أدبياتالنشرة

رامـســـــطين!!

هذا النص الأدبي كتب ونشر العام 2003م في أعقاب دفن شاطئ بحر الرامس وتجريف عشرات المزارع من قبل السلطات السعودية بذريعة إقامة مخططات عقارية كان قد باعها وزير الدفاع في حينذاك سلطان بن عبدالعزيز لصالح عقاريين مقربين منه، تعيد مرآة الجزيرة نشره بالتزامن مع الهجمة الشرسة التي يتعرض لها وقف الرامس بهجف مصادرته من قبل الأهالي، وهو أرض زراعية تتجاوز مساحتها 8مليون و665 ألف متر مربع قبل أن يقتص منها مشروع “دانة الرامس” 224 ألف متر مربع،،،

حمزة الشاخوري

السفينة تتطوح، الدوار يُصدع رأسه، الأمواج الجامحة تضحك بهستيرية مجنونة، مخالب متوحشة تتقاذف السفينة، أفواه البحر ترش المياه المالحة في وجهه، الذعر يعربد وسط كيانه، رفع كفيه نحو السماء:

ـ سترك يا ربّ العباد، إنك أرحم الراحمين.

 خَفض كفيّه، فلاحت أمام ناظريه أسراب غربان سود منتشرة في الجو، انهمر رعد نعيبها يُمزّق أذنيه، الغربان تقترب، قلة من ركاب السفينة وكلهم من أهل قريته حاولوا صدّها فباؤوا بالفشل، هاجمتهم: تنهش لحومهم، تنقر رؤوسهم، تقتلع أعينهم، وتلعق دماءهم اللزجة..!.

الهزيمة فضائح مجلجلة تملأ الخافقين نتناً وتنشر في النفوس عبق المذلة والهوان، الفضاء يضج بصراخهم، البحر كون يضيق عن احتضان هزيمتهم، يلفظهم وسط الأمواج، أسماك القرش تبصق في وجوههم، والتيارات الثائرة تسوقهم بعيداً عن مياه الخليج الدافئة.

وثب عن منامه مذعوراً، استيقظت زوجته، وجدته ينزّ عرقاً غزيراً، وجهه يحتقن حمرة مسوّدة، والهلع يتراقص فوق وجهه..

ـ ما بك؟

ـ أبداً.. لا شيء!.

ـ والذي أراه في وجهك؟.

ـ  لا تشغلي بالكِ. انه مجرد أثرٍ لحلم مزعج.

ـ سأحضر لك الماء.

*      *      *

سكون الليل يغمر الأمكنة، البيوت ما زالت نائمة، ومن خلف الهضاب يزحف رتل آليات مدججة بالسلاح متستراً بغلس الظلام، وزئير المحركات يُرعب الليل ويغتال هدوءه.. الرتل يتلصص الطريق إلى قلب القرية، يسلك دروباً متعرجة، يلتف من خلف الكثبان الرملية، وبغتة انقضت الآليات من عمق العتمة وراحت تُمزق جسد القرية.. وتفترس الجماد والأحياء وكلّ الأشياء وتُبعثرها فوق وجه الأرض الشاسعة..

ثمة رتل آخر ملتحفاً الظلام، وقد اتخذ من جذوع الأشجار والنخيل متاريس تقيه الانكشاف للرؤية.. عشرات العربات الضخمة محملة بركام من الرمال والنفايات، تتجه ناحية البحر!.

*      *      *

شمس القرية تتنفسّ فوق سمائها الكابية، تثاءبت الشوارع، مطّت البلدات والأحياء ظهورها، فرغت البيوت من الرجال والأطفال، الأرجل تزرع الميادين والساحات، بآلاف الخطوات التائهة، بحثاً عن القوت.

فوق رأسه تقبع مزودته، وفي يده يتدلى منجله الذي لا يفارقه، تشق قدميه طريقاً تحفظ تضاريسه، تنقله خطواته إلى مزرعته التي أفنى شبابه بين ضواحيها وسواقيها.

ثمة أصوات متوحشة تدوّي، أوقف خطواته، أصاخ السمع، كأنه نباح كلاب، يأتي من طرف الحقول والمزارع، نفض رأسه رافضاً أفكاراً مجنونة تُريد أن تعلق بخياله، فباغته صوت حشرجة غريب، تبيّن فيه احتكاك حديد بصخر ربما!.

فكر: ثمة أمر غير طبيعي يحدث، عليّ أن أحذر بقية الفلاحين، معاً سنكتشف ما يجري، حتى لا يستفرد الخطر بنا الواحد تلو الآخر!!.

*      *      *

الأقدام تدق الأرض، تنشق الدروب عن رجال متأهبين، توزعوا جماعات، سلَكت كلّ مجموعة فجاً بين حشائش القصب والنخيل السامقة، قتلتهم مفاجأة الفجيعة: مزارعهم بلا أسوار. فقدت الأشجار أغصانها، وترامت الجذوع فوق شتلات البساتين ووسط قنوات الماء. تساقطت النخيل تباعاً، بعضها احتضنت جذورها المفترعة، وأخرى تدثرت بسعفاتها الجريحة. هُدمت أعشاشهم، تهاوت الأبنية كصفحات ورق عَصفتْ بها الريح، اختفتْ غُرف استراحاتهم ومخازن غلاّتهم. أسنان الجرافات خرّبت الزرائب، بَقرت بطون الماشية، وبعض الأغنام لاذت بالفرار فاصطادتها طلقات وطلقات..!.

خنقتهم العبرة وهم يصفون الكارثة، وقد تمازجت أصواتهم:

ـ لم يتركوا شيئاً فوق الأرض..

ـ دمروا حصاد أعمارنا..

ـ طمروا أحلام أطفالنا..

ـ صارت مزارعنا وبحارنا جرداء قاحلة..

ـ سلبونا كلّ شيء ومنحونا وعود السراب والأوهام!!.

*      *      *

حشود تتفرج على الكارثة، تنصت إلى استغاثات النخيل وأنين الأرض، تنظر، بلا اكتراث، للحدث المهول، وتسرح أعينها بين الحطام وبقايا المزارع المنكوبة..

كان في وسطهم، فأذهله الوجوم المُريب القابع فوق الوجوه، فراح يصرخ فيهم:

ـ أنقذوا أرضكم.. قبل أن يختطفها الموت!!.

بعد أن بحّ صوته وابتلع بئرُ الخوف صدى نداءاته، ولم يجد خياراً آخر، انتزع رجليه، وبدأ يشق لنفسه طريقاً مختلفاً. قلبُه يرتجفُ بعنف، يخشى الطوفان القادم من أغوار المجهول، أظافره تتشبث بالأرض، كلّ الأرض، مصدر القوت، الخبز، مصدر الخير كلّه. فؤاده يطفح قلقاً، فقد يغمر الطوفان صور أحبابه المخبأة وسط حجرات قلبه الدافئ..!.

وصل منزله متعباً، فتسلل إلى غرفته، وسقطت بقايا جسده المتداعي فوق فراش بالٍ.

*      *      *

أحدثت الضربات المتتالية للمثاقب الآلية الحادة فجوات عميقة في أسوار القرية، ثم عبرتها البلدوزرات واقتحمت الساحات والشوارع، استباحت جسد القرية، رقصت فوق هامتها، دنّست ترابها، ورغم انتفاضة ومقاومة بعض الأزقة والطرقات، إلا أن الجرافات تحفزت وصرّت أسنانها وانبرت تهاجم الأرض، حفرت باتجاه العمق الباطن، مقتلعة الجذور ومفتتة الصخور القواعد، ثم راحت تجول معربدة وسط أحياء القرية وأطرافها، مخترقة خاصرة الحي الرئيسي في البلدة، فتفجرت الشوارع ينابيع دماء تسيل، وتهاوت الضحايا تحت أضراس الحديد، وتشوهت وجوه الأشياء والمسافات، ونكاية بالقرية، جمعت الآلات المجنونة آثار الخراب والدمار، وصفعت بها وجه القرية المُباغتة!!.

*      *      *

الأجساد تذرع الشوارع بلا رؤوس!!.. تهرول هاربة.. تفرّ من الموت إلى موت أشدّ مرارة وإيلاماً، الرايات منكسة فوق الصدور، والجو الخانق يفوح بروائح الدم المسفوك في كل نواحي القرية.. هنا قرية تنوح ودموعها تتقاطر، امرأة ثكلى تنتحب!.. وهنالك بلدوزرات متوحشة تقهقه نشوة النصر في سخرية لاذعة!.

يعلو نواح الأرض، تئنّ الطرقات، تنشج الأزقة، فتصدح معزوفة الألم، وتتموج أصداء الحزن. تجتاز الكارثة الجدران والنوافذ، تسبح فوق سطح البحر، تجول حول الشاطئ، تبكي سعفات النخل، وتعتصر دموعَها أهدابُ الأشجار الذبيحة.. القرية نهر دموع ودماء!.

تُداعب السيمفونية صدر القرية، ترتعش قلوب الأهالي، ترجف أفئدتهم هلعاً، تزيح أشعة الشمس ما تلبد من الغيوم فوق وجه السماء، وما تلبث أن ترتعش داخل أرواحهم إرادة الحياة!.

احتدم صدى الفاجعة في قلب القرية، نبت الحزن وسط صدرها، وأينع في رحمها جنين التحدي، وأتى المخاض عاصفاً، فتناسل من أمشاجها رجال يأبون الضيم ويعشقون الكرامة!.

*      *      *

حين دخلت زوجته الغرفة فوجئت بوجوده، اقتربت منه تحدثه، لم يجبها بشيء، بدا لها أنه مستغرق في نوم عميق، انسلّت خارجة وأغلقت الباب وراءها، توجهت إلى أولادها تحذرهم:

ـ يبدوا أن والدكم مرهق جداً، انه نائم، فالزموا الهدوء حتى لا تزعجونه فيستيقظ!.

انفردت بنفسها، فعاثت الأفكار تضطرم في رأسها، وانسابت أسئلةُ القلق تلاحقها: متى عاد من السوق؟ ليس من عادته ألا يتفقد أولاده، تُرى لماذا لم يتجه للمطبخ ليطمئن علينا، كيف دخل دون أن يشعر أحد منا بوصوله، هل أصابه مكروه؟ أم أن مزرعته احترقت أو سرقت؟!.

*      *      *

في الشوارع، داخل أروقة العمل، وبين أفناء المساجد والقاعات، وفي كل مكان تطأه أقدام الأهالي، تحتدم معركة الأصوات والهمهمات، وينفجر صراع الإرادات، أقطاب الصراع تتواجه أينما ومتى التقت. ثمة أصوات صاخبة تزعق، الآراء تزمجر، أفواه تتحدث، ألسنة تتلعثم، فيما ترغي وتزبد أخرى…

وفي غمرة الصخب تسافر الحقائق، تغيب حنكة التاريخ، وتختفي رماح الحكمة في ساحة القتال، يتأجج أوار الفتنة، تشتعل نيران المصالح، يتوهج سعير الرغبات، وعلى الطرف الآخر من الجبهة تتراكض الخطابات شجباً وتنديداً، فتصطدم بخطابات التأييد والمناصرة، وتنبري الأقلام لتصوغ مسارات الحرب وأطرها!!.

غبار المعركة لزج وكثيف، يحجب الرؤية ويشوّش النظر، تصادمت الأجساد، وسالتْ الدماء، ثم امتزج أنين المحتضرين والجرحى مع استغاثات الأرض والمزارع..

وخلف ضباب الغبار الهائج في أرض المعركة، تلوح أطياف لجموع تلوذ بالفرار، هربوا طلباً للنجاة، فابتلعتهم كثبان الرمال الزاحفة باتجاه البحر!!.

*      *      *

في الطرقات تنتصب الحواجز، المتاريس تفصل البحر عن اليابسة، يتراجع المدّ، ينحسر الماء، تشتعل النيران في المزارع والبساتين، يعجز الأهالي عن إطفائها. الحواجز تعيق وصولهم إلى الشاطئ!..

الأشجار والزرع هشيم أسود، والتي لم تحترق ماتت عطشاً..

اللظى يُحرق الأرض، يقضم أطرافها، قلبُ القرية يشتعل، الوجع الداهم يُصدع الرؤوس، تهبّ رياح آتية من أقصى الجنوب، تذر هشيم النخيل والأشجار المحترقة، تنثره فوق سطوح المنازل وداخل أرجائها..

القرية تتدثر وشاح الكآبة، تتجرع غُصة الألم في صمت له مذاق العلقم!.

النساء والأطفال يتطلعون من النوافذ والشرفات: الشوارع بلا رجال، القرية رمادية اللون، لا شيء يتحرك، وحدها البلدوزرات المفترسة تهيم في كل مكان، غيّرت كلّ الأشياء فوق الأرض وفي باطنها.. الجرافات تتجه نحو البحر، تدفن جريمتها، تحت أكوام المخلفات والأنقاض!.

صوت بريء يصرخ:

ـ أماه.. سُتغرق الجرافات آثار الجريمة!.

يجيبه صوت آخر تبدو في نبرته علائم النضج:

ـ أماه..  ذاكرتنا ستحفظ الجريمة!!.

صوت ثالث يضيف:

ـ أماه.. ألبوم التاريخ يُخزن صور المجرمين وأسمائهم!!.

*      *      *

عليها أن توقظه ليصلي، دنت قرب رأسه، كلمته، لم يرد، ربتت على كتفه، لم يتحرك، هزّته واحتضنت يديه، أحستْ برودة تسري في عروقها، هاجمتها الهواجس، طردت أخيلة الموت عن ذهنها، وارتمت عند رأسه تنتحب!.. تناغيه، تتوسل إليه أن يستيقظ، أن ينهي إغفاءته، أن يدع السبات وينهض للصلاة!!.

*      *      *

لم يسمع نشيج زوجته، ذاكرته تستعيد أحد الحوارات التي عصفت بوعيه، آنذاك كان يصرخ في المتجمهرين:

ـ ثمة سر ضائع!.

الصحراء شاسعة الأطراف، وهي على مرمى وتر، فما سر تكالب القريب والبعيد، الجار والغريب، على أرض ((رامسطين))؟!.

ـ أنت سيئ الظن، ولستَ مؤهلاً لتقييم الأحداث، فما تقوم به الجرافات جزء من خطة تنموية متكاملة للنهوض بالمنطقة.

ـ إحم إحم!!.

ـ أتسخر مني؟

ـ حاشاك السخرية. هل باتت ((رامسطين)) القصعة التي يتكالب عليها الغربان؟!.

ـ قلتُ لك هم يريدون استثمارها لصالح البلدة نفسها. النفع سيعود على ((رامسطين)) وسوف ترى ذلك بأم عينيك!.

ـ كفانا خداعاً لأنفسنا!..

ـ أمثالك هم المخدوعين بجوقة الشعارات الرنانة!.

ـ لقد أضعتم الأرض، فحاولوا حفظ أنفسكم، اربحوها ولو مرة..!.

ـ بل أنتم الضائعين الذين خسرتم كل شيء..

ـ إن كنا خسرنا شيئاً فأنتم السبب!!..

ـ نحن السبب؟! عجيب أنت.

ـ استيقظ إن كنتَ نائماً، وابحث عن ضميرك أين أضعته!!.

*      *      *

في وضح النهار تُسرق الصحراء..!.

العربات الضخمة تنوء تحت وطأة الخطيئة، تُعبأ بطونها بالرمال المنهوبة، وتُساق لارتكاب الجريمة أمام وهج الشمس، تترنح بأثقالها باتجاه الشرق، تغوص عجلاتها في رمال الشاطئ، يصرخ صوت سمج يخاطب سائق العربة:

ـ هيا أفرغ حمولتك بسرعة..

 يرتفع صندوق العربة فيحجب نور الشمس، ثم يتدحرج ما في جوفه من الأحجار والرمال ومخلفات المباني وسط قلب البحر، وينطفئ شعاع الكون!.

وفي الأعماق تكتمل فصول الجريمة: تنفق الأسماك، تُدمر حواضنها، يفنى بيضها، وتُدفن صغارها.. يُجتثّ نبات القرم، وتلك الكائنات التي تنجو من قبور الردم، يتحتم عليها ابتلاع حبات الرمل السابحة في المياه، عوضاً عن غذائها من ((البلانكتون)).

*      *      *

تمدد اصفرار الموت الناجم عن زحف الرمال حتى الأفق. اختفتْ مزارعٌ كانت عامرة، أقفرتْ المسطحاتُ الخضراء وغاباتُ النخيل، إلا من صفير الريح وصفيق ذرات الرمال التائهة في الهواء، وهي تسرح هازئة بالقرية وأهلها!.

ومن أغوار البحر يتصاعد نشيج كائنات تتضور جوعاً، فيما طوابير الصيادين يفترشون الصحراء النابتة حديثاً عند تخوم البحر.. أنظارهم تسوح الفراغ المخيف، تتطلع إلى الأمواج المتعبة، مؤملين أن تحمل إليهم لقمة سائغة يقدمونها لأطفالهم ونسائهم!!.

تكاثرت شللُ العاطلين، وراحت تجوب الطرقات والأزقة بحثاً عن مصدر قوتها، ويوماً بعد آخر تتضح في وجوههم ملامحُ الانكسار والخيبة، وتنبثق في عيونهم نظراتُ الضياع والحيرة..

يتحسرون على أرض، كانت يوماً هي الحضن الدافئ الذي يدثرهم، فانتزعت من بين أيديهم ليُصفرَ فيها الفراغ، ويندبون بحراً دفنته الرمال، فصار جزءاً من صحراء، تُبشرهم بالجوع والعطش والتيه الطويل!.

*      *      *

استدعت زوجته سيارة الإسعاف، نقلوه إلى المستشفى، أدخلوه قسم العناية الفائقة، نبضُ قلبه مضطرب، حرارته منخفضة بشكل خطير، دسوّا في منخريه أنابيب الأكسجين، وخرقت إبرة (المغذي) شريان يده اليمنى.

خارج القسم كانوا ينتظرونه: زوجته، أطفاله، وثلة من المنكوبين مثله، أطلّتْ عليهم إحدى الممرضات، أشارت إلى زوجته:

ـ الطبيب يريدكِ في الداخل.

دخلت إلى مكتب الطبيب، فبادرها قبل أن تلتقط أنفاسها:

ـ هناك أمر غريب، أريد سؤالكِ عنه لعلك تسعفيننا برأي..

أراها صور الأشعة لصدر زوجها، فامتقع وجهها، وغطته غلالة الدهشة. إصبع الطبيب يتنقل فوق الأشعة موضحاً آثار طعنات حادة، ربما هي لأنياب حيوان مفترس، أو خنجر أو مدية ذات حربة مسنَّنَة. توجه الطبيب بنظره نحوها، والحيرة تهزّ رأسه ووعيه:

ـ ما يثير دهشتنا ويربك تفكيرنا أن جسده لا توجد عليه أية آثار لهذه الطعنات، والنزف يجري داخل الأوردة، ورغم ذلك فإن الدورة الدموية تبدو منتظمة، فكيف أمكنهم أن يطعنوا قلبه، دون أن يتركوا أثراً على جسده؟!.

مسحت دموعها بمنديل ناولتها إياه الممرضة، أخذت نَفَساً عميقاُ وقالت: آسفة يا دكتور إنني لا أملك تفسيراً مقنعاً، كل ما أستطيع إفادتك به، أن زوجي في الأيام الأخيرة بدا مهموماً، دائم التفكير، شارد الذهن، وقد ظهرت عليه أمارات التعب والإرهاق.

*      *      *

مزارع (رامسطين) تغرق وسط عباب أمواج رملية عاصفة، وندى الحزن سحاب يحجب وجه البحر..

في هذا الفجر البائس ثمة صيادين تتدحرج أقدامهم العارية فوق أرض طرية، كانت منذ أيام منصرمة، بحراً تتلاطم أمواجه، تدور أبصارهم في السماء الكابية، يفتشون عن النوارس المهاجرة وعن طيور كانت تملأ الفضاء حياة وجمالاً، فلا تطالعهم سوى امتدادات الفضاء المقفرة من كل ألوان الحياة..

يتهامسون بينهم لحن الانكسار فتنبجس في صدورهم  ينابيع الحزن، وتحتوشهم مشاعر الحسرة والألم..

في البعد، هناك تحت ظلال النخيل وأشجار التين والرمان تجمع آخر مختلف: كهول وشيوخ يفترشون الأرض، تتناثر حولهم محاريث ومناجل و(محشات ومجاريف) وقد غرس بعضهم إلى جانبه قدوماً وفأساً! وثمة أشخاص بينهم افترشوا حصيراً وانعزلوا فوق رابية مرتفعة..

اقتربت خطى الصيادين من مجلس المزارعين، تبادلوا النظرات، العيون تقرأ في الوجوه صور الفاجعة، تبادلت القلوب مشاعر المحنة، وسَرَتْ روح التلاحم إلى عمق كياناتهم..

ـ لقد ذبحونا..

ـ سرقوا أرضنا..

ـ بل سرقوا حياتنا!.

ـ صادروا قرص الخبز!.

ـ دفنوا آمالنا.. أحلامنا.. طفولتنا.. وعاثوا…

قاطعه أحد الحاضرين ولا يبدوا على هيئته أنه بحاراً أو مزارعاً:

ـ لقد طمروا تاريخ أجدادنا، واجتثوا جذور وجودنا، وبعثروا آثار السنين المحفورة في عمق الأرض.

هبّ ثلاثة من الحاضرين وصاروا يترنمون لحناً حزيناً:

قتلوا النخيل والطيور

أحرقوا السنابل والبذور

خطفوا بحرنا والسرور

أطفأوا شموعنا..

أظلمت دورنا..

ذبحونا، قطعوا منا النحور

وتنادوا صارخين..

ألاّ نثور.. ألاّ نثور!!

قتلوا النخيل والطيور!

أبصروا أحد القادمين يتهادى نحوهم، فصمت الجميع وتعلّقت أنظارهم به، حاذاهم فعرفوه وقاموا للسلام عليه مرحبين مبجلين..

ـ تفضل شيخنا..

ـ تشرفنا بمقدمكم جناب الشيخ..

تكلم الشيخ وهو واقف:

ـ لن ينفعنا الصمت، إننا بأيدينا نحفر قبورنا وقبور الأجيال القادمة، علينا أن نفعل شيئاً، لابد من حل قبل فوات الأوان.

هزّ أحدهم كتفيه علامة استسلام ويأس:

ـ ماذا تريدنا أن نعمل يا شيخنا، لا حيلة لعاجز..لا شيء بيدنا!.

ـ البعض يحسب رفضنا مجرد تشبث بالماضي، يصورون أنفسهم واقعيون يغتنمون ما تجود به الفرص، ويتناسوا (أن ثورتنا ضد مذلات عمر بأكمله) على امتداد خارطة الحياة!.

قال بحار شاب: دعكم من اجترار الألم، لنفكر في المستقبل.

ـ المستقبل لا يأتي! نحن يجب أن نذهب إليه، نخلقه ونصنعه وفق إرادتنا. علق شاب آخر.

ـ مستقبلكم رهن بعودة النوارس التي هجرت البحر المدفون، مستقبلكم رهن بعودة العصافير إلى أعشاشها فوق أشجار (رامسطين) ونخيله. وعلينا أن لا ننسى أن النوارس لن تعود إلا إذا نجى وغادر المستشفى.أضاف الشيخ.

ـ ترى هل سيفيق من غيبوبته؟ سأل أحدهم.

ـ الدكتور طمأن زوجته، منحها أملاً، وهي واثقة أنه سيستيقظ!.

ـ يا جماعة غيابه هو مصدر ضعفنا.

ـ تخاذلنا أمرضه وأدمى قلبه..

ـ خياناتنا المتبادلة قتلته!!.

انتفض كهل مندلق البطن، يعتمر كوفية بيضاء ناصعة، ممن جلسوا فوق الرابية، وزمجر مغتاظاً والحنق يطلّ في عينيه:

ـ انك تتهمنا!! كأنك تقول نحن الذين قتلناه!!. هه؟!

قال الشيخ بصوت هادئ النبرات:

ـ لينظر كل إلى حقيقة ذاته، إلى جوهر دوافعه، فسيكتشف كل منا أنه ساهم في قتله بطعنة من سنان أو خنجر مسموم!!.

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى