ــالمشهد اليمنيالنشرة

المأزق السعودي: مأرب جيزان وإحباط غريفيث!

بدا واضحا في الجولة الوداعية للمبعوث غريفيث انه لم يقرأ الواقع المتغير بحصافة، أو هو الذي اكتفى بما حُمل به من محددات، ولذلك كان من الطبيعي أن يخيب ظنه في إمكانية تمرير وبلوغ ما جاء لأجله..

وديع العبسي ـ خاص مرآة الجزيرة

ان انفتاح السيد عبد الملك بدرالدين الحوثي هذه المرة مع غريفيث بقبول لقاءه بعد عام ونصف، له دلالته في سياق هذه المتغيرات التي تفترض وضع صياغات موضوعية لما يطرح.

تجاوز المتغير جبهة مارب رغم حساسيتها لدى تحالف العدوان، ورغم خروج ورموزا وهيئات دولية منادية بوقفها، وتجاوز هذا المتغير ايضا عملية جيزان الكبرى التي كشفت ما يعانيه الطرف السعودي ومرتزقته السودانيين من فقدان للإتزان وغياب حس التوقعات، والتي عززت بدورها تغيّر واضحا في موازين القوى على أرض المعركة، ولم يقف المتغير عند حد الحضور الواضح لسلاح الجو اليمني، والدفاعات الجوية، وانما كان المتغير الأبرز هو الأثر الذي تولد مع هذا التمكين والسيطرة، فالشعب اليمني بمجلسه السياسي وحكومة الانقاذ بات اكثر انفتاحا واستيعابا لكل التعقيدات التي فرضتها ضربات التحالف السعودي وحصاره لأكثر من ست سنوات، من تدمير للبنية التحتية، وتضييق الوصول لاسباب الحياة، فهم بموازاة ذلك صاروا اكثر قدرة لجهة امتلاك السلاح، وبات الشعب اليمني بجيشه ولجانه الشعبية اكثر حرفية ومهنية في تفهم نفسية الخصم، وفي تعزيز العقيدة القتالية في مواجهة متغطرس تكشفت نواياه في ابادة هذا البلد، الامر الذي مكن المجاهدين من الوصول الى اهداف في العمق السعودي بل والاستهداف المتكرر لعصبه الاقتصادي أرامكو.

لعله من هنا جاء حديث السيد عبدالملك الحوثي للمبعوث غريفيث -المعين مؤخرا وكيلا للأمين العام للشؤون الإنسانية ومنسقا للإغاثة في حالات الطوارئ- ثابتا على الاستحقاقات الإنسانية التي تفرض التعامل معها بحساسية شديدة ترتبط بمعيشة الناس، فالتكيف مع الوضع الإنساني المأساوي ولّد المجتمع حالات من التحدي والإصرار على تجاوز اثاره الكارثية، وعلى امتلاك وسائل القوة ليصير الأمر إلى اعتلاء منطق القول وحجته واستحالة فرض شروط خارج سياقات الواقع.

في اللقاء أكد السيد قائد الثورة على ذات المنطق الداعي إلى عدم خلط الملفات وان تشديد الخناق على الشعب اليمني بمحاصرته في قوته ودواءه لا يرتقي الى مستوى الضغط من اجل تقديم تنازلات بعد ست سنوات من المعاناة، فضلا عن القوة التي بات الجيش واللجان يمتلكونها.

لم يتبدل حديث السيد القائد، رافضا من جهة الربط بين الملف الانساني والملفات الاخرى ذات الطابع العسكري والسياسي، وأنه لا يمكن إجراء تفاوض على وقف إطلاق النار تحت ضغط حجز المشتقات النفطية ومقايضتها بأي اشتراطات عسكرية أو تفاوضية، ومؤكدا على ان المدخل الحقيقي لكل الملفات هو من بوابة معالجة متطلبات الملف الانساني و التي تهم كل مواطن يمني كونها تعود عليه بالضرر المباشر في حياته وأمنه واستقراره الغذائي.
وزاد على ذلك بتحذيره التحالف من الاعتقاد أن لجوءه وإمعانه في الحصار للشعب اليمني سيقوي من موقفه.
لذلك لم يكن بالمستغرب ان يعبر المبعوث الأممي عن شعوره بالإحباط إزاء فشله في ما جاء من اجله.

واذا كانت جبهة مارب كحالة قائمة اصبحت فيها على مرأى العين لأفراد الجيش واللجان الشعبية، تعزز من الموقف التفاوضي  مع القادمين من طرف تحالف العدوان، فإن عملية جيزان مثلت حالة استثنائية قام عليها كشف واقع الحال لما هو عليه او لما صارت اليه قواته.

فعلى ضوء ما شهده محور جيزان من عملية دحر لعناصر الجيش السعودي والملتحقين بركبه، افقدت تلك المشاهد كما يبدو التحالف السعودي منطقه في الحديث ليسير في اتجاه التشكيك بحقيقة ما رأى وانها عملية “فبركة”، وليدفع ببعض الاصوات الى الخوض في فلسفة الشكل والمضمون والدخول بالتفاصيل الى زوايا ضيقة اراد منها اضعاف مصداقية ماهو ماثل، فاذا به يتيه في سياقات عبثية ومخزية.

في المقابل عضو المجلس السياسي الاعلى محمد علي الحوثي يعلن للتحالف وردا على تشكيكه الاستعداد لتبادل جثامين قتلى العملية مع الجانب السعودي، وكشف الحوثي عن مشاهد قادمة اكثر فتكا بالروح المعنوية لدى العدو وقال “إذا كانت مشاهد عملية جيزان أوصلت الرعب بكم إلى عدم استيعاب حقيقتها، فكيف ستصفون العمليات والمشاهد القادمة”.

تلك المعطيات في المجمل تزيد من منسوب الوضع الآمن والمستقر لجيش صنعاء، ما يعطي الاخيرة سلطة تحديد مسار التفاوض.

“باتريك ثيروس” وهو سفير أمريكي سابق في عدد من الدول العربية أكد ذلك ايضا لقناة الجزيرة بقوله: ”الحوثيين” في موقف أقوى حالياً وهم يتحكمون حاليا بمسار المفاوضات والجميع ينتظر نتيجة المعركة في مأرب”.

هذا الوضع الذي معه تعقدت مسألة القبول بالمقترحات كيف ما جاءت، واعادت المبعوث الأممي غريفيث، والأمريكي ليندر كينج من العاصمة العمانية مسقط بخفي حنين، هو ذاته الذي كلما مر الزمن تنامى وأكد على ثبات الموقف ليرشح الأمر عن تبدل في ما حمله غريفيث من خطة جديدة تلبي شروط صنعاء وتفصل بين المسار الإنساني والمسار السياسي والعسكري، مع ضمانات للتنفيذ من قبل الأمريكيين.

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى