ــالشهيد النمر.. انتصار الدمالنشرة

“الوحدة الإسلامية” في أدبيات الشهيد الشيخ نمر النمر

مرآة الجزيرة ـ حسن الطاهر

في بلدٍ يجتهد فيه النظام على ترسيخ التفرقة والنعرات الطائفية بين مكوناته ك”السعودية”، ليس من السهل أن يخرج صوت معارض لهذه السياسات، وينادي بالوحدة الإسلامية، كما فعل الشهيد الشيخ نمر باقر النمر. لذا من البديهي أن تعمل السلطات السعودية على محاربته وتشويه صورته وتزييف خطابه حتى كي لا يصل إلى مسامع الجميع فيتّحدون ضد السلطة.

استهلّ الشيخ النمر الحراك الشعبي الذي شهدته منطقة شبه الجزيرة العربية مطلع عام 2011، والذي تزامن مع الثورات في مصر وتونس. فكسر إذ ذاك قرار منعه من الخطابة والذي كانت قد فرضته عليه السلطات السعودية منذ عام 2008 وخرج مجدداً إلى الشارع، لاستكمال مشروعه النهضوي والذي بدأه منذ بداية شبابه، فنزل إلى الشارع وشارك في التظاهرات، واعتلى منابر المساجد ليخطب بالأقوام المستضعفين دون خوفٍ أو وجلٍ من أحد. رفض حكم آل سعود للجزيرة العربية وحكم آل خليفة للبحرين، وحثّ الناس على الثورة ضدهم لاستعادة أرضهم وكرامتهم. سلّط الضوء على تردّي الأوضاع الإجتماعية والاستئثار بالثروات والمناصب والتمييز السلطوي ومصادرة الحقوق والحريات، مطالباً بتحقيق العدالة الإجتماعية وبالحريات المدنية والسياسية والإصلاحات الإدارية، ففي إحدى كلماته المنشورة في موقع “يوتيوب” طالب بالعدالة للسنة والشيعة، قائلاً: “سنبقى نطالب بحقوقنا، بكرامتنا، بعزتنا، بحريتنا، بالعدالة، بالمساواة في تكافؤ الفرص، بخروج درع الجزيرة من البحرين، بإطلاق سراح المعتقلين جميعاً المظلومين كلّهم جميعاً أصحاب الرأي، 16 سنة فما دون، وهكذا حتى من السنة، 30 سنة يعتقل على ويش؟ 30 سنة حكم، ثم 30 سنة منع من السفر”.

شيخُ المجاهدين لاحظ من البداية أن كل من الطائفتين السنية والشيعية يرزحون تحت حكم جائر في “السعودية”، ويتكبدون معاً الظلم الإجتماعي والإضطهاد السياسي، وأن يد الحاكم تهشّم كرامة المواطن من أي طائفة كان نظراً لعدم قدرته على المشاركة في عملية صنع القرار في بلاده، بدءً من أصغر بلدية وصولاً إلى أكبر مؤسسة في الدولة. لاحظ أيضاً العقلية السعودية القائمة على استنهاض الفتن والتفرقة بين المكونات الشعبية كي يبقون في صراع دائم ومتجدد، فيفشلون في الإتحاد معاً لمواجهة النظام، ويدخلون في آتون الإقتتال والتناحر الداخلي المميت. ولذا عمل على تقصير المسافات بين الطرفين، وعلى إعادة تصويب البوصلة نحو الإتجاه الصحيح، ألا وهو مقارعة الظلم واستعادة الحقوق المهضومة.

كان الشهيد الشيخ النمر صوت كل مواطن في “السعودية” يطمح للشراكة السياسية، والعدالة الإنسانية والإجتماعية، رغم محاولات السلطة الحثيثة بمصادرة خطابه وحرفه عن مواضعه مستعينةً بوعّاظ السلاطين ومثقفي البلاط الملكي، الذين كانوا بمثابة أبواق لتعليمات السلطة. فحين كان يطالب بحقوق الطائفة الشيعية في القطيف والأحساء كان شديد الحذر من المسّ بكرامة وحقوق الطائفة السنية، إنما رفع لواء مطالبها عالياً، وتقدّم بها بشكلٍ متوازنٍ مع مطالب وحقوق الطائفة الشيعية. وبالتالي، خوض الشيخ الشهيد في مايتعرض له الشيعة، ليس إدعاء بأنّ المعاناة الشيعية هي المعاناة الوحيدة التي يتعرض لها المواطنون السعوديون، فهناك الكثير من المكونات الأخرى المذهبية أو الفكرية أو غيرها تتعرض لأنواع من المعاناة وتحت عدة عناوين أخرى، إنما قضايا الشيعة تعد واحدة من سلسلة القضايا العالقة بين فكّي الحكم في “السعودية”. ففي خطبة ألقاها سماحته في 9 مارس 2012، قال: “مشكلتنا ليست مع التمييز الطائفي، لأنه نتيجة لسياسات النظام.. بل مشكلتنا مع التمييز السلطوي، ذلك أن التمييز الطائفي هو صنيعة السلطة ليبقى الشيعة يتشاجرون مع السُنّة وكلاهما يحتاج للسطلة والشعب معتدى عليه في حين يبقى الحاكم متسلّط على الطرفين”.

وفي موضعٍ آخر من الخطبة قال: “النظام يقول للسنة هؤلاء الشيعة كفار تعالوا نساعدكم لتقفوا ضدهم، ثم يأتي يقول للشيعة أنتم أقلية هنا وإذا فتحنا للسنة مجالاً سيأتون ويقتلونكم. وبالتالي نتصارع ببعضنا بينما السلطة هي المسيطرة على الجميع”.وأضاف: “لا يعني ذلك أن لا نختلف على العكس تماماً بل من المفيد للسنة والشيعة انتقاد أفكار بعضهما البعض لكن على أن يكون ذلك بالدليل والبرهان فثمة فارق كبير بين الإختلاف الفكري والحالة العدائية”.

آمن سماحته بأن جميع المكونات الشعبية في البلاد تتساوى في الحقوق، بغض النظر عن الدين أو المذهب، وقد كان يطالب في خطاباته التي تتناول الشأن المحلي، بالحقوق لجميع المواطنين دون استثناء، كما أن نظرته للأنظمة السياسية لم تكن تتأثر بالمصالح الفئوية الضيقة، حيث يرى أن العدالة هي المقياس الذي من خلاله يقيم النظام السياسي. ذلك أنه طالب بالإفراج عن المعتقلين المظلومين سنة وشيعة، وبالعدالة والحرية لكافة المواطنين، ودعا إلى التثقيف والتوعية السياسية. وقد سار الشيخ النمر في خطابه النهضوي بشكل تصاعدي، فبعد أن كانت مطالب المحتجين لا تتجاوز إلغاء التمييز والإفراج عن السجناء المنسيين عند خروجهم إلى التظاهرات، صعّد سقف المطالب، ليطالب لاحقاً بحق الشعب في الحرية السياسية الكاملة غير منقوصة. وفي فترة زمنية قياسية لقيت الخطابات السياسية لسماحته انتشاراً واسعاً داخل الدولة وخارجها لما تتميز به من قوة وجرأة نادرة غير مسبوقة أسقطت العديد من المحرمات السياسية التي خلقتها “السعودية” والتي لم يتجرأ أحد على المساس بها منذ عقوداً من الزمن.

ورغم العنف الشديد الذي مارسته السلطات السعودية تجاه المتظاهرين والنشطاء، بما في ذلك القتل والإعتقالات والمطاردات، اجتهد سماحته بالإلتزام بمنهجية سلمية في الإحتجاج والتعبير عن الرفض لسياسات السلطة، حتى أن المدعي العام السعودي وخلال مرافعته في آخر جلسة محاكمة للشيخ النمر في أغسطس/ آب 2016، قدّم نصاً من إحدى خطب الشيخ اعتبره إدانة لسماحته بسبب تحريضه على اللجوء لاستعمال العنف، في حين يدعو النص إلى التزام مبدأ السلمية، على نحوٍ واضحٍ وصريح. والفقرة تقول: “أنا أوصي الشباب بألا ينجروا إلى استعمال سلاح مواجهة السيف بالسيف لسلطة تريد جر الناس إلى العنف ليكون عندها المبرر لقمع الحراك. نحن أقوى بكلمتنا. نحن مستعدون للموت. حراكنا ليس سلمياً بمعنى السلم والخضوع. نحن مسالمون لمن سالم، لكن كفوا أيديكم. الشهادة هي أقوى سلاح يهزم أقوى سلطة”.

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى