النشرةدراسات وبحوث

“سجين الحرم”: حكاية 200 يوم في سجون آل سعود 1/2

،، في بلادٍ لا يفقه حكامها سوى لغة الدماء والقمع، لا شك أن أبناءها سيذوقون شتّى ألوان العذابات والآلالم، خاصة إذا ما حلموا بأفكارٍ على درجة عالية من الخطورة، كفكرة “الحرية” أو “الإصلاح”، نظراً لأن وعي الشعب بهذه المفاهيم ومطالبته بتنفيذها، يهدّد بقاء الطغاة على عروشهم واستفرادهم بثروات البلاد واستعباد الشعب ،،

مرآة الجزيرة

وفي خضم الحديث عن سياسات الإستبداد الممنهج، لعل آل سعود وسجونهم وجلاوزتهم هم المثال الأسوأ والتجربة الأمرّ التي عاينها أهالي الجزيرة العربية. من هنا، أصدر الكاتب والناشط السياسي سلطان العبدلي كتاباً بعنوان “سجين الحرم: ٢٠٠ يوم في ضيافة المخابرات السعودية”، روى فيه تجربته في سجون آل سعود. 

استهلّ المؤلف كتابه بالحديث عن حبه للمدينة المنورة، مسقط رأسه، مستعرضاً ذكريات الطفولة، وهيامه بها حتى الآن، إلى حد أنه يتألم لبعده عنها. ولم يفت الكاتب الإشارة إلى الجرائم التي ارتكبها آل سعود بحق التراث الإسلامي للمدينة المنورة التي سكنها رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وآل بيته الإطهار(عليهم السلام)، وأيضاً التراث العمراني الذي شيّده العثمانيون، وغيرهم. ثم عمد آل سعود إلى هدم ممنهج لكل ما يتعلق بآثار المدينة وقصورها ومساجدها من خلال استخدام الفتاوى المتطرفة، حتى غيّروا معالمها بالكامل ودنّسوا تاريخها.

الكاتب عبّر من خلال كتابه عن مدى حبّه للداعية الإسلامي الشيخ سلمان العودة، لما وجده فيه من شجاعة وتواضع وبلاغة. يطيل في وصفه حتى يقول أنه في فترة من فتراته “أدمن سلمان العودة”، باعتباره الصوت الثائر في تيار الصحوة والأقوى حضوراً وتحركاً، برأي العبدلي. كما يشير إلى تأثره بدعاة آخرين، أمثال القراينة الأربعة وهم: موسى، عوض، عايض وعلي.

يروي العبدلي بداية نشاطه الفكري والثقافي في محافظة عنيزة، حيث درس في المعهد العلمي الكائن بجوار المحكمة الشرعية والأحوال المدنية. وفي هذه المدينة، وزّع قصيدة أبا بلال “حرية الرأي”، ويأتي في مطلعها:

حرية الرأي للإسلام عنوان                 وإن تنكر أحبارٌ ورهبانُ
حرية الرأي والتعبير بوصلةٌ                 مهما تنكّر عميانٌ وطرشانُ

وفيها أيضاً تعرّف على الشيخ محمد سرور زين العابدين، من خلال شريط كاسيت له عن “أزمة الخليج وآثارها على الأمة العربية والإسلامية”. كما اشترى كتباً من إحدى مكتبات عنيزة تعود للشيخ سرور.    

توجّه المؤلف للتسجيل في جامعة القصيم من منطلق حبه للشيخ العودة، إلا أنه وما إن دخل الجامعة، حتى سمع بإعتقال الشيخ، وهو الأمر الذي أثار الإحباط في نفسه خاصة بعدما ترك المدينة كي يكون على مقربة منه. ثم عاد إلى المدينة، ودخل إلى كلية الشريعة في الجامعة الإسلامية، حيث كان يتم نفي واستبعاد المشايخ إلى خارج البلاد.

عام 1997، كانت مرحلة أهدأ كما يصفها الكاتب، وهو العام الذي تزوج فيه، والتحق بوزارة الأوقاف، في جامع كبير، مكث فيه لخمس سنوات، بقي فيه عاكفاً في مكتبته يستفيد ويتواصل مع العلماء، تمكن خلالها من إنجاز بحث الفقه الحنبلي، إلى جانب شرح  وتفسير العديد من المؤلفات الإسلامية.

وفي أثناء العدوان الأمريكي على أفغانسان، صادف أن قام العبدلي بالدعاء على المعتدين على أهالي أفغانستان المستضعفين، أثناء القنوت في الصلاة فتلقى تحذيراً اضطر بعده إلى توقيع التزام بمنع الدعاء على المعتدين، إلا أنه عاد وقنت في صلاة اليوم الثاني، فتلقى بلاغاً بعد فترة من مكتب الوزير مباشرةً ورد فيه أنه طُرد من المسجد. لكن ذلك لم يثنيه عن مواصلة عمله النضالي، فبقي يمارس أنشطته الثورية خارج المسجد.

وبعدما أضاء الكاتب على أبرز مفاصل حياته يوصلنا إلى التجربة الأهم التي عايشها في “السعودية” وهي دخوله إلى سجن الحائر في 2005 حيث مكث فيه لمدة 200 يوم، وهي التجربة التي امتزجت بالألم واللوعة والبشرى والتزكية في نفس الوقت على حد قوله. وهناك قابل الكثيرين من الشبان الذين يقبعون في السجون منذ أكثر من عشر سنوات بسبب محاكمات ظالمة. من هنا، انطلق الكاتب في سرد المعاناة المريرة التي يعيشها السجين في سجون آل سعود. يقول العبدلي، أن السجين لا يحصل على أدنه حقوقه في السجن، لا سيما الخروج إلى المستشفى إلا بعد خروج روحه، وتقطع أوصاله، إذ بقي يتألم أياماً وليالي دون أن يحصل على علاج. وهو على خلاف ما يتم الترويج له عبر قنوات النظام، أي الزعم بأن السجون بالحائر فيها تلفزة والمساجين لديهم استديو وقناة تلفزيونية خاصة بهم، وأيضاً مشفى خاص بهم وعندهم أنشطة إعلامية وثقافية وما إلى ذلك.   

تباشير الإعتقال 

يضع الكاتب بين أيدينا أيضاً قصة اعتقاله منذ بدايتها، وكان ذلك في شهر رمضان المبارك الموافق لـ12 أكتوبر 2005. كان حينها قد صلّى صلاة الفجر في منزله، وتهيّأ لإنهاء أحد الكتب التي شرع في قراءتها. في تلك الأثناء، شعر الناشط السياسي أن مكروهاً سيطاله، خاصة وأنه كان في تلك الفترة في أوج نشاطه الفكري والثوري، وكانت تعتمل في نفسه أفكار الحرية والإصلاح والإستقلال كشاب ثلاثيني يعيش هموم بلاده العربية، ويتأثر بها. بعد الصلاة طرق صاحب البناية عليه الباب، ليعلمه أن مولد الماء لا يعمل، فذهبا سوياً إلى فناء البناية وهناك التقيا بشخص غريب سألهما إذا ما كان لديهما شقة للإيجار. وقد اشتد في نفسه الشك، لما قابله في ذلك الفجر، إذ لم يكن السؤال في مثل تلك الساعة المبكرة، لا عن مولد ولا عن إيجار أمراً طبيعياً. ثم عاد إلى منزله، ليستكمل قراءة كتاب “الحرية”، وإذ بالباب يطرق مرة أخرىن فامتلأ قناعة أن الحدس بدأ يتحقق، فنظر من عدسة الباب ليرى من الطارق فوجدها مظلمة، فأيقن حينئذ أن كل توقعاته قد تحققت. هو نفسه من كان يسأل عن شقة للإيجار، داهم شقة الكاتب، وحاصره بمجموعة من المسلحين حتى لا يتمكن من الهروب. فجهّز الناشط نفسه لمرارة ما سيلقاه، وأجرى اتصالات هاتفية بأهله ليعلمهم بما يجري، ثم اتجه بعدها للوضوء، وما إن توضأ حتى اصطفت أمام منزله ترسانة عسكرية وأفراد مسلحين، بانتظاره لينقضّوا عليه ويعتقلونه مقيّد اليدين والرجلين. وقد استفزّ هذا التصرف الكاتب فواجههم بالقول: “هذا أنتم من يوم ما عرفناكم، طبائعكم وعاداتكم لا تختلف، لو اتصلتم بي لجئتكم لأنه ليس لدي ما أخشاه”، ثم صعد معهم في سيارة خاصة ليصلوا إلى المكان المنشود، دون أن ينبس أحد ببنت شفة.

الزنزانة الباردة

عند وصول الكاتب إلى مقرّ سجن المباحث في المدينة المنورة، وقبل إنزاله للمكان الذي فكّر أنه سيكون فيه، وكيف سيخرج منه لاحقاً، أُدخل إلى المبنى، وجرى وضع قناع على وجهه، صعد عدة درجات، ثم مشى قليلاً ليستقر أمام مدير شؤون النزلاء المدعو الملازم سعيد، والذي قام بتهديده للإعتراف. بعد نزع جميع محتوياته الشخصية، جاء جلاوزة النظام وأنزلوه إلى قبو أسفل البناية، حيث السجن لم يكن مهيأً كسجن مركزي إذ كان قد جرى تجهيزه سريعاً بين عامي 2004 و2005. وهناك مضوا به إلى مكان يصفه الكاتب بأنه لا يمتلك أدنى مؤهلات المهجع الكريم التي تليق بنزيل في فندق ربع نجمة.

يستفيض الكاتب في وصف الغرفة التي اعتقل فيها. يقول أن أرضها وجدرانها ملبسة بالسيراميك، ومساحتها لا تتجاوز أن تكون أكثر من خمسة أمتار مربعة. مشكلة هذه الغرفة أنها صغيرة وفيها تكييف، وليس فيها نافذة ما جعلها تبدو كأنها ثلاجة. وقد عانى الكاتب لهذا الحال جداً بسبب مرض الروماتيزم الذي يعاني منه إذ أدى الجو البارد إلى مضاعفة آلامه. وقد كانت الغرفة فارغة من كل شيء، حتى أن الوسادة كانت حلماً صعب المنال كما يصف العبدلي.

وبحسب ما يخبرنا الكاتب، يقوم بعد ذلك عدد من القوات السعودية باقتياده إلى منزله، فوصلوا إليه، وانتشروا في كل أنحائه حتى قلبوه رأساً على عقب، ففتشوه وبعثروا محتوياته، حتى خابت ظنونهم وباءت جميع محاولاتهم بالفشل، ثم خرجوا من المنزل بعد أن انتهكوا حرمته بكل المقاييس ومن ثم جرت إعادته إلى مكان جديد كغرفة الثلج. 

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى