ــالنشرةتقارير

الشيعة في “السعودية”: بين عمق الجذور ومحاولات الإقتلاع

مرآة الجزيرة ـ محمد البقشي

دأب النظام السعودي عبر منصّاته الدينية والإعلامية الموجّهة على تصوير الشيعة في الجزيرة العربية وتحديداً شيعة القطيف والأحساء على أنهم ليسوا عرباً، بل فئة دخيلة على مكونات البلاد، تعود أصولهم إلى بلاد فارس، ومن هذا المفهوم انطلقت تسميتهم بالصفويين نسبةً لحكم سلالة الشياه الصفويون في إيران سابقاً، كما جرى وصفهم بالمجوس نسبةً لعبدة النار الذين سكنوا بلاد فارس خلال القرون الماضية.

تكبّد الشيعة اضطهاداً شديداً منذ استيلاء آل سعود على الجزيرة العربية وإقامة مملكتهم على أراضيها، إذ انتُهك تراثهم الإجتماعي والسياسي والتاريخي. فقد عملت قوات آل سعود على هدم ممنهج لكل ما يعنى بتراث وتاريخ الشيعة في البلاد، باعتبارهم فئة لا تنتمي إلى الأرض التي اتخذتها موطناً لها.

يستند آل سعود في ترويج مزاعمهم على النتائج التي توصل إليها الرحالة الغربيون، الذين اعتبروا أن منشأ التشيّع فارسي أما التسنّن فمنشأه عربي. أمثال الرحّالة الدانماركي نيبور الذي رسم صورة لطبيعة العلاقة بين العرب الذين يعيشون على الساحل الغربي والفرس على الساحل الشرقي من الخليج. وقد ترجمت هذه الصورة، في هيئة عبارات تحمل تحريضاً إلى جانب التسليمية المطلقة من قبيل “هؤلاء العرب هم السنة. إنهم يعتبرون الفرس، أي الشيعة، مورد مقتهم ولذلك تحاشوا أي تحالف معهم”.

لكن بحسب كتاب تاريخ الإسلام و التشيع شرقي الجزيرة العربية (البحرين التاريخية) لمؤلفه الدكتور فؤاد ابراهيم، اعتصمت نتائج الرحالة الغربيين بمصادر وأدوات تحليلية لم تكن تأخذ في الحسبان مصادر تاريخية رصينة ومنهج تحليلي أكثر شمولية، لذا بدأ اتجاه جديد في الظهور في بدايات العشرينيات من هذا القرن أطاح بالاعتقاد السائد، وسخر من النتائج التي توصل إليها الجيل الأول من الباحثين والرحالة الذين كانت تنقصهم المعرفة التاريخية والتحليل التاريخي العلمي. ويأتي D. G. Hogarth في طليعة العلماء الغربيين المعاصرين الذين وضعوا أساساً جديداً لاستكشاف الأصول التاريخية والاجتماعية للتشيع من زاوية مختلفة. إذ يقول إن: “عدم التوافق بين شبه الجزيرة العربية والنظام الخليفي القائم سواء كان خاضعاً من الناحية الإدارية إلى سوريا أو العراق يزيد من واقع الانعزال عن الإمبراطورية الإسلامية”.

ورغم أن البحرين التاريخية كانت خاضعة لمملكة فارس، التي نقلت إليها عاداتها وثقافتها وتقاليدها، بيد أن ذلك لم يحجب نور الإسلام القادم من الغرب، فقد كانت البحرين التاريخية تترقب ظهور النبي الكريم محمد (ص). ولذلك لم يتطلب قرار أهل البحرين قبول الدخول في الإسلام زمناً طويلاً بعدما أطلعهم الرسول على دعوته، بل كانت الأجواء مهيأة تماماً لانبثاث الدعوة الإسلامية، وللإنخراط في سلك المؤمنين، فقد أسلمت قبيلة عبد القيس كلها طوعاً. وفي ما بعد أصبحت البحرين من المناطق الموالية للإمام علي (ع) وظهر ذلك بجلاء في حروبه الثلاثة، وقد أثبت أهل البحرين أنهم شديدو الولاء لأهل البيت النبوي وللإمام.

يذكر الكتاب أيضاً بالإستدلال على تجذّر الشيعة من الجزيرة العربية، بأن القرامطة لم يلقوا ترحيباً من السكان الشيعة المحليين، بل على العكس واجهوا مقاومة عنيفة. وفي نهاية الأمر، فإن القرامطة كسلطة سياسية وكمذهب ديني اختفى في القرن الحادي عشر، على يد الأمراء العيونيين الشيعة، الذين أقاموا دولة شيعية لمدة 190 عاماً أي حتى عام 636هـ. لذا يبدو واضحاً مما سبق أن التشيع نشأ على تربة عربية خالصة، وأن العرب هم المتبنون الأوائل له والناشرون لتعاليمه.

لإقصاء الشيعة من الجزيرة العربية، أسبابه الإقتصادية والسياسية. فمنذ القدم، عرفت القطيف بكونها واحة زراعية كبيرة، إلى حدّ أنه كان يُضرب المثل بسعفاتها، وفيها الكثير من المياه العذبة. بالإضافة إلى ذلك، اشتهرت في القطيف تجارة اللؤلؤ، والثروة السمكية الغنية والمتنوعة، وهي كانت الأنشطة التجارية الأساسية للقطيفيين. كما اشتهرت بالعلماء والأدباء، وأهل الصنائع، ورجال الحرث، إلى جانب أعداد هائلة من ذوي الحرف والعمال. مع الإشارة إلى أن الأحساء، تعد أخت القطيف في التراث والتاريخ الإقتصادي والإجتماعي، وشريكتها في ما عايشته من ظلم وحرمان من قبل السلطات السعودية نتيجة السياسات التحريضية والتمييزية. فقد كان التشابه قوياً جداً في نمط الحياة بين القطيف والأحساء نظراً للقرب الجغرافي، وللإمتداد السكاني بين المنطقتين وتداخل العائلات.

ميزة أخرى للمنطقة الشرقية كانت محط أطماع آل سعود وهي موقعها الإستراتيجي، على طريق التجارة الدولية منذ أزمان سحيقة، إذ تتصل بالهند وما وراءها شرقاً وجنوباً، العراق والشام وما يقع شمالاً، الحجاز واليمن وما غربهما، وكان ذلك أحد أوجه التلاقح الحضاري، بينها وبين الأمم عربية وأعجمية على مرِّ الدهور.

حين وقعت القطيف والأحساء بيد الدولة السعودية الأولى والثانية التي حكمها الشيخ محمد بن عبد الوهاب، أخذ يروّج لفكرة أن الشيعة كفار ومشركين، بالشرك الأكبر حيناً، وبالأصغر حيناً آخر، حسب درجة التكفير عند المفتي، وكانت حقبة سوداء مظلمة، مرت بها البلاد، حيث أجبر الناس فيها على إخفاء شعائرهم. ولم يكن حالها مع الدولة الثالثة في بداية تكونها أفضل من سابقتيها إذ لا يزال الشيعة يكفرون على المنابر وفي المناهج الدراسية، الأمر الذي يزيد من احتقان بقية المكونات الشعبية ضد الشيعة.

ومع اكتشاف النفط في ثلاثينيات القرن الماضي، في المنطقة الشرقية، شرع آل سعود في السيطرة على آبار النفط وإنفاق الأرباح التي تحققها وتنمية مناطق على حساب أخرى، ودعم شرائح وإهمال أخرى. فرغم أن المنطقة الشرقية تعوم على بحور من النفط لكنها لا تزال حتى الآن الأقل حظاً بالإنماء والتنمية وفرص العمل، ولا يزال أهلها يعاملون كما لو أنهم قوى غازية لمجتمعاتهم فيستمر التنكيل والإضطهاد بهم ومطاردتهم لمنع استقرار المنطقة وجعلها على الدوام غير آمنة.

كل ذلك كان يقود بطبيعة الحال إلى ثورة فكرية تعيد إبراز الطائفة الشيعية كفئة متجذرة في الجزيرة العربية لها تاريخها وتراثها الذي تعمد السلطات السعودية على محوه، وهي القضية التي دفعت الشيخ نمر باقر النمر للنضال لأجلها لسنوات طوال. كان الشيخ الشهيد يعي جيداً ما أهداف الرياض في ردمها للتراث الشيعي، فعمل طيلة حياته على إحياء هذا التراث، ولعل أضرحة البقيع تشكل رمز التراث الشيعي في الجزيرة العربية لما تحمله من دلالات تاريخية، جعلت سلطات الرياض تعمل على هدمها.

ونتيجةً لذلك، حمل الشيخ النمر لواء قضية البقيع، فأعاد إحياء قضية هدم قبب أئمة البقيع (ع)، ودعا لإقامة مهرجان مخصص لهذه الحادثة بِدءً من العام 2004، كما عمل على نشر الوعي قولاً وكتابة لأهمية هذه القبب وما تمثله من تراث ديني وثقافي للمسلمين الشيعة، لكن عمدت السلطات السعودية إلى منع المهرجان لثلاث سنوات متتالية، وفي سنة 2007 تمكن الشيخ النمر من إقامة المهرجان ثم تم منعه في السنوات التي تليها. وقد رافقت حركته هذه قيام عدّة مظاهرات في أوروبا وأمريكا وبعض الدول الإسلامية مطالبةً بإعادة بناء هذه القبب من جديد.

غاب صوت البقيع، عند اعتقال الشيخ المجاهد في 2012، ليمكث في سجون المباحث السعودية لأربع سنوات متتالية، ثم أقدمت السلطات السعودية على إعدامه في يناير/ كانون الثاني 2016، في جريمة نكراء هزّت العالم الإسلامي بأسره ولم تهتز لها جفون آل سعود الذين يجهضون كل صوت حق، ويطفؤون كل مشعل للإصلاح، حتى يبقون يبسطون نفوذهم على جميع أنحاء البلاد وينهبون مقدراتها وينكلون بشعبها.

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى