الأولية لنتائج تشريح جثمانه إلى أنه تعرّض للتعذيب الشديد، ما أدى إلى نزيف داخل الرئتين. وقد أظهرت صور الجثمان آثار اعتداء في مختلف أنحاء جسده . ووجهت العائلة اتهامات لـ”الأمن الفلسطيني” بتعذيبه واغتياله.

التنسيق الأمني والتعذيب اغتالوا نزار بنات بـ8 دقائق

في مداخلة خاصة مع “مرآة الجزيرة”، رئيس “الهيئة الدولية لدعم حقوق الشعب الفلسطيني” – “حشد” الدكتور صلاح عبدالعاطي يرى أن “أسباب عدم كشف الجريمة بشكل سريع أنها تمت بمناطق تتبع بالكامل إلى السيادة الإسرائيلية، وعلى أثر الاعتداء المباشر على نزار وهو نائم بآلات حادة وبقنابل الفلفل الحارق وغيرها من الاعتداءات التي تمت، وفق رواية العائلة على مدى 8 دقائق، يبدو أن نزار توفي في الطريق”، ويؤكد أن التعذيب الذي ظهر على جسده دليل على أن هناك قرار بإعدامه، ولأن الحادثة لم تتواصل لنحو ساعة حتى أعلن الوفاة، يروي المحامي والناشط الحقوقي الرواية الأقرب لمجريات الحادثة، إذ أن الوفاة جرت في الطريق، ولأن الـ25 عنصرا من الأجهزة الأمنية المشاركين في جريمة اغتيال نزار لم يتمكنوا أن “يمروا على الحواجز الإسرائيلية وهم يحملون الجثمان، فألقوا به في المستشفى القريب في المنطقة وفروا إلى أعمالهم، ما يفسر بشكل كبير أسباب تسليم الجثمان قبل اتضاح أسباب القتل والوفاة لأن هذه المنطقة لا سيادة للسلطة عليها”.

رئيس الهيئة الدولية لدعم حقوق الشعب الفلسطيني الدكتور صلاح عبدالعاطي

وكان محافظ الخليل، جنوبي الضفة الغربية المحتلة، جبرين البكري، أعلن وفاة بنات، في بيان مقتضب، قال فيه إن قوة أمنية فلسطينية اعتقلته، الخميس، بناء على مذكرة توقيف من النيابة العامة، “وخلال ذلك تدهورت حالته الصحية وتم تحويله إلى مستشفى الخليل الحكومي، حيث أعلن عن وفاته”، في حين أعلن المفوض السياسي العام المتحدث باسم الأجهزة الأمنية الفلسطينية اللواء طلال دويكات أن رئيس الوزراء أوعز بتأليف لجنة تحقيق فورية ومحايدة بخصوص “مقتل بنات”، ولفت إلى أنه “لا مانع من مشاركة مؤسسات حقوقية في لجنة التحقيق، وأن الحكومة جاهزة لاتخاذ أي إجراءات تترتب على النتائج التي ستتوصل إليها اللجنة في هذا الخصوص”.

وردا على تمسّك السلطة بالتحقيق الرسمي، يؤكد المحامي والناشط الحقوقي الدكتور صلاح عبدالعاطي أنه على ما يبدو أن “السلطة لم تروق لها كل التنديدات الدولية والوطنية وكل الاحتجاجات التي تمت وهي مصرة على عمل لجنة التحقيق الحكومية التي لا يثق بها أحد، وهي مشكّلة للتغطية على الانتهاكات، ما يبرر ذلك استمرار الاحتجاجات وقمعها وعدم الانتباه إلى الآراء الوطنية التي تطالب بإقالة المسؤولين في الأجهزة الأمنية وإقالة الحكومة وضمان تحمل الجميع لمسؤولياته القانونية والأخلاقية والسياسية”، ويتابع “لا مبرر أمام السلطة لاستمرار جرائم القتل والإقصاء  بحق المعارضين سوى أن هناك رغبة لبقاء سيطرت نخبة محددة في القيادة الفلسطينية على مقاليد الحكم، واستبدلت كل النضال الوطني والمجتمعي ببقاء القيادة دون أي اكتراث بالحقوق العامة”.

أما عن الرأي والموقف الحقوقي من الجريمة التي حدثت نتيجة التنسيق الأمني بين السلطة والاحتلال، يصف عبدالعاطي ما جرى بأنه “جريمة مركبة شملت مجموعة من الجرائم على رأسها استمرار التنسيق الأمني المدان وطنيا، “والذي طالبت كل الأطراف بوقفه وعدم الاعتراف بالاحتلال في ضوء عدم التزامه بأي من الحقوق الوطنية ولا باتفاق أوسلو، وبقاء السلطة بهذه الوظيفة الأمنية يعني أنها وكيلة للاحتلال، وهذا ما أثبت أن التنسيق الأمني يستخدم للانقضاض على المعارضة السياسية على الرغم من أن هناك الكثير من المجرمين يقيمون في مناطق تابعة للسيطرة الإسرائيلية، لكن السلطة لا تقوم بأي تنسيق لاعتقالهم، هذا ينذر  بمخاطر شديدة في حال استمرار مثل هذه الممارسات من تنسيق أمني وغيرها ومطلوب من الكل الوطني الضغط باتجاه وقف التنسيق الأمني وضمان احترام كرامة وحقوق المواطنين الفلسطينين”.

مواقف محلية ودولية منددة بالجريمة

هذا، وحمّلت حركة المقاومة الإسلامية حماس،  “رئيس سلطة أوسلو محمود عباس وسلطته المسؤولية الكاملة عن كل تداعيات ونتائج جريمة اغتيال الناشط والمعارض السياسي نزار بنات”. ونددت بـ”جريمة اغتيال أجهزة أمن السلطة للناشط والمرشح البرلماني نزار بنات”، وقالت إن ما وقع يعكس “السياسة الدموية للسلطة في تصفية الحسابات”. كما دعت إلى “محاكمة القتلة”، وأكدت أن “رئيس الحكومة محمد اشتية يتحمل المسؤولية الأولى عن الجريمة”.

رئيس المكتب السياسي لـ”حركة المقاومة الإسلامية حماس”، إسماعيل هنية، اعتبر أن “جريمة قتل” نزار بنات خلال اعتقاله من جانب قوات الأمن في مدينة الخليل جنوبي الضفة الغربية “قضية رأي عام وطني”.

هذا، وندَّدت حركة “الجهاد الإسلامي” بجريمة اغتيال الناشط نزار بنات، واعتبرتها “جريمة مكتملة الأركان”، مشيرة إلى أنه سيكون لنهج السلطة انعكاسات خطيرة على الشعب الفلسطيني. ونبهت إلى أن “لقد تعرّض المناضل نزار بنات لحملة طويلة من الملاحَقة البوليسية والتضييق”، وأضاف “نحمّل السلطة وأجهزتها الأمنية كامل المسؤولية عن هذه الجريمة النكراء”.

وطالبت منظمة “العفو الدولية” بإجراء تحقيق “شفاف وفعال ومستقل وحيادي” في وفاة بنات التي قالت إنها أثارت “قلقها الشديد”. 

 من جهتها، عبّرت بعثة الاتحاد الأوروبي في الأراضي الفلسطينية المحتلة عن “صدمتها وحزنها” لوفاة بنات، وطالبت بإجراء “تحقيق كامل ومستقل وشفاف فورا”، في حين دعا منسق الأمم المتحدة الخاص بالشرق الأوسط تور وينسلاند  إلى إجراء تحقيق مستقل في وفاة نزار بنات ومحاسبة المسؤولين.

 وعلى الخط عينه، قالت وزارة الخارجية الأميركية إن الولايات المتحدة “منزعجة بشدة” من وفاة الناشط، وإنّ لديها “مخاوف جدية بشأن القيود من جانب السلطة الفلسطينية على حرية الفلسطينيين في التعبير وبشأن مضايقة نشطاء في المجتمع المدني”.

نزار بنات ناصر اليمن وفلسطين بوجه التطبيع والخيانة “السعودية”

لعل آخر ما تحدَّث عنه نزار بنات كان ظهوره في مقطع فيديو بثَّه عبر صفحته في وسائل التواصل الاجتماعي، يوم 21 يونيو، ووجَّه فيه انتقادات حادّة إلى الفساد المستشري في مؤسّسات السلطة وحركة “فتح” في الضفة الغربية، وآخرها ما عُرف بصفقة تبادل اللقاحات مع الاحتلال الإسرائيلي، وظهر أنها منتهية الصلاحية .كما عبّر أكثر من مرة، عن دعمه لفصائل المقاومة في غزة، ورفضه لنهج السلطة الفلسطينية، وللتنسيق الأمني مع كيان الاحتلال الإسرائيلي.

المعارض الفلسطيني الذي كان يعمل في مجال “الديكور” والنجارة، شكّل قائمة “الحرية والكرامة” لخوض انتخابات المجلس التشريعي، التي كانت مقررة يوم 22 مايو الماضي، قبل صدور مرسوم رئاسي (في 30 إبريل/نيسان الماضي) بإلغائها، وكان ذلك بقرار سياسي من السلطة الفلسطينية، التي امتعضت من مواقف بنات مراراً، وكان بينها عندما طالب “الاتحاد الأوروبي” بوقف الدعم المالي عن السلطة، عقب قرار إلغاء الانتخابات، وهو ما عرضه لهجوم حاد من قبل السلطة الفلسطينية والمؤيدين لها. وقال بنات في مقطع مصور على فيسبوك، إن مسلحين “بمرافقة الأجهزة الأمنية”، أطلقوا (يوم 2 مايو الماضي) النار بكثافة على منزله “وروّعوا ساكنيه”. انتقد التنسيق الأمني واعتبره خيانة.    

 لم تقتصر مواقفه على الفساد الداخلي، فكان ناشطا معارضا فذا ضد ممارسات النظام السعودي، خاصة ضد اليمن والعدوان المتواصل عليه منذ سبع سنوات، ولطالما كانت مواقفه داعمة لموقف اليمنيين في الدفاع عن أرضهم وحريتهم وكرامتهم بوجه استبداد آل سعود، المعتمدين على ذباب إلكتروني لمواجهة معاركهم.

وتعليقا على جريمة اغتيال نزار بنات، غرّد عضو الهيئة القيادية في حركة “خلاص” الباحث السياسي الدكتور فؤاد إبراهيم مذكرا بمواقفه من السلطة الفلسطينية التي وصفها بأنها “سلطة أوسلو وهي مجرد جهاز أمني والامن هي لعبتها المفضلة، وقد أريد لها اسرائيليا وعربيا واميركيا واوروبيا ان تكون كذلك، وهي في جهوزية كاملة لتلبية ارادة الآخرين”، وأكد أن مواقف الناشط بنات الجريئة كانت مصدر إزعاج لأطراف عدة في الداخل الفلسطيني والرسمي العربي والخليجي والاسرائيلي، لذا كان اغتياله على يد سلطة أوسلو تقدمة وإعادة تعويم لسلطة قذفتها عملية سيف القدس الى الهامش، فعاش حرًا ورحل شهيدًا.

كما انتقاد الدكتور إبراهيم ما وصفه بالإحتفالية “المقرفة من فريق سعودي على تويتر وفيسبوك” على اغتيال بنات، تابع بأن “إشارات التشفي واضحة في الإعلام الرسمي السعودي بعد أن أشبعت سلطة عباس حقدًا دفينًا لهم بوضع نهاية غير سعيدة لأحد روّاد الكلمة الحرة”.

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى