ــالنشرةتحليلات

الوعود السعودية للعراق: جعجعة بدون طحين!

مرآة الجزيرة – زينب فرحات

مشاريع إقتصادية، إعادة إعمار، استثمارات، ملاعب رياضية، وغيرها الكثير من الوعود التي قدمتها الرياض للعراق، لكنها لم تبصر النور لتذهب جميعها هباءً منثوراً. مرّة أخرى يمد العراق يده إلى جارته “السعودية”، لتهبه الأخيرة المزيد من الأوهام التي ليس لها سبيلاً على أرض الواقع، كتلك التي تقدمها له منذ سنوات دون تنفيذ أي منها.

في زيارة رئيس حكومة العراق مصطفى الكاظمي للرياض، أُعلن عن توقيع خمس اتفاقيات ومذكرات تفاهم مع “السعودية”، بينها تأسيس صندوق مشترك بين الرياض وبغداد رأس ماله 3 مليارات دولار. هذا إلى جانب التعاون في المجال البترولي، و”إنجاز مشروع الربط الكهربائي لأهميته للبلدين”، و”اتفاقية تمويل الصادرات السعودية، وكذلك اتفاقية مشتركة للتعاون في مجال التخطيط التنموي للتنويع الإقتصادي وتنمية القطاع الخاص”.

المشاريع الإقتصادية المطروحة على المائدة السعودية تعيد إلى الأذهان تلك التي قدمتها للعراق في أوقات سابقة دون أن يلحقها برنامج عمل واقعي ينتهي بتنفيذها، لتبدو وعود خاوية مجردة من رغبة حقيقية بمساعدة البلد الذي أنهكته الحروب وأدمته الفتن. ففي لقاءات سابقة بين الحكومة العراقية و”السعودية” وقّع الجانبان اتفاقيات في مجالات الإستثمار والطاقة والرياضة، لإيجاد “فرص التعاون في المجالات كافة وتنمية الشراكة الاستراتيجية بين البلدين”، رافق الإتفاقيات ترويج إعلامي هائل من قبل مسؤولين سعوديين ونشطاء وكتّاب محسوبين على النظام السعودي، بيد أن العراق لم يحقق أي مكسب يذكر من جارة السوء، لتبدو جميع الوعود مجرد خطابات خاوية.

ولعل أبرز ما جاء في وعود السلطات السعودية للعراق هو افتتاح منفذ عرعر الحدودي، إذ ناقش الجانبان مدى جاهزيته لافتتاحه بعد التحقق من توفير جميع المتطلبات اللازمة لذلك، “للارتقاء بالعلاقات الثنائية وتعزيز سبل التعاون في المجالات كافة بما يخدم تطلعات حكومتي وشعبي البلدين الشقيقين”، وبالفعل تم افتتاح المنفذ، لكن ذلك جرى بصورة شكلية دون أن يعمل بشكل فعلي، ويشكل مورد مالي إضافي بالنسبة للإقتصاد العراقي.

كل ذلك يدفع للتساؤل، ماذا تريد “السعودية” من العراق إذاً؟ في الواقع، ليس للرياض رغبة حقيقية بمساعدة بغداد، فالتجارب السابقة أثبتت عدم جديّة العروض السعودية ووعودها، لكن ما يحصل أن الرياض ترغب في الإمساك بقرار الحكومة العراقية، أو على الأقل، تود أن تنأى بنفسها من خصومة بغداد، فتلعب دور الصديق غير الصدوق. تطمح الرياض إلى الهيمنة على العراق، وقطع صلاته بدول الجوار وبالأخص سوريا وإيران، كي يخرج من موقعه الحالي، كبلد يحتوي فصائل مقاومة تهدد الوجود الأمريكي في المنطقة، لذا ترى الرياض أنه من مصلحتها ابتعاد العراق عن إيران بالتحديد، لتكسبه حليفاً في معركتها ضد طهران.

من جهة أخرى، باتت الرياض تخاف على نفسها بعدما استُهدفت بصواريخ وطائرات مسيّرة قدمت من العراق، رداً على المجازر التي يرتكبها التحالف السعودي بحق الشعب اليمني، وفي ضوء احتدام المعارك في اليمن، وتعاظم قوة الفصائل العراقية، تخشى الرياض من جبهة إضافية تفتح النار عليها من الجنوب، خاصة بعدما كثر الحديث عن استهداف “السعودية” من الأراضي العراقية، لا سيما الهجوم الذي استهدف معملين تابعين لشركة أرامكو بمحافظة بقيق وهجرة خُرَيص، والذي يعد “أكبر عملية في العمق السعودي للطيران المسيّر”، وقد تمّ عبر تنسيق مباشر بين “أنصار الله” وقوة “حزب الله” العراقي. ولذلك تحاول الرياض إيهام العراق بأنها صديقة له، وستقف إلى جانبه للنهوض به حتى تنأى بنفسها من أي هجوم أو اعتداء.

هذا في الجانب المالي، أما ثقافياً، فقد خرج لقاء الكاظمي بولي العهد السعودي محمد بن سلمان بتعاون من نوع آخر على الصعيد الثقافي والإعلامي. يكون ذلك بحسب البيانات الصادرة عن الإعلام السعودي من خلال توقيع مذكرة للتعاون المشترك بين دار الكتب والوثائق الوطنية في جمهورية العراق، ودار الملك عبد العزيز في “السعودية” ومذكرة تفاهم بين شبكة الإعلام العراقي وهيئة الإذاعة والتلفزيون السعودية.

مذكرة التفاهم الثقافية والإعلامية أثارت الإستياء لدى العراقيين، خاصة وأن النظام السعودي يقود جيوش من الذباب الإلكتروني عبر منصات التواصل الإجتماعي ووسائل الإعلام، للتحريض على إثارة الفتن والإقتتال الداخلي في العراق وغيره من الدول العربية والإسلامية. لطالما نال العراق الحظ الوافر من هذا الإعلام سواء من قبل قنوات أو صحف. على سبيل المثال، اتهمت صحيفة الشرق الأوسط عام ٢٠١٦ زوار الأربعين بالزنا، وذلك في تقرير نشرته الصحيفة تحت عنوان: “تحذير أممي من حالات الحمل غير الشرعي في كربلاء”، فضلاً عن أن ماكينة الإعلام السعودي مصرّة على إهانة الشعب العراقي بهدف التقليل من قيمة المرجعية وانتصارات العراقيين في السنوات الأخيرة التي حققها الحشد الشعبي في محاربة الإرهابيين، لا سيما ما يتضمنه برنامج مرايا الذي تبثه قناة العربية من إهانات للحشد الشعبي والسيد السيستاني، مع العلم أن الكاظمي هو القائد الأعلى للقوات المسلحة، أي هو قائد الحشد الشعبي، لذا فإن هذه الإهانات تمسّه شخصياً.

جاء في الإتفاقية أيضاً مذكرة تعاون بين دار الكتب في “السعودية” والعراق، في محاولة لإظهار الرياض بصورة عاصمة الثقافة والمعارف والإنفتاح، والمعروف عن المطبوعات السعودية أنها تحضّ على الكراهية والطائفية، ففي تقرير صادر عن منظمة “هيومن رايتس ووتش” تحتوي المناهج الدراسية الدينية في “السعودية”، “لغة تحض على الكراهية والتحريض تجاه الأديان والتقاليد الإسلامية التي لا تلتزم بتفسيرها للإسلام السُني”. كما أن النصوص تحط من قدر الممارسات الدينية الصوفية والشيعية، وتنعت اليهود والمسيحيين بالكفار الذين لا ينبغي للمسلمين أن يتعاملوا معهم”، فكيف يتحول النظام السعودي فجأة إلى رائد ثقافي يصدّر العلم والمعرفة إلى دول الجوار؟

والأهم من ذلك، أن الحديث الذي يدور عن تعزيز العلاقات الدبلوماسية بين بغداد والرياض، لا يعدو كونه حبر على ورق. والسبب أن المواطن “السعودي” لا يستطيع القدوم إلى العراق لزيارة الأماكن المقدسة إلا بتصريح من وزارة الداخلية، و لا يحصل على هذا التصريح إلا بشروط، في حين يتم إرسال العناصر الإرهابية إلى العراق للتفجير في المدنيين، وفي نفس الوقت لا يستطيع المواطن العراقي أن يأتي إلى “السعودية” إلا لمكة والمدينة. يأتي ذلك في وقت جرى فيه فتح المعابر بين البلدين، وافتتاح قنصلية سعودية في بغداد، وتطلعات لافتتاح المزيد من القنصليات في مدن عراقية أخرى، بالإضافة إلى افتتاح قنصلية عراقية في الدمام.

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى