ــالمشهد الفلسطينيالنشرةانتفاضة فلسطين

انتفاضة فلسطين| الباحث المتخصص بالشأن الإسرائيلي الدكتور مأمون أبو عامر لـ”مرآة الجزيرة”: امتعاض واسع في الكيان الصهيوني من التضامن العالمي مع فلسطين، خاصة وأن المسيرات المليونية جابت دول العالم الغربي وتحديداً الولايات المتحدة

معركة دامية خيضت على مدى إحدى عشرة يوماً، بين أصحاب الأرض ومغتصبيها، أثبت فيها الفلسطينيون تماسك جبهتهم الداخلية وقدراتهم العسكرية والإعلامية المتطورة لخوض الحروب، في المقابل ظهر الإرتباك واضحاً في جبهة العدو الذي رفع سقف توقعاته في إنجازات لم يحققها، لتنقلب عليه الأمور ويسارع إلى استجداء التهدئة عبر حلفائه. حرب لن يكون بعدها كما ما قبلها، فهي أولى جولات المواجهات الأخيرة مع العدو الصهيوني حتى تحرير آخر شبر من الأراضي المحتلة و عن تأثير المعركة الأخير على داخل الكيان ولقراءة المشهد الإسرائيلي من العمق ، حاورت “مرآة الجزيرة”، المختص بالشأن الإسرائيلي د. مأمون أبو عامر الكاتب والمحلل السياسي الفلسطيني في لقاءٍ خاص،،

 خاص مرآة الجزيرة – خالد الراشد

عن وصف المشهد في الكيان الصهيوني قبل المعركة، يستهل الباحث الفلسطيني حديثه ، علينا معرفة حقيقة هذه المعركة والأمور التي نتجت عنها. وتابع، الكيان الصهيوني منذ عامين متواصلين يمر بأزمة سياسية خانقة وصراع عنيف داخل الأحزاب حول من سيقود البلاد، وهذه المسألة سببت بالطبع أزمة سياسية داخل الكيان الصهيوني، تخللها استخدام النفوذ الشخصية واستغلال السلطة، لتحقيق مكاسب خاصة. وأضاف طبعاً نتنياهو رغب أيضاً في تحصيل مكاسب سياسية خاصة كونه لا يزال يحتفظ بشعبية حزب الليكود، لكن المشكلة أنه فقد ثقة بقية الأحزاب للمشاركة في الحكومة وهو الأمر الذي أدى إلى إعادة الإنتخابات أربع مرات في الكيان الصهيوني، وكان آخرها الإنتخابات الأخيرة التي كان فيها وضع نتنياهو أكثر صعوبة إذ واجه تحدي كبير في مقابل تصديه لتحالف من الوسط واليمين واليسار ضده من أجل تشكيل حكومة سيكون هدفها الأول إصدار قانون يمنع شخصية مثله بتولي رئاسة الوزراء، أي إصدار قانون يمنع كل من عليه تهم من أن يصبح رئيساً للحكومة. وهنا، يكمل الباحث وجد نتنياهو أن حبل المشنقة يلتف حول رقبته لذا أراد أن يفرّق بين الحلفاء الذين اجتمعوا ضده في ذلك الوقت، فدفع حلفائه من اليمين بتحريك الساحة السياسية داخل المسجد الأقصى وأيضاً تحريك ملف أهالي الشيخ يوسف الجراح.

إحباط نظريات حرب العدو العسكرية

نتنياهو كما يرى أبو عامر، وبتصرفاته هذه نجح في توتير الأوضاع السياسية، وخلق أزمة سياسية عميقة بين اليمين واليسار ، بما أن الجيش هو البوابة لدخول العالم السياسي، وبالتالي هم أرادوا الدخول من هذه البوابة ثم أخذ التوتر يتصاعد وراحوا يمارسون ضغطاً على نتنياهو لحثه على المواجهة , و ينبه الباحث الفلسطيني إلى ماهية النظريات التي استخدمها جيش كيان الاحتلال الإسرائيلي خلال المواجهة الأخيرة مع المقاومة الفلسطينية التي أنذرت العدو لكنها لم تريد الذهاب إلى حرب تحريرية، بل كل ما أرادته هو أن توصل رسالة للعالم تكشف عن ما يحدث في القدس أمر خطير وأنه سيؤدي لتهديد الأمن والاستقرار في المنطقة، ويبين أن الجيش الصهيوني وفي مقدمته أفيف كوخافي رئيس الأركان الإسرائيلي، ابتغى تنفيذ نظرية “جونيبر كوبرا”، النظرية العدوانية التي بدأ العمل عليها منذ عام ٢٠٠١م، إذ نفذ الكيان عدة مناورات ضمن هذه النظرية المخصصة لفحص جاهزية القدرة الدفاعية الإسرائيلية الاعتراضية، في وجه هجمات صاروخية معادية على أكثر من اتجاه، ويعمل بهذه النظرية وبنودها التي يتم تطويرها كل عامين في الكيان الذي يبقى على أهبة الاستعداد للمواجهة والاعتداءات، غير أنه على تخوم غزة انكسر، وأجبر مرتدعا على إعلان وقف إطلاق النار.

ويشير إلى أن النظرية المستخدمة في المواجهة الأخيرة التي جرى استخدامها في العدوان على لبنان خلال عدوان ٢٠٠٦، بهدف تدمير الخصم وسحقه، وهي تطوير لنظرية الضاحية التي بلور فكرتها قائد الأركان الاسرائيلي السابق، كما استخدم خلال المواجهة الأخيرة خطة “تنوفا” التي تعد إنجاز عسكريّ عالٍ في وقت قصير قدر الإمكان، وبثمن منخفض قدر المستطاع، بالاعتماد على إحداث صدمة كبرى في جانب المقاومة، من خلال عملية اشتراك متكاملة بين كلّ أذرع “الجيش” الإسرائيلي والهدف هو تدمير 50-60% من قوات العدوّ ومقدراته في أقل وقت ممكن، وبأقل الأثمان، وخصوصاً في الجبهة الداخلية الإسرائيلية، مع التأكيد أنَّ الدخول البري هدفه تدمير قدرة العدو، وليس احتلال الأراضي”، ويجزم بأن هذه الخطة فشلت أيضا لأنه بدون الدخول البري، لم ينجح الاحتلال في تدمير المقاومة، فلجأ إلى ضرب المنشآت المدنية.

وبالنتيجة، يرى الباحث أن جيش الاحتلال استخدم النظريتين في العدوان الأخير ودمج بينهما ورغم كل تفاصيلهما وأهدافهما إلا أنه تكبد خسارة واضحة، ولم تعود أي من النظريتين بالانجاز على الكيان. ونبه إلى أن “العدو دمج بين نظريتين عسكريتين لتدمير الخصم (المقاومة الفلسطينية) الذي يستمد قوته على قاعدة شعبية، لذلك بدأ هنا الجيش الإسرائيلي بتنفيذ خطته العسكرية بالتدمير الشامل في قطاع غزة، إلى جانب النظرية السابقة، فشهدنا كيف قام بعملية تدمير واسعة طالت 20 ألف منزل ناهيك عن المؤسسات الإجتماعية والإقتصادية والصحية والبنى التحتية ، وما الإنجاز الذي حققه سوى تدمير الأبراج السكنية واستهداف المواطنين مباشرة، ولفت المحلل السياسي الفلسطيني إلى أنه “اشترك العمل السياسي مع العسكري في عملية واحدة، فمن جهة أراد الجيش إظهار نفسه على أنه حامي الدولة، في حين أراد بنيامين نتنياهو أن يرفع منسوب الصراع القومي الديني في داخل الكيان، من أجل تحصيل مكاسب سياسية، ويفصل بين تحالف اليمين والتحالف الوسط واليسار ضده، ومنع تشكيل حكومة ائتلاف ضده” لكن يبدو أن الفشل الأخير لم يحقق أي من أهدافه ، وفق الباحث..

الجيش الإسرائيلي هُزم

وأضاف، بالنسبة لنتنياهو لم يكن يرغب بالذهاب إلى هذه الحرب إنما أراد اللعب على مستوى منخفض، فيما اعتبر الجيش أنه بإمكانه حسم الشهد بأيام قليلة بحيث أن هذا التدمير السريع والواسع سيقضي على حركة حماس بسهولة وبالتالي ليس أمام بقية الفصائل الفلسطينية بما في ذلك الجهاد الإسلامي وغيرها سوى الخصوع إلى الشروط الإسرائيلية. لكن ما حصل أن المقاومة الفلسطينية أثبتت جدارتها واستمرت بضرب صميم الكيان بكل قوة، وما تعرضت له غزة من قصف وحشي عرّى الكيان الصهيوني دولياً، وحرّك المجتمع الدولي بأجمعه من أجل الضغط على نتنياهو، والجيش وجد نفسه مهزوماً. وبالتالي أصبح الكيان الصهيوني مأزوماً في هذا الأمر إذ لم يستطع حسم المشهد.

الباحث اعتبر أن ما نشاهده اليوم أن القوة العسكرية لدى حماس لم تتأثر فقد رأى العالم أنها تمكنت من إطلاق 4000 صاروخ خلال 11 يوماً، في حين أنها في حرب 2014 أطلقت هذه الكمية من الصواريخ على مدة 50 يوماً، بالتالي اجتازت المعدل السابق بخمس أضعاف عما كانت عليه في السابق، وهذا ما دفع الكيان الصهيوني يبحث عن مخرج للخروج من الحرب على هيئة المنتصر، لكنه لم ينجح في ذلك رغم الدمار والجرائم التي أحدثها في غزة، والضربات التي وجهها لمواقع المقاومة.

فشل الحرب النفسية للعدو

وبيّن المتخصص في الشأن الإسرائيلي أن نتنياهو يستطيع بذكائه السياسي التلاعب بالموقف، إذ يعرف جيداً كيف يتلاعب بالمشاعر القومية والدينية والعدائية تجاه الآخر التي حركت أحداث الأزمة لصالحه. وبالتالي قام بغارات وحشية على غزة ليقول للمقاومة الفلسطينية أنه عليها التفكير كثيراً قبل الضغط على الزناد. هذه كانت خطته لكنها لم تنجح لأن هناك تجارب سابقة عام 2009 و2014 وثبت أن المقاومة الفلسطينية لم ترتدع بهذا الأسلوب، والسبب أن جبهة الصمود الفلسطيني على المستويين الشعبي والعسكري أكبر بكثير من ذلك. وتابع، ما قيل في الحروب الثلاث السابقة قيل في الحرب الأخيرة أي دمرنا قياداتهم، دمرنا قدراتهم العسكرية وبنيتهم التحتية، لكن العمل بقي مستمر، ما جعل الكثير من المراقبين يؤكدون أن هذه الحرب بالفعل لم تكن مجدية لأنها لم تحقق أهدافها، ولذلك أراد نتنياهو التأثير في الرأي العام الإسرائيلي عبر مشاهد الدمار والمجازر التي ارتكبت في غزة، والتي جعل الإدارة الأمريكية تتحرك للضغط عليه للتوقف وهكذا وجد نتنياهو ذريعة لإيقاف الحرب رغم أنه كان بإمكانه الإستمرار طالما لم يتم اتخاذ أي خطوات عملية ضده وهو الأمر الذي لن يحصل بطبيعة الحال. وأشار إلى أن نتنياهو شخص إعلامي بإمتياز، لذا فضّل عدم الظهور كلياً على الشاشة عندما تعقدت الأمور وارتبكت الأوضاع في الداخل الإسرائيلي، فمثلاً رأيناه عند لقائه بالسفراء الأجانب طلب من جميع الصحفيين المغادرة كي لا يوجّه له أحدهم سؤالاً يحرجه. نتنياهو عندما أعلن وقف إطلاق النار تم في وقت متأخر بعد نقاشات طويلة، وذلك بعدما طلب من مساعديه تقديم مادة للإعلام فهو شخص يتحرك عبر الصورة، ويعرف كيف يقنع الجمهور بالنتائج، ولذا لم يظهر إليه إلا في الوقت المناسب.

الكيان الصهيوني مأزوم

أما عن الإنقسام العميق الحاصل الآن في الحكومة الصهيونية، فقال الباحث السياسي إنه هو حول شخص وليس حول مبادئ، إذ ثمة فيه جزء مبدئي وآخر شخصي، وهذا الإنقسام يأخذ طابعاً مؤدلجاً تحول إلى مظاهر عنف، ذلك أنه بدلاً من أن تقوم الحالة الديمقراطية بتنظيم المجتمع الإسرائيلي أصبحت حالة مأزومة، حيث أنه منذ عامين لم يتم إقرار ميزانية لدولة الإحتلال إذ إن الحكومة عاجزة عن إدارة الشأن العام كما يجب، فدولة الإحتلال تعتاش على الصراعات وليس على مشروع حقيقي. وتابع، هناك تآكل ثقة في أجهزة الدولة كافة، في الجهاز القضائي، الجيش، الإدارات والمؤسسات. كل هذه الأمور تجعل المواطنين يفقدون الثقة بالدولة، وبالتالي بإمكانية بقائهم فيها في المستقبل.

الباحث السياسي أورد أنه هناك امتعاض واسع في الكيان الصهيوني من هذا الأمر، خاصة وأن المسيرات المليونية جابت دول العالم الغربي وتحديداً الولايات المتحدة حيث ثمة طلاب جامعات يهاجمون الكيان الصهيوني والطلاب اليهود، بالإضافة إلى شن حملات إعلامية ضخمة عبر مواقع التواصل الإجتماعي أثرت بشكل كبير على الكيان الصهيوني، وبالأخص أنه في هذه الحملات يشارك شخصيات مؤثرة من رياضيين وممثلين، وغيرهم. وأضاف، هذا لم يكن يحدث في السابق، وهو تحوّل كبير لم نكن نشهده أي مقاطعة الكيان الصهيوني من قبل الأمريكيين، وكنّ الكراهية للإسرائيليين.

غزة انتصرت

وبناءً عليه، اعتبر أبو عامر أن نتنياهو كان مخطئ جداً في دخوله هذه الحرب، الفشل الميداني في قطاع غزة، يكمن في عدم تحقيق النصر الصهيوني، وهو بحد ذاته انتصار للفلسطينيين، العجز الواضح في منظومة الدفاع الإسرائيلية واستهداف مواقع حساسة وحيوية داخل الكيان، الحديث عن أن الضفة الغربية التي أصبحت مخمودة ليتبين أنها ليست كذلك على الإطلاق وهو ما عزز المقاومة في الضفة، بالإضافة إلى أن حماس وكافة فصائل المقاومة سيطرت على الجبهة في غزة والقدس، تحالف الجماهير العربية لدعم فلسطين. هذا فضلاً عن الدور البطولي الذي أداه فلسطينيي الداخل الذين انتفضوا بعدما كانت السلطة الإسرائيلية تذويب المجتمع الفلسطيني في الداخل المحتل، وإقامة عمليات تطهير عرقي وتصفيه وترحيلهم وهدم منازلهم تحت ذرائع مختلفة. 

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى