مقالات

اللجوء السوري ودول الخليج

في رده على الصحافي الإنكليزي روبرت فيسك الذي انتقد إحجام دول الخليج عن استقبال اللاجئين السوريين، قال الإعلامي السعودي داود الشريان في مقالة له في جريدة «الحياة»، إن السعودية هي أكثر الدول استيعاباً للسوريين الهاربين من جحيم الحرب في بلادهم، مؤكداً أن أكثر من مليون سوري لجأوا إليها منذ بداية الأزمة، وأن الرياض منحت الإقامة لكل القادمين إليها بتأشيرة زيارة، وأن أمراً ملكياً صدر بقبول مئة ألف طالب سوري في الجامعات السعودية. ثم زاد على ذلك بأن المملكة لم ترغب بتوظيف المسألة سياسياً، خلافاً لما تقوم به دول أوروبا.
والحقيقة أن السؤال عن الدور الذي تلعبه (أو لا تلعبه) دول الخليج بخصوص أزمة اللاجئين السوريين ليس جديداً، وإن كانت صور أيلان الكردي الذي أدار ظهره للبشر جميعاً قبل أن يغفو على أبواب أوروبا إلى الأبد، أعادت طرح المسألة من زاوية مختلفة: لماذا يلجأ السوريون إلى الغرب ولا تُشرَّع لهم الأبواب في الدول المقتدرة مالياً، والأقرب جغرافياً وثقافياً، والأكثر ولعاً بـ «نصرة قضيتهم» (أو نصرة «نصرتهم»، كما هي حال قطر)؟
على أن روبرت فيسك لم يكن سوى واحدٍ من عشرات الكتّاب والصحافيين الأجانب الذين أثاروا القضية هذه في الأيام القليلة الماضية، لبداهة طرحها أولاً، ولأنها مُستهجنة ثانياً، بمعزل عن الموقف من الأزمة السورية.
وقد عدَّد تقرير عُرض على «هيئة الإذاعة البريطانية» (بي. بي. سي.) قبل أيام الأسباب الكامنة وراء صعوبة دخول السوريين إلى دول الخليج، ومنها أن الحصول على تأشيرة سياحية أو تصريح عمل مسألة مكلفة وتحدّها قيودٌ عملية غير منصوص عليها في القوانين. وأضاف التقرير في هذا السياق أن «معظم الحالات الناجحة هي لسوريين يعيشون في دول الخليج أصلاً ويقومون بتمديد فترة إقامتهم».
وبرغم أن دول الخليج قدّمت مساعدات مالية للاجئين عبر الأمم المتحدة بتفاوت، إلا أن الإعلام الغربي رأى في كمية المعونات تلك ما يدين هذه الدول أكثر مما يُعينُ سمعتها. فصحيفة «دايلي ميل»، مثلاً، قالت إن لندن رفعت من قيمة مساعداتها إلى ما يلامس المليار جنيه استرليني، وهو ما يزيد عما أنفقته السعودية والإمارات وقطر مجتمعة.
أما منظمات حقوق الإنسان، فزادت على النقد أوصافاً. ففيما قال المدير التنفيذي لمنظمة «هيومن رايتس ووتش» كينيث روث في تغريدة له إن دول الخليج «غنية، ومسلمة، ولم تستقبل أي لاجئ سوري»، وصف مسؤول قسم حقوق اللاجئين في «منظمة العفو الدولية» شريف السيد علي، موقف هذه الدول بـ «المعيب».

ومعلوم أن أرقام الأمم المتحدة تفيد بخروج نحو 4 ملايين سوري من بلادهم، حوالي 3.8 مليون منهم إلى خمس دولٍ مجاورة هي لبنان والأردن وتركيا والعراق ومصر. ويحظى لبنان بالنسبة الأعلى من اللاجئين في العالم مقارنة بعدد سكانه وفق تقديرات «المفوضية العليا للاجئين» في الأمم المتحدة، بحيث تزيد النسبة عن 22 في المئة (أكثر من مليون ومئة ألف لاجئ بحسب الأرقام الصادرة في آب 2015)، بما يزيد عن ضعفي قرينتها في الأردن الذي يملك ثاني أعلى نسبة (حوالي 9 في المئة من تعداد السكان).
ومعلوم أيضاً أن أياً من دول الخليج (كما معظم الدول العربية) لم يوقع على اتفاقية 1951 الدولية الخاصة باللاجئين، ولا على بروتوكول العام 1967 الملحق بها بطبيعة الحال. والاتفاقية هذه تُعرّف اللاجئ وتُبيّن أنواع الحماية القانونية والحقوق الاجتماعية والمساعدات التي يحظى بها، وتُبرز، في المقابل، موجبات اللاجئ حيال الدولة المضيفة، كما تستثني بعض الفئات من إمكانية الحصول على صفة اللجوء، كمن يُصنف في خانة «الإرهاب» مثلاً. علماً أن الاتفاقية وُضعت أساساً وفق المقاييس الغربية لحقوق الإنسان، وهــــو ما جعل صعباً تطبيقُها في الدول العربية التي لا يُعطي بعضها مواطنيه ما تقدّمه الاتــفاقية للاجئين.
وبمعزل عن الأرقام ودلالاتها والتضارب في التصريحات، يمكن التأكيد مبدئياً على ما يلي:
أولاً، إن إفصاح أي دولة عن أعداد اللاجئين فيها يمكن إدراجه في خانة اعتماد معايير الشفافية في التعامل مع القضية، وهذا يفيد اللاجئين وقضيتهم قبل أي شيء آخر. المعلومات هذه ليست مجرّد قيمة مضافة، بل هي ضرورية لأسباب لا يتسع المجال لذكرها، والتصريح عنها يتجاوز مسألة المباهاة وتسجيل النقاط و «التوظيف السياسي». علماً أن المملكة العربية السعودية غالباً ما تُرفق مساعداتها المالية للدول بحملات دعائية ضخمة (اليمن، مثلاً، تُقدّم له الأموال مرفقة باستعراض إعلامي مُكثف وآلاف الغارات الجوية). فما الذي يجعل الأمر مختلفاً في الحالة السورية؟
ثانياً، ثمة مسؤولية تقع على عاتق كل من يُطيل أمد الحرب في سوريا، بدءاً بنظام واجه التظاهرات في أسابيعها الأولى بالعنف وأحال القضية برُمّتها إلى «مؤامرة»، وما زال لا يقبل باستيعاب معارضةٍ ليّنة ولا بمبدأ التسوية مع بعض الخصوم ويؤكد على انتهاجه الحل الأمني من دون غيره، وصولاً إلى من سوّق ورعى، تمويلاً وتسليحاً (وما زال يفعل)، خطابَ كراهية وإرهاب لا يفيد سوى في تنشئة أجيال من السوريين على ثقافة الإلغاء، والمقصود هنا بعض دول الخليج تحديداً. ولهذا الأمر انعكاسٌ كبيرٌ على اللاجئين، عدا عن انعكاساته الكبرى على المقيمين في المشرق العربي. إذ عند أول عملية إرهابية يقدم عليها «جهاديٌ» يرغب بفتح الأندلس من موطئ قدمٍ له في أوروبا، سيدفع مئات آلاف الذي استُقبلوا مؤخراً الثمن.

 

 

 

 

ربيع بركات 
السفير 

 

 

 

 

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى