النشرةبارزتقارير

“حروب الأرشيف وصناعة تاريخ المملكة السعودية”.. كتاب يسلط الضوء على محو آثار الماضي في “السعودية”

مرآة الجزيرة

عن واحدةٍ من أشكال الحروب التي يخوضها آل سعود، تحدثت روزي بشير في كتابها الجديد، الذي صدر حديثاً ضمن سلسلة ستانفورد حول المجتمعات والثقافات الإسلامية الشرق أوسطية، تحت عنوات: “حروب الأرشيف: السياسة في تاريخ المملكة العربية السعودية”.

بشير الباحثة المتخصصة في التاريخ الحديث للشرق الأوسط، بيّنت في كتابها كيف عملت سلطات آل سعود، على إنتاج تاريخ جديد يتماهى مع الرواية التي ترغب في ترويجها. حدث ذلك عن طريق المحو الإنتقائي لبعض أجزاء الماضي والآثار التي تشكل تاريخ البلاد. ذلك أن السلطات السعودية حرصت على إزالة الوثائق الأرشيفية وهدم بعض الأماكن الأثرية، مقابل العناية بآثار بديلة تخدم روايتها.

فكرة الكتاب، راودت الكاتبة أثناء تجولها أواخر 2009 بين الرياض ومكة لإعداد دراسة حول تاريخ “السعودية” في القرين العشرين، اعتماداً على سجلات أرشيفية وشفوية. هكذا قالت بشير في مقالها الذي نشره موقع “ميدل إيست آي” البريطاني. وذكرت أيضاً أنها بدأت من خلال جولاتها على مدى الأعوام الثلاثة التالية في مكة ترصد، عبر الصور ومقاطع الفيديو، التحولات التي تشهدها أحياء وسط المدينة، وقد “أُعجبت بتاريخ أحيائها الثري وسكانها متعددي اللغات والأعراق والهندسة المعمارية المميزة للمباني”.

لكن ما أثار انتباه المؤلفة وساقها إلى إعداد الكتاب الحالي، هو لافتة لمدرسة كانت قد شاهدتها قبل أعوام، وهي المدرسة الصولتية التي لم يكن قد كُتب عنها الكثير في الصحافة العربية، بحسب قولها. وهي مدرسة تأسست على يد عالم الدين الهندي رحمة الله الكيرواني الذي عُرف بمناهضته للاحتلال البريطاني ودوره الكبير في إشعال الثورة ضد الإنجليز بالهند، قبل أن تُصادر أمواله وممتلكاته ويهاجر إلى مكة المكرمة حوالي 1861.

من هنا انطلقت بشير لتبحث أكثر في تاريخ خريجي المدرسة الصولتية وغيرها من المدارس المكية التي أسسها آسيويون وأفارقة، فوجدت أنهم لعبوا دوراً محورياً في تاريخ المنطقة خلال عصر النهضة العربية، ثم لاحقًا في بناء الدولة الحديثة بعد الحرب العالمية الأولى، إذ أسسوا بعض أشهر المدارس والصحف والأحزاب السياسية في شبه الجزيرة العربية أوائل القرن العشرين، وتركوا بصمات واضحة في الحياة الاجتماعية والسياسية خلال العقود اللاحقة. ورغم ذلك كله، لم يلقَ هذا التاريخ أي صدى في الرواية الرسمية التي تبناها النظام السعودي حول تاريخ البلاد، إنما سلطت الضوء فقط على الدور المحوري للسلطات الحاكمة، وفق الباحثة.

الكتاب بيّن أن طمس الحقائق التاريخية أعطى زخماً جديداً إثر حرب الخليج في تسعينيات القرن الماضي، حيث أصبح “تاريخ المنطقة في تلك المرحلة وسيلة لاستجداء الشرعية الثقافية والسياسية والاقتصادية بين النخب الحاكمة في المملكة، أو بين النخب وبقية أفراد الشعب، فقد عملت النخبة الحاكمة للسعودية، بعد حرب الخليج، على ترويج رواية تاريخية جديدة أكثر اعتدالاً لتسويق صورتهم كحكام أقرب للعلمانية، وبدا ذلك واضحاً في الرياض، إذ أنفقوا ملايين الدولارات لتأسيس المتاحف والسجلات والمواقع التاريخية”.

أما في مرحلة ما بعد الحرب، فقد ركزت الخطة على “هدم وإهمال المواقع التاريخية التي لا تخدم رواية السلطات الحاكمة، والتي كان أغلبها خارج العاصمة خصوصا في مكة، ويظهر ذلك جلياً من خلال عمليات الهدم في أحياء وسط مكة”، كما تقول الباحثة.

خصّصت بشير في كتابها، جزءً للحديث عن عمليات الهدم في مكة، فمنذ أوائل القرن 21 سارعت السلطات وتيرة الهدم، لاستبدال المواقع التاريخية بالأبنية الحديثة وناطحات السحاب. حتى بدت مكة مع نهاية العقد الأول من القرن الحالي، كورشة بنا كبيرة، حيث كانت العشرات من المشاريع والأبنية قيد الإنشاء حول المسجد الحرام، ما أدى إلى انتشار الفوضى الحضارية والبيئية، بالإضافة إلى أن الوصول إلى المسجد الحرام أصبح مهمة شاقة، لكونه يمر عبر شبكة من الممرات والطرق المكتظة بالمشاة والسيارات والحافلات.

كما أشارت الكاتبة إلى أن مشروع برج الساعة، الذي كلّف مبالغ طائلة، تسبّب “بحجب الشمس عن الحرم المكي من ناحية الجنوب الغربي، أما من الجانب الشمالي فقد كانت هناك حفرة بعمق كيلومتر، تمتد على مساحة 3 كيلومترات مربعة، وحلّت مكان المدرسة الصولتية الأصلية”.

وبطبيعة الحال، أفضت هذه المشاريع في مكة، إلى إجبار عشرات الآلاف من السكان على ترك منازلهم، مقابل تعويضات ضئيلة، ودون حق اللجوء إلى القانون. فيما “تم نقل بعضهم إلى مناطق جديدة على أطراف مكة، وانتهى المطاف بالعديد منهم للإقامة في أحياء فقيرة تحت ناطحات السحاب المحيطة بالمسجد الحرام، لتنتهي الوعود البراقة وفق تعبير الكاتبة باقتلاع النسيج الاجتماعي والعمراني للمدينة وتفكيكه”، وفق الباحثة.

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى