ــالنشرةمقدسات وآثار

أضرحة البقيع.. القضيّة التي أحياها الشيخ النمر

خاص مرآة الجزيرة ـ تقرير زينب فرحات

في كل عام من شهر شوال يسترجع أهالي الجزيرة العربية ذكرى هدم أضرحة البقيع، تلك الجريمة السافرة التي ارتكبها آل سعود بحق واحد من معالم المسلمين، على مرأى ومسمع جميع دول العالم التي التزمت الصمت حيال هذه الفاجعة التاريخية. ذكرى، تبعثُ الألم والحسرة في نفوس جميع المسلمين الذين كانوا يأنسون بتلك الأضرحة المباركة ويشبعون بها حبهم لآل البيت (عليهم السلام)، ولصحابة رسول الله (صلّى الله عليه وسلم).

تضم مقبرة البقيع أضرحة عدداً من أضرحة الصحابة، والأئمة الأربعة: الإمام الحسن بن علي، والامام علي بن الحسين، والامام محمد الباقر، والامام جعفر الصادق، (عليهم السلام)، إضافة إلى مسلمين آخرين. وحين انصبّ الحقد الوهابي على هدم قبور الصحابة وخيرة التابعين وأهل البيت الأطهار، كانت المدينتان المقدستان (مكة والمدينة) ولكثرة ما بهما من آثار دينية، من أكثر المدن تعرضاً لهذه المحنة العصيبة، والتي أدمت قلوب المسلمين وقطعتهم عن تراثهم وماضيهم.

عملية هدم أضرحة البقيع حصلت على مرحلتين، الأولى عام 1805م – 1220ه، عندما دخل الوهابيّون إلى المدينة المنوّرة بعد حصار طال سنة ونصف، أما الثانية فكانت عام 1344هـ – 1925م، على أيدي الوهابيين أيضاً الذين دخلوا بلاد الحجاز وعاثوا فيها فساداً لا تزال آثاره قائمة حتى يومنا هذا، لا في الجزيرة العربية فحسب إنما في عموم العالم الإسلامي الذي يتكبّد الويلات والدمار والخراب بسبب أفكار الوهابية السوداء والمتطرّفة.

مارس آل سعود حيلةً لهدم الأضرحة الشريفة في البقيع عبر استدعاء علماء المدينة المنوّرة لاستفتائهم حول حُرمة البناء على القبور، ومثّل النظام السعودي قاضي قضاة الوهابيين سليمان بن بليهد مستفتياً العلماء، فجمعهم وتباحث معهم أولاً ولما رفضوا التجاوب مع رغبته، مارس معهم التهديد والترهيب مجبراً العلماء على التوقيع على جواب نُوّه عنه في الاستفتاء بحُرمة البناء على القبور؛ وذلك تأييداً لرأي الجماعة التي كتبت الاستفتاء، وأمرت بتنفيذه ثم ارتكبت جريمتها البشعة بهدم الأضرحة الشريفة.

ناضل الشيخ المجاهد نمر باقر النمر، لأجل إعادة بناء أضرحة البقيع، وقد عمل على إحياء قضية البقيع التي كانت لزمن طويل حدثاً مغيّباً في المنطقة والعالم. سماحته شدّد على ضرورة إحيائها كمناسبة أساسية في كل عام إلى حين إعادة بناء القباب الطاهرة، التي هدمت بموجب قرار سياسي. حمل الشيخ الشهيد لواء الدفاع بجرأة غير اعتيادية وشجاعة غير مسبوقة عن قضية البقيع، وعمل على إبرازها إلى الرأي العام، من خلال الخطب والمحاضرات والتظاهرات والمهرجانات والوقوف بوجه جلاوذة النظام السعودي، إذ نادى سماحته في عام 2004، بإقامة مهرجان إحياء هذا الحدث تحت عنوان: “البقيع حدث مغيّب”، وقد منعت السلطات السعودية هذا المهرجان بعد أن تم إستدعاء سماحة الشيخ الشهيد واستمر سماحته في الاعداد للمهرجان في 8 شوال من كل عام لإثارة القضية، وكذلك استمر المنع السلطوي.

وفي عام 2008، خرج الشيخ النمر للإعتراض على الإعتداءات التي أقدم عليها دعاة الوهابية وعناصر الشرطة السعودية وقوات المهمات الخاصة بحق زوار جنة البقيع، من ضرب النساء والزوار وانتهاك حرمة الدين والتجاوز على الأخلاق والأعراف الاجتماعية، فأصبح لصوته صدى تهابه السلطات؛ خاصة أنه كشف المظلومية وفضح جريمة هدم البقيع وفي نفس الوقت كان يطرح الأدلة القرآنية والفقهية لإثبات جواز بناء القبور.

من أبرز كلمات الشيخ الشهيد في خطاباته حول إعادة بناء أضرحة البقيع: “إذا كانت هذه سنة الله فيمن يريد رفعه، بجعل آثاره مناسك ومتعبدات، فآثار رسول الله وأهل بيته أولى بالاستحقاق بجعلها مناسك ومتعبدات، وهذه العقيدة ببناء قبور أئمة البقيع هي جوهر العلم والتوحيد الخالص لأنها امتثال لكتاب الله وإرادته، ولكنه الحقد الأموي الجاهلي على الرسول وأهل بيته الذي تتوارثه القلوب المريضة فيعميها عن الحقيقة مع جلائها، وصدق الله سبحانه وتعالى حيث يقول: {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ}”.

شيخ المجاهدين كان يؤكد على السعي في إعادة بناء أضرحة البقيع، لأن من يراها يستخصر رفض الظلم ومقاومة الإستبداد وهو الأمر الذي يمثل تاريخ أهل البيت (عليهم السلام). كما دعا العالم الإسلامي إلى أن يكون لديه حراكاً سنوياً بكل قوة لإعادة بناء الأضرحة المباركة، لا سيما من خلال الإحتجاجات الشعبية والتظاهرات أمام السفارات السعودية وكتابة المقالات وإلقاء الخطابات، ذلك أن القرار سياسي بإمتياز لذا لا بد من إلغاء هذا القرار.

لا شك أن الدور الرسالي للشيخ الشهيد النمر يدوي صداه حتى اليوم، إذ يزداد وعي المسلمين عام بعد عام بقضية البقيع، فتعود الذاكرة إلى عقود خلت، لترجع أحداث طائفية مورس على مرحلتين، كانتا بمثابة أحداثاً مفصلية بالنسبة للمسلمين. ولا زال الطريق طويل أمام أحرار العالم الراغبين بالإنتصار لقضية البقيع والإنحياز المطلق للحق وذلك في مواجهة آل سعود.

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى