ــالنشرةتقارير

خطاب باهت لمحمد بن سلمان لم يُحرّك سوى الذباب

مرآة الجزيرة

طالما أن التحوّلات في “السعودية” تطال مختلف المجالات، فها هي تصل إلى المجال الإقتصادي الذي دخل مصيراً مدهولاً منذ أشهر في تراجعٍ ملحوظ وغير مسبوق يكشف فشل الخطط الإقتصادية التي قادها ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، وطبّل لها المطبّلين لسنوات. في خطابه الأخير الذي ألقاه محمد بن سلمان أعلن أن صندوق الاستثمارات العامة “للسعودية” الذي يترأسه، سيرفع أصوله بالمثلين لتصل إلى 4 تريليونات ريال (1.07 تريليون دولار أمريكي) بحلول العام 2025، وهو وعد شبيه لوعود إقتصادية سابقة، من بينها توقف البلاد عن الإعتماد على النفط بشكل تام خلال العام الماضي 2020، وما حصل أن البلاد لا تزال تدفع أثمان عالية على مختلف المستويات بسبب تراجع سعر برميل النفط.  

بحسب وكالة “واس” التي نقلت خطاب ابن سلمان، قال الأخير في حديثه عن استشراف المستقبل الإقتصادي للبلاد، إن الإستراتيجية الجديدة لصندوق الإستثمارات تمثّل مرتكزاً حقيقياً في تحقيق طموحات الوطن نحو النمو الإقتصادي، ورفع جودة الحياة، وتحقيق مفهوم التنمية الشاملة والمستدامة في مختلف القطاعات التقليدية والحديثة. والإستراتيجية المذكورة، هي أن الصندوق سيعمل خلال السنوات القادمة على “مستهدفات عديدة من أهمها ضخ 150 مليار ريال سنوياً على الأقل في الإقتصاد المحلي على نحو متزايد حتى عام 2025، والمساهمة من خلال شركاته التابعة له في الناتـج المحلي الإجمالي غير النفطي بقيمة 1.2 تريليون ريال سعودي بشكل تراكمي. كما ويستهدف الصندوق بنهاية 2025 بأن يتجاوز حجـم الأصول 4 تريليونات ريال، واستحداث 1.8 مليون وظيفة بشكل مباشر وغير مباشر”. 

خطابٌ بدا وهجه خافتاً، رغم الوعود التي قُطعت فيها، والإنجازات الوهمية التي تغنّى ابن سلمان بها دون تحقّق شيء منها. رافق الخطاب إشادة نمطية بديهية لجمع من الكتاب والنشطاء والإعلاميين المحسوبين على النظام السعودي، والمعروفين بالذباب الإلكتروني، لكن ذلك لم يعيد للخطاب وهجه المفقود، فبدا مملاً وفارغاً. والسبب في ذلك، أن مثل هذه الوعود لم تعد تنطلي على الشعب، بسبب خيباتهم في الوعود التي أطلقت سابقاً، وانتهى بهم المطاف بمضاعفة ضرائب القيمة المضافة وخسارة الإمتيازات الوظيفية والإجتماعية التي يتمتعون بها. 

في أثناء خطاب ابن سلمان، شن الذباب الإلكتروني حملة إلكترونية للتطبيل لكلام ابن سلمان، لكنهم لم يغوصوا في عمق وأصل الخطاب، إنما داء كلامهم تبجيلاً مبرمجاً ومنمقاً، يتخلله أبياتاً شعرية وخطابات رنانة ومستهلكة. 

على سبيل المثال، كتب عبد الرحمن بن مساعد في تغريدة له عبر حسابه في تويتر: “كريمُ الخصال وبحر النّدى.. مذلُّ الضّلالِ مُعِزُّ الهُدى.. تبسّمَ بِشرًا فَسُرَّ الصديقُ.. وحارَ المُريبُ وغِيظَ العِدا”.  

أما عبدالله بن بندر فقال: “أنت ترانا قوه ضاربه تحارب بها العالم لترفع علم هذا الوطن الى السماء وعنانه من تطور وتقدم وازدهار.. نحنُ نراك وطـن لا مثيل له”.  

و دوّن عبد الرحمن آل الشيخ: “الإقتصاد القوي قوام وقوة وهيبة.. يحتاج إلى عقلية ذكية وقادة صاحبة.. همة مثل جبل طويق ولن تنكسر إلا إذا انهد هذا الجبل وتساوى بالأرض كما قال الأمير الملهم  محمد بن سلمان، وهذه صفات فيه سدده الله وحرسه من كل شر.. يدعو له بالتوفيق وتحقيق مايسعى إليه كل محب مخلص السعوديه وولاة أمرها”. 

المفارقة كانت في أن الإستشارية د. حنان الغامدي، وضعت استبياناً يقول: “هل شعرتَ بالفخر بعد خطاب ولي العهد عن صندوق الاستثمارات العامة؟ أجاب ٤٧٪ منهبنعم، وهؤلاء غالبيتهم من الذباب الالكتروني، فيما أجاب ٢٠٪ منهم بالنفي. وهذا استطلاع للرأي مُدهش، في بلد لا يقبل ولي عهدها بنسبة تأييد تقل عن ٩٩٪.

وقد دفع ذلك عضو اللجنة القيادية في حركة خلاص د. حمزة الحسن  للقول: “يظن جمهوره الذبابي، أن البغل متمكن، وقوي، وأنه لن يُهزم، وان سياسات من قبله غبيّة، وأن لمهلكة البغل خيارات أفضل وهي المواجهة في الفضاء وعلى الأرض، وأن الخصوم فعلا هم عملاء، وأنه الحاكم الذكي المجدد المهلم الإمام. والجمهور تغريه وتخدعه احيانا سياسات الاستعراض والانتصارات المتوهمة”.  

الناشطة الحقوقية حصّة الماضي علّقت على الخطاب بالقول إن: “محمد بن سلمان يتفنن كل مرة في بيع الوهم”. 

بدوره غرّد عضو الحركة القيادية في حركة خلاص د. فؤاد ابراهيم قائلاً: الظهور المتكرر لابن أبيه على الشاشة للترويج لمشاريع نصب واحتيال هو محاولة اعادة تعويم في سياق محاولة للخروج من العزلة الدولية..بناء صورة جديدة لمحو صورة القاتل والمتوحش..من نصحه بذلك نصب عليه كما ينصب هو على الشعب يعني العملية من رأسها الى كعبها نصب في نصب”.

لقد كان عام 2020 مخيّباً بالنسبة لأهالي الجزيرة العربية، ففي الوقت الذي كانوا ينتظرون فيه تحقيق إصلاحات حقيقية في البلاد وجني ثمار سياسات إقتصادية يجري الحديث عنها منذ عام 2017، تفجأوا في أن الأمور قد انحدرت إلى مستوى سيء، وذلك مع ارتفاع معدلات القيمة المضافة إلى 15 بالمئة على جميع السلع والخدمات الخاضعة لها في الأسواق التجارية، بالإضافة إلى إيقاف صرف بدل غلاء المعيشة وهو قرار دخل حيّز التنفيذ في يوليو 2020، بعد الإعلان عن الأمر الملكي رقم (أ/ 638) بتعديل المادة (الثانية) من نظام ضريبة القيمة المضافة.  

هذه الخطوات جاءت عقب انهيار أسعار النفط إلى أقل من نصف ما كانت عليه عام 2019، مما أدى إلى انخفاض في عائدات الخزينة والتي بلغت نسبتها 22 بالمئة كما أدت إلى تأجيل تنفيذ عدد من المشاريع الكبرى. إلى جانب انخفاض الأرباح الكلية لشركة النفط الوطنية السعودية “أرامكو” بنسبة 25 بالمئة في الربع الأول من عام  2020 نتيجة إنهيار أسعار النفط الخام. 

وفي رأي المحللين بفعالية الإجراءات التقشفية التي اتخذتها “السعودية”، تعكس الإجراءات حاجة الرياض لخفض الإنفاق ومحاولة إعادة شيء من الاستقرار إلى أسعار النفط الضعيفة، كون اقتصاد البلاد في وضع مزر، وستستغرق مهمة إعادته إلى ما يشبه حالته الطبيعية وقتاً طويلاً. وهذه السياسات التقشفية ستحد من القدرة التنافسية للاقتصاد السعودي خاصة على صعيد جلب الإستثمارات الأجنبية. في حين خفض محللون آخرون توقعاتهم بخصوص معدلات نمو “السعودية” في المدة الزمنية القياسية التي أعلنتها السلطات. 

أدى انتشار فيروس كوفيد 19، إلى تعقيد أزمة الإقتصاد نتيجة إغلاق المرافق التجارية والسياحية وبالتالي توقف الحركة الإقتصادية في البلاد. يضاف ذلك إلى التراجع الحاد في أسعار النفط، والصعوبات المالية التي تمر بها الرياض بما في ذلك الإنكماش الاقتصادي الذي يضعها أمام تحديات كبرى. وذلك بعدما أخفق محمد بن سلمان بالتحوّل إلى نموذج الإقتصاد التنافسي وفق رؤية 2030.  

في تقرير لوكالة “بلومبيرغ” الإقتصادية، ورد أن “السعودية” مُرشّحة لأن تصل إلى مستويات لم تشهدها منذ عقود نتيجة تراجع أسعار النفط الخام بأكثر من 50 بالمئة نتيجة انتشار وباء فيروس كورونا وما نتج عنه من تداعيات خطيرة. خصوصاً بعدما ضُربت الأزمة شركة أرامكو النفطية العملاقة بعمق، وتراجعت أرباحها.  

وارتفع معدل الإنكماش الإقتصادي، بسبب انكماش القطاع النفطي بنسبة 5.3 في المائة بسبب التراجع الكبير في أسعار النفط والالتزام باتفاق “أوبك +” لخفض الإنتاج لمواجهة تداعيات جائحة كورونا. أما القطاع غير النفطي فانكمش 8.2 في المائة بسبب انكماش القطاع الخاص 10.1 في المائة، والقطاع الحكومي 3.5 في المائة في ظل الإغلاق الكامل خلال الربع الثاني. وجاء انكماش القطاع غير النفطي، خاصة القطاع الخاص، في ظل الإغلاق شبه التام للأنشطة الاقتصادية في الربع الثاني بسبب تفشي كورونا.

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى