مقالات

من أجلنا كعرب… كفوا عن شيطنة إيران

أثبت الإتفاق النووي الإيراني، أن السياسة لا تعترف إلا بالمصالح، وأن العلاقات الدولية لا تُدار وفق منطق الحب والكراهية، والولاء والبراء، والغرام والانتقام.

ولأن السياسة هي «فن الممكن»، فقد تجاوزت كلٌّ من إيران وأميركا مسألة العداء الأيديولوجي بينهما، تغليباً لمنطق المصالح. فالأميركيون بعد كل هذه السنوات، باتوا على يقين بعدم قدرتهم على إلغاء إيران، وباستحالة وجود بديل للتعامل معها كما هي، دون سعي لتغييرها أو طموح في إعادة صياغة نظامها السياسي.

وبالمقابل فإن الإيرانيين يعرفون تماماً أن أميركا هي القوة الأعظم، وأنه لابد من التعامل معها من منطلق المصالح المتقاطعة إن وجدت، أو خلق تلك المصالح في حال عدم وجودها.

أميركا الآن ليست مستعدةً للاستنزاف في المنطقة العربية، وليست مستعدةً للاستمرار في الرهان على خيارات تحمل من المخاطر، ما يصعب السيطرة عليه. أولويات أميركا الآن تتمحور حول احتواء كلٍّ من الصين وروسيا، فهما أخطر وأهم من كل التحديات التي واجهتهم في المنطقة بسبب عدائهم لإيران. فمتى سيفهم العرب أن العالم بالنسبة للأميركي لا ينحصر في منطقتنا، وأن الأميركي بات مستعداً لترك المنطقة لتدير نفسها ذاتياً، ومن خلال محاور وتحالفات تضمن تأمين مصالحه، دون الاضطرار للدخول في صراعات عبثية تستنزفه اقتصادياً وعسكرياً وسياسياً!

لقد راهن العرب على أميركا ووضعوا كل بيضهم في سلتها، ونسوا حاجتهم لصياغة مشروع حقيقي، يجعلهم مؤهلين للعب دور الشريك الذي يحتاج إليه الأميركي الآن في المنطقة.

بالمقابل تمسك الإيرانيون بمشروعهم، وطوّروه، وأخضعوه للنقد المستمر، ممّا مكنهم من سد نقاط الخلل، وساعدهم على تطوير أدائهم بشكل مذهل، ليس على صعيد السياسة الخارجية وحدها، وإنما أيضاً على صعيد التجربة التنموية في الداخل. لقد تمكن الإيرانيون ورغم الحصار والعقوبات الاقتصادية، من قطع شوط مذهل في تطوير الصناعات الثقيلة، ومن ضمنها صناعة السيارات. وهذا ما جعل الأميركي يثق في قدراتهم، رغم عدم ثقته في نواياهم.

العرب لم يجابهوا المشروع الإيراني بمشروع بديل، بل اكتفوا بالمواجهات الإعلامية التي كانت أشبه بقصائد جرير في هجاء الفرزدق. وهذا فشل آخر يجب أن نواجهه ونعترف به قبل فوات الأوان. فالكوادر الإعلامية التي رسمت سياسة المواجهة وقدم عناصرها أنفسهم بصفتهم «خبراء استراتيجيين»، ضلّلت الناس وخدّرتهم، وشحنتهم بكافة الأساليب، فماذا كانت النتيجة؟

الآن نحن أمام واقع جديد سيحوّل إيران من دولة مارقة في نظر الغرب، إلى شريك اقتصادي وسياسي وأمني، فماذا نحن فاعلون؟ هل سنستمر في المواجهات الإعلامية العبثية عبر نفس الوجوه الإعلامية الفاشلة، ونصر على السير في الاتجاه المعاكس لما توافقت عليه إرادة العالم أجمع مع إيران؟ أم أننا سنتعامل مع المرحلة وفق رؤية استراتيجية غير مستمدة من عواطف الحب أو الكراهية، وإنّما من منطلق المصالح الحيوية؟

فلنتوقف عن شيطنة إيران… من أجلنا نحن لا من أجلها.


أنس زاهد

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى