ــالمشهد اليمنيالنشرة

بايدن يناور في اليمن والعدوان مستمر

مرآة الجزيرة – زينب فرحات

ثمانية أيام على إعلان الرئيس الأميركي جو بايدن، وقف دعم العمليات العسكرية في اليمن، بما في ذلك  الأسلحة والمعدات العسكرية، دون أن يتوقف العدوان فعلياً على الأرض، حيث لا تزال الغارات الجوية تستهدف مواقع مدنية وعسكرية في اليمن، في ظل استمرار الحصار المفروض على منافذ البلاد الجوية والبرية والبحرية.

قرار إدارة الرئيس الأمريكي بايدن، لحقه قرار آخر اتخذته الإدارة الجديدة يقضي بإلغاء قرار الرئيس السابق دونالد ترامب وهو تصنيف أنصار الله “جماعة إرهابية”. الإدارة الأمريكية استخدمت شمّاعة الأزمة الإنسانية في اليمن لتلغي قرارات سابقة، مع العلم أن الإدارة الديمقراطية نفسها التي تتحدث عن تفاقم الأزمة الإنسانية، هي من أصدرت قرار الحرب على اليمن عبر “السعودية” عام 2015 في عهد الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما.

حتى الساعة، لم يسفر كلا القرارين عن أي تحرّك عملي على الأرض يفضي إلى إنهاء الحصار وإيقاف العدوان، إذ لا يزال العدوان السعودي الأمريكي، يواصل شن الغارات على عدد من المحافظات اليمنية مخلفاً ضحايا ومحدثاً دماراً في الممتلكات العامة والخاصة، فيما تواصل القوات السعودية في الحديدة خروقها لإتفاق السويد.

على سبيل المثال، وخلال ال٢٤ ساعة الأخيرة فقط، استشهد في صعدة فتى برصاص حرس الحدود السعودي في مديرية منبه الحدودية، وفي مأرب شن طيران العدوان 25 غارة على مديرية صرواح، أما في الحديدة فقد سجّلت غرفة عمليات ضباط الإرتباط والتنسيق لرصد خروقات العدوان 202 خروق شملت استحداث تحصينات قتالية في الجبلية و6 غارات لطيران تجسسي على الفازة والدريهمي و29 خرقاً بقصف مدفعي لعدد 218 قذيفة و 143 خرقاً بالأعيرة النارية المختلفة.

إلى ذلك، أكدت شركة النفط اليمنية أن التحالف السعودي قام بالقرصنة على سفينة جديدة تحمل خمسة آلاف وواحد طن من مادة الغاز المنزلي، موضحةً أن عدد السفن المحتجزة من قبل التحالف السعودي ارتفع إلى ١٣ سفينة مشتقات نفطية.

وبطبيعة الحال، لم يكن ذلك كله سيحصل لولا إبقاء الضوء الأخضر الأمريكي لإستمرار العمليات العسكرية على اليمن، وهو ما يدل على عدم جدية القرار الأمريكي بوقف الحرب في اليمن أو حتى التخفيف من حدّة التوتر، ولذلك بدا واضحاً أن الغاية من إعلان بايدن لوقف الحرب ليس خطورة الوضع الإنساني في اليمن، ولا إعادة إحياء “الديمقراطية الأمريكية العريقة”، التي تراجعت سمعتها خلال إدارة ترامب، إنما المناورة للتصويب على ملفات سياسية أخرى تبحث لها واشنطن عن مخارج.

بالنظر إلى أن العدوان السعودي على اليمن انطلق بقرار مباشر من إدارة أوباما الديمقراطية، وبالنظر أيضاً إلى أنه ليس هناك أي إرادة فعلية أو وزن للقرار السعودي، ينتفي هامش أي اعتبارات “إنسانية” مفاجئة، أو أي حديث حول تعنّت سعودي أو إماراتي لإستمرار العدوان، خاصة أن “السعودية” لا تملك قرار الحرب والسلم في منطقة الخليج وباب المندب والبحر الأحمر. أساساً كيف سيكون بيد النظام السعودي الجرأة على اتخاذ قرار بحجم العدوان العسكري على اليمن أو حتى إيقافه طالما أن وجود هذا النظام مرهون للحماية الأمريكية؟ وبالتالي يحيلنا ذلك للسؤال عن الدوافع الحقيقية التي تقبع خلف هذا القرار.

من الواضح في حركة الإدارة الأمريكية الجديدة، ثمّة توجه سياسي يدفع نحو معارضة كل القرارات السياسية التي اتخذتها إدارة ترامب، في محاولة لإعادة الدور الريادي للولايات المتحدة على عدة أصعدة، دبلوماسياً وعسكرياً وإقتصادياً. وفي موازاة ذلك، يطرح الملف النووي على طاولة الإدارة الجديدة كقضية رئيسية في السياسات الأمريكية الخارجية إذ تتجه واشنطن اليوم إلى العودة للإتفاق النووي بأقل ضرر ممكن.

وهنا يكمن الخلاف الجذري بين رؤية كل من طهران وواشنطن للعودة إلى الإتفاق. فرغم أن إدارة بايدن تخالف القرارات السياسية لإدارة ترامب، لكنها تضع نصب أعينها “سمعة” الولايات المتحدة حتى لو اختلفت الإدارات. هي فعلاً ترغب بالعودة إلى الإتفاق النووي لكنها تريد العودة من موقع المنتصر لا من موقع من يقدم تنازلات. ولذا يكون وقع الحديث عن الشروط الإيرانية للعودة إلي الإتفاق مؤلماً بالنسبة لإدارة بايدن، ما جعله يسلك طرق ملتوية يدفع فيها إيران لتقديم تنازلات.

بالنسبة لإيران، قدمت بدورها شرطها للعودة إلى المفاوضات بشأن الإتفاق النووي، وهو إلغاء كافة العقوبات الأمريكية التي فرضت عليها بعد عقد الإتفاق، وهو ما أكد عليه المرشد الأعلى للثورة الإسلامية في إيران الإمام علي خامنئي، بقوله إن “إيران لن تتراجع عن خفض الالتزامات بشأن الاتفاق النووي، إلا بعد التحقق من صحة رفع العقوبات، وهذا موقف يتفق عليه جميع المسؤولين”.

بالتوازي، استأنفت إيران بالفعل تخصيب اليورانيوم بنسبة 20 في المئة، بعدما كان الإتفاق النووي ينص على ألا تزيد نسبة إيران من التخصيب عن 3.67 في المئة. يأتي ذلك بعد مصادقة البرلمان الإيراني على قانون يلزم منظمة الطاقة الذرية الإيرانية برفع مستويات تخصيب اليورانيوم. كما أقر البرلمان قانوناً يسمح بإنتاج وتخزين “ما لا يقل عن 120 كيلوغراما سنوياً من اليورانيوم المخصب بنسبة 20 في المئة” ويدعو إلى وقف عمليات التفتيش التي تقوم بها الوكالة الدولية للطاقة الذرية.

ولذلك، تحرص طهران على عدم المساومة على دم اليمنيين مقابل أي حل أمريكي لرفع العقوبات، لأن إيران لديها شروطها التي تمثل سيادتها وإرادتها السياسية بغض النظر إذا قررت واشنطن رفع العقوبات أم لا، لأن القضية ليست إقتصاد بلد بقدر ما هي قرار وكرامة دولة وشعب، هذا من جهة، ومن جهة أخري تنظر طهران للحرب في اليمن على أنها مواجهة بين قوى مستكبرة وقوى مستضعفة وهم الشعب اليمني الذي تنحاز له ولحكومة أنصار الله انحياز مبدأي وكامل. وعليه، لن يكون وارداً في حساباتها الإستجابة لهذا النوع من المناورات السياسية التي تستخدمها إدارة بايدة في حال فكرت استدراج طهران إلى المفاوضات عبر ورقة حرب اليمن.

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى