ــالنشرةتقارير

بالغزو وسفك الدماء.. هكذا احتلّ آل سعود الحجاز!

مرآة الجزيرة

ثمّة سِمة مشتركة تجمع بين المراحل الزمنية الثلاث “للسعودية” الحالية، إنها عقلية الإلغاء. هذه العقلية المتجذّرة في منهج حكم آل سعود، غدت آليةً للسطو على بلاد الحجاز، فعاثوا إذ ذاك فيها خراباً وفساداً. تاريخٌ إجراميٌ اتّشحت ملامحه بدماء الأبرياء لم يردع آل سعود عن التباهي به، بل المجاهرة علناً بأنهم حكموا الجزيرة العربية “بالسيف والنار”، في مشهديّة تشرح بوضوح حقيقة استيلاء العصابات الوهابية على أرضٍ آمنة، بعد سلسلة من الغزوات والحملات العسكرية التي سمّاها آل سعود “بالفتوحات”.

في بداية حركته عام 1720، حارب محمد بن عبد الوهاب القيم الإجتماعية والممارسات الدينية السائدة في مجتمعه، متهماً زعماء قبائل نجد وقادتها بعدم تطبيق الشريعة الإسلامية، فقد دافع الوهابيون عن الإسلام السلفي بأسلوب عنيف، إلى أن تحولت الحركة إلى أيديولوجيا دولة، مع تحالف عبد الوهاب مع حكام الدرعية من آل سعود. أتاح هذا الحلف للوهابية الحماية التي تحتاجها، وقدم لآل سعود الأيديولوجيا الدينية والأتباع المتطوعين، فتمكن آل سعود من تبرير هجماتهم على الإمارات المجاورة والإستيلاء عليها بتنفيذ مبدأ التكفير والقتال.

وبالتالي، نشبت الحرب الوهابية السعودية على منطقة الحجاز تحت ذرائع دينية بلغت حدّاً مرعباً إلى حد أنه جرى إجبار أهالي المنطقة على اعتناق المذهب الوهابي، ولكن رغم مساعي الوهابيين لإرغام السكان على ذلك، نظراً للترهيب الذي مارسته القوات السعودية آنذاك، بيد أن أهالي الحجاز ظلوا يمقتون أفعال الوهابيين ويرفضون الإنصياع لمطالبهم، ويسجل لقاضي مكة حينذاك أنه أصدر حكماً ضد معتقدات الوهابيين عقب محاجتهم وصدهم عن إحداث اضطرابات في المدينتين المقدستين، لكنهم بدأوا بعمليات تسلل منتظمة انطلقت عام 1803، أي بعد إبرام اتفاقية ترسيم الحدود عام 1797، والتي شكلت غطاءً لدخول الوهابيين لمنطقة الحجاز بعنوان آداء مناسك الحج، لتقع أولى الحملات العسكرية الوهابية على منطقة الحجاز عام 1804، على مدينة الطائف.

“لما دخلوا الطائف قتلوا الناس، وصاروا يذبحون على صدر الأم الطفل الرضيع، وصاروا يصعدون البيوت ويُخرجون من توارى فيها فيقتلونهم، ويقتلون الرجل في المسجد وهو راكع حتى أفنوا هؤلاء المخلوقات…” بهذه العبارات وصف السيد أحمد بن زيني دحلان في مؤلفه “خلاصة الكلام في بيان أمراء البلد الحرام” (ص297)، أولى الحملات العسكرية الوهابية على الحجاز بقيادة سعود، الذي أوعز إلى القوات السعودية الوهابية بالتخريب وارتكاب المجازر المروّعة وسبي النساء وسلب الممتلكات، في أولى الحملات العسكرية الوهابية التي شُنّت على منطقة الحجاز عام 1804.

ويقول الريحاني إن الوهابيّين حينما دخلوا الطائف طفقوا يطلقون نيران بنادقهم في الأسواق، وهم يطوفون بالمدينة، فقتلوا عدداً من الأبرياء الّذين لم يسارعوا إلى بيوتهم مستأمنين، وكان قد تخلّف في المدينة جماعات من عرب البقّوم والنّمور والطّوَيْرق وغيرهم، فاختلطت هذه الجموع في ظلمات اللّيل، وكانت ساعة الهول والفجع، راح العربان والإخوان يطرقون الأبواب ويكسّرونها فيدخلون البيوت، ثمّ يُعملون فيها أيدي السّلب، وكانوا يقتلون في سبيل السّلب. وقُتل مفتي الشّافعيّة الشّيخ الزّواويّ وأبناء الشّيخ الشّيبيّ، وعدد كبير من العلماء.

استمر الزحف الوهابي السعودي إلى مكة حيث لم يقل المشهد قباحةً بفعل المجازر والإنتهاكات التي ارتكبتها القوات السعودية بحق الأهالي، ثم امتدت معاولهم إلى القباب الأثرية كقبة السيدة خديجة، وقبة النبي محمد (ص)، ومولد أبي بكر، وعلي (ع). وكما يروي إليكسي فاسيليف في كتابه “تاريخ العربية السعودية”، “بعد آداء مراسيم الحج أخذوا يدمّرون كل الأضرحة والمزارات ذات القباب والتي أنشئت تكريماً لأبطال فجر الإسلام، ومسحوا من وجه الأرض كل المباني التي لا تناسب معتقداتهم”.

بعد ثلاثة أيام من النهب والتدمير الممنهج للآثار الإسلامية في مكة المكرمة، سار سعود بجيشه الوهابي إلى المدينة المنورة، ودخلها مقتحماً أبوابها، ليخوض على إثرها مع أهالي المدينة قتالاً شرساً امتد إلى شهر، ثم استباحت القوات السعودية الحجرة النبوية، ونهبوا خزائنها. وفي هذا السياق، يقول مؤلف كتاب “لمع الشهاب في سيرة محمد بن عبد الوهاب”، أن سعود طلب من خدم سودان كانوا يخدمون حرم النبي أن يدلّوه على خزائن النبي، فرفضوا بدايةً فقتل منهم، ثم دلّوه جزعاً على مكانها، ليتمكن حينها من نهب مبالغ لا تحصى من النقود، ومن المقتنيات سرق تاج كسرى أنوشروان، وسيف هارون الرشيد، وقناديل من الذهب وجواهر عديدة. وحين استحوذت القوات السعودية على مكة والمدينة جرى طرد القضاة من المدينتين، ووضعوا الشيخ عبد الحفيظ العجيمي من علماء مكة لمباشرة القضاء بمكة، وأقاموا لقضاء المدينة بعض علماء المدينة ومنعوا الناس من زيارة النبي (ص)، بحسب السيد دحلان، وهي أعمال أثارت غضب المسلمين  وأصابتهم بالخيبة والحزن على ضياع معالم التاريخ الإسلامي في الحجاز بما فيها البعد الفني والديني.  

هي جرائمٌ حصلت في جميع المراحل التي حكم فيها آل سعود لا سيما خلال تسلم عبد العزيز للحكم إبان عشرينيات القرن الماضي. عبد العزيز هذا كان قد ورث من أجداده تراث الدموية والوحشية، إذ لم يكن موقفه من أهالي الحجاز أقل سوءً من آبائه، فأقدم على غزو مكة مستعيناً بجيش الإخوان. ومرد ذلك هو احتلال الحجاز وإجبار سكانه على اعتناق المذهب الوهابي حصراً، وما كان هذا التعاطي مع أهالي مكة باعتبارهم كفّار سوى إعطاء شريعية وغطاء ديني لجرائم سفك الدماء والنهب والسبي التي كان يقوم بها الوهابيون في الحجاز، وحصيلة ذلك أن رحل الشريف حسين عن مكة وجدة، ثم انهزم نجله الشريف علي أمام جحافل “إخوان من أطاع الله”، في مشهدية مروعة تباهى عبد العزيز في اعتبارها واحدة من الفتوحات الإسلامية.

كانت عملية استعادة مدينة الرياض والإستيلاء عليها عام 1902 علامة على بدء آل سعود مرحلة جديدة لبناء “المملكة العربية السعودية”، الحديثة. ففي محاولته مد أرجاء ملكه وتثبيت دعائمه أحيا عبد العزيز آل سعود الوهابية كأيديولوجية للدولة، وركز على الحق التقليدي للعائلة في حكم المنطقة، ووظف زعامته لنشر دعوته. اتجه ابن سعود إلى الرياض بصحبة جيشه واستطاع أن يهزم حامية الرشيد في 12 يناير 1902، بينما كان الرشيد يستعد لمهاجمة الكويت، وضمها تحت سيطرته وعندما بلغته أخبار سقوط الرياض بيد ابن سعود لم يبادر بالقيام بأي عمل ضد ابن سعود، لمبالغته في الثقة بقدرته على استعادة الرياض متى أراد. استفاد ابن سعود من عدم تحرك الرشيد وبدأ في تقوية ودعم موقفه في المدينة، وحتى يكتسب تأييد أهل الرياض، عهد إلى والده الإمام عبد الرحمت يتولى إمارة الرياض. تتابع سقوط الإمارات في أيدي ابن سعود وبحلول ربيع 1904، أصبح ابن سعود حاكماً على أواسط نجد ووصلت حدود المملكة حتى جبال شمر. ولما كان العثمانيون يرقبون بقلق وخوف اتساع نطاق حكم ابن سعود، سارعوا إلى مضاعفة تأييدهم ودعمهم لآل الرشيد، ولم يوقف هذا الدعم تقدم القوات السعودية للسيطرة على شبه الجزيرة العربية. في عام 1913، أصبح العثمانيون عاجزون عن وقف توسع الدولة السعودية، فقد اشتبكت الإمبراطورية العثمانية في حرب مع إيطاليا نتيجة للنزاع على ليبيا وباقي جزر البحر الأبيض المتوسط، أتاح ذلك لابن سعود ضم الإحساء لمملكته. وتزايدت قوة موقف ابن سعود بعد توقيعه معاهدة مع الحكومة البريطانية عام 1914، اعترفت له بالسيطرة على نجد، الإحساء، القطيف، الجبيل، بأنها أصبحت ضمن مملكته.

احتلال الإحساء كان بمثابة محرض على الغزو بالنسبة لعبد العزيز آل سعود، بعد أن نجح في الحصول على دعم البريطانيين. وفي حين لم يجرؤ آبائه على احتلال الحجاز، إبان الدولة السعودية الثانية، فإن عبد العزيز اعتبر دعم الإنجليز له في الإحساء بمثابة ضوء أخضر لغزو المناطق الأخرى، وربما أراد بذلك إثبات جدارته للحصول على ثقة الإنجليز ضد خصميه الأتراك والأشراف. لكن بعد أن تخلى الإنجليز عن دعم الشريف حسين، زحف جيش ابن سعود من الطائف إلى مكة المكرمة، ونقض كل الوعود التي قضمها لهم، بخصوص إقامة إمبراطورية عربية تحت قيادته، بعد أن رفض القبول بدولة يهودية في فلسطين في ضوء وعد بلفور عام 1917، ودخل الجيش الوهابي مكة المكرمة، وهدم ما صادفه من آثار إسلامية وتاريخية.

عام 1924 انطلق الوهابيون لاحتلال الحجاز بقيادة سلطان بن بجاد وخالد بن لؤي، والتقى الأشراف بالإخوان في تُرْبَة التي تبعد عن مدينة الطّائف 130 كلم وعن مدينة الباحة 120 كلم، حيث حلّت مجزرة رهيبة بالجيش الحجازيّ، ثمّ دخل الإخوان الطّائف فقتلوا من وجدوه في الطّرقات، واقتحموا البيوت ونهبوها، فقُتل العديد من رجال الدّين والنّساء والأطفال، وقد وصف عون بن هاشم، وهو أحد الأشراف، المجزرة في تُرْبَة، بقوله: “رأيت الدّم فيها يجري كالنّهر بين النّخيل، وبقيتُ سنتيْن عندما أرى الماء الجارية أظنّها، واللهِ، حمراء”.

على إثرها هبّ أعيان الحجاز لمطالبة عبد العزيز بأن يكون “الحجاز للحجازيين”، وأصروا على التمسك ببلادهم، وإدارة الحرمين الشريفين في مكة والمدينة. وافق عبد العزيز ظاهراً على الأمر، لكن في الواقع لم ينفّذ شيئاً من مطالب الحجازيين، فقد أصبح الحجاز تابعاً للنجديين، بل لآل سعود حصراً. حصل ذلك بعدما حصل عبد العزيز على البيعة من الحجازيين الذين بايعوه على مضض تحت ضغط السيف، وهم يهتفون “نبايعك يا عظمة السلطان عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل آل السعود على أن تكون ملكاً على الحجاز، على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وما عليه الصحابة رضوان الله عليهم، والسلف الصالح والأئمة الأربعة رحمهم الله، وأن يكون الحجاز للحجازيين، وأن أهله هم الذين يقومون بإدارة شؤونه”، كما ورد في مجلة “أم القرى” (العدد 55 بتاريخ 15 يناير 1926). وحقيقة ما حصل أن الحجاز أصبح بكامله تحت سطوة آل سعود دون أن يحظى الحجازيون بشيء من وعود عبد العزيز، بل حتى المذاهب الإسلامية الثلاثة (الشافعية والمالكية والحنفية) جميعها أقصيت من المشهد، ليحكم المذهب الحنبلي حصراً، أي المذهب الرسمي “للسعودية”. وهكذا جرت خديعة أهل الحجاز، وترويعهم والسيطرة على بلادهم. 

كان عبد العزيز يعلم جيداً ماذا يعني احتلال الحجاز بالنسبة للمسلمين ولذلك عمد إلى قضمه تدريجياً وليس دفعة واحدة، خاصة وأنه تلقى مقاومة شديدة من أهالي الحجاز، كما لقي معارضة إسلامية ما دفعه إلى مواصلة مشروعه على مراحل وليس دفعة واحدة. بدأ مخطط القضم بتوجيه خطاباً إلى أهالي جدة مرفقاً مع كتابه إلى القناصل الأجانب، جاء فيه: “فلا بد أنه بلغكم أن أغلب العالم الإسلامي قد أبدى رغبته وعدم رضاه عن حكم الحجاز بواسطة الحسين وإولاده”. أراد عبد العزيز بهذه الرسالة تقديم نفسه مخلصاً للحجاز من حكم الأشراف، ففي بداية احتلال الحجاز أوحى عبد العزيز أنه سيعيد الحجاز لأهله، وهم يختاروا من يحكمهم بل وشكل الحكم الذي يرتضونه، على أن تكون السيادة للأمم الإسلامية، ثم تغير الحال فأصبح هو مجرد مشرف على شؤون الحجاز فيما ترك لأهله تقرير نظامه الإداري، ثم أصبح حاكماً عليها على أن يعطي لمجلس الشورى المنتخب في الحجاز ولاية عليه، ولما تمكن من إحكام قبضته على الحجاز بالكامل وتبددت مصادر تهديد سلطانه على الحجاز سحب البساط من مجلس الشوري وبدأ ترهيب الحجاز قضائياً وإدارياً وسياسياً.

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى