النشرةسينالهم غضبمقالاتوما قتلوه

الباحث اللبناني حسن صعب: الشيخ نمر باقر النمر.. شهيد فلسطين بامتياز

إن جريمة إعدام الشيخ النمر كانت تحمل مضامين عميقة تطال الصراع القائم والمتصاعد بين محورين متقابلين: المحور الأميركي ـ الإسرائيلي ـ الخليجي المتآمر على فلسطين وشعبها تحديداً، ومحور المقاومة والممانعة المتبنّي لقضية تحرير فلسطين،،،

حسن صعب* ـ خاص مرآة الجزيرة

أعدمت السلطات السعودية، بتاريخ الثاني من كانون الثاني من العام 2016، الشيخ نمر باقر النمر، مع مجموعة من الأشخاص الذين أدينوا بتهم غريبة وملفقة، شملت دعم الإرهاب وإثارة الاضطرابات والخلافات الطائفية ومحاولة إسقاط السلطة، وضلوع معظمهم في سلسلة هجمات نفّذها تنظيم القاعدة في الفترة من 2003 إلى 2006!

ولقد قيل الكثير عن الدوافع الحقيقية وراء تجرّؤ نظام آل سعود على إعدام الشيخ النمر، لجهة ارتباطه بإيران، إلى مطالبته المتكررة بحقوق شيعة القطيف ورفضه لتسلط آل سعود على رقاب السعوديين بالقوّة والترهيب، وإدانته لارتباطهم بدول أجنبية مستعمرة تسعى لنهب ثروات المسلمين.

لكن وسائل الإعلام والتقارير المكتوبة أو المصوّرة، والتي يمكن عدّها مؤيدة أو مناصرة لقضية الشيخ الشهيد، لم تركّز كثيراً على مواقف الشيخ الجذرية من الكيان الصهيوني الغاصب لفلسطين، والتي نقدّر أنها ربما شكّلت السبب الرئيس وراء إقدام نظام آل سعود على اقتراف جريمة إعدام الشيخ النمر، بشكل استباقي كما سنثبت في السطور الآتية، بالاستناد إلى مواقف أو سياسات محمد بن سلمان، ولي العهد السعودي، التي تتالت وتمادت في وقاحتها في مرحلة ما بعد إعدام الشيخ الشهيد، تجاه الكيان الغاصب.

ومعروف أن الشيخ الشهيد كان من أشدّ المعارضين للاستبداد السعودي، ولتسلّط آل سعود وتبعيّتهم للأميركيين، وتآمرهم على القضية الفلسطينية.

ففي العامين الأخيرين، صدرت عن ابن سلمان ومسؤولين سعوديين مواقف وصِفت بـ«الجريئة» اتجاه الكيان الإسرائيلي، وتضمنت اعترافاً سياسياً بهذا الكيان، ولو بعنوان (حق اليهود في دولة لهم في فلسطين من منطلقات دينية وتاريخية) “1”!؛ كما ألمح هؤلاء المسؤولون إلى استعداد السعودية لإقامة علاقات «طبيعية» (وأكثر) مع «إسرائيل» في حال تجاوبت الأخيرة مع مبادرة «السلام» العربية (السعودية) التي تمّ تقديمها أثناء قمّة بيروت العربية في العام 2002، والتي قال عنها أريئيل شارون، رئيس وزراء العدو الأسبق، إنها لا تساوي الحبر الذي كُتبت به!

كما رحّب قادة سعوديون (ولو ضمناً) بأي حلف عربي ـ إسرائيلي قد ينشأ لاحقاً، بعد إحراز «تقدم» حقيقي في مسار عملية «السلام» مع الفلسطينيين، في مواجهة إيران (الشيعية) وحلفائها في المنطقة، على قاعدة أن حلف المقاومة بات عدواً مشتركاً للصهاينة وحكّام الخليج الفارسي!

ومن المستهجن أن لا تلقى مواقف محمد بن سلمان وغيره من المسؤولين السعوديين والخليجيين، والتي تنسف الثوابت العقدية والدينية والتاريخية للشعوب العربية والمسلمة في المنطقة اتجاه الكيان الإسرائيلي تحديداً، أية ردود فعل سياسية أو شعبية (وحتى نخبوية) بمستوى تلك المواقف الخيانية، والتي تهدّد واقع الأمّة ومصير شعوبها المشترك.

وهذا المشهد هو بالضبط ما كان يتوقعه أو يرسمه محمد بن سلمان، والذي سعى لتهيئة الأرضية اللازمة للمسار الذي التزم به، سواء داخل المملكة التي يتحكم بها بقبضة من جديد، أو على مستوى الإقليم والرأي العام الدولي.

وهنا يكمن سرّ استعجال بن سلمان (وليس والده الهرم والخرف) لإعدام الشيخ الشهيد نمر باقر النمر، لأن صوت الأخير كان مرتفعاً جداً، ومواقفه كانت حاسمة ومؤثّرة في الوسطين الشيعي والسنّي داخل المملكة وخارجها، برفضه لأصل وجود الكيان الغاصب لفلسطين، ودعواته المتكررة لمواجهة هذا الكيان، وإحياء مختلف المناسبات التي تؤكد على مظلومية الشعب الفلسطيني، وضرورة إسناده ودعمه بمختلف السبل من أجل تحرير أرضه ومقدّساته واستعادة حقوقه المغتصبة.

https://www.youtube.com/watch?v=zaDkGX5WLCM&feature=youtu.be

وكانت مناسبة يوم القدس العالمي، التي أعلنها قائد الثورة الإسلامية في إيران، الإمام الخميني (قده)، المحطة الأبرز في أجندة فعاليات الشهيد النمر، لإطلاق مواقفه الجريئة والمدينة لتواطؤ بعض الحكّام العرب مع الكيان المحتل لفلسطين، بموازاة مواقفه المرتبطة بقضايا سعودية داخلية، تشمل مظلومية شيعة المملكة على مختلف الصعد، والإدارة الفاسدة لحكّام المملكة، وتبعيتهم للولايات المتحدة الأميركية، والتي يسمّونها الحليف الاستراتيجي، بكلّ وقاحة وصلافة.

ومن أبرز وأهم المواقف التي أطلقها الشيخ الشهيد النمر حول قضية فلسطين، وضرورة التصدّي للعدوان الأميركي ـ الصهيوني على دول وشعوب المنطقة، وخاصة بمناسبة يوم القدس العالمي:

ـ من يوم القدس إلى أسبوع فلسطين: ليكون كلّ يوم من هذا الأسبوع مسماراً في أعين المستكبرين الإسرائيليين والطغاة في كلّ مكان، وتكثيف الجهود والطاقات لإحياء أسبوع يختص بقضية القدس ومظلومية فلسطين الأبيّة.

ـ وفّق الله المسلمين في كلّ بقاع الأرض لإحياء هذه المناسبة التي تهزّ أركان المحتلّين والمستكبرين، وأن يسعوا لحقوقهم وكرامتهم وعزّتهم وأرضهم التي سلبها المستكبر والمغتصب والظالم.

ـ لا يمكن أن تتخذ إسرائيل قرار حرب من دون إجازة أميركا. لا يمكن؛ قرارات إسرائيل في الحرب أجمعها دون استثناء، في صغيرها وكبيرها، كلّها بقرار وضوء أخضر أميركي.

ـ لأن إيران تدعم المقاومة في لبنان ضد الكيان الصهيوني، وتدعم حماس في فلسطين ضد النظام الصهيوني، وتدعم الجهاد في فلسطين ضد النظام الصهيوني؛ انظروا التهم؛ انظروا المغالطات؛ انظروا القلوب المريضة؛ انظروا النفاق؛ هذا نفاق.

ـ فلسطين هذه أرض لا بدّ أن تحرّر؛ ليس بغصن الزيتون، لأن العدو لا يفهم السلام؛ لو يفهم السلام أهلاً وسهلاً. لكنه لا يفهم إلاّ لغة الحرب.

ـ لو في فلسطين يكون الحسين قدوة يكون واقع آخر. نحن رأينا في لبنان حينما كان الحسين قدوة في الشهادة هناك؛ الشهادة وقدوة ممّن؟ بالحسين سلام الله عليه انتصر الجنوب اللبناني، بإمكانياته الضئيلة، وأعداده القليلة؛ انتصر على الجيش المدجّج بالسلاح.

ـ لماذا إيران هي العدو؟

أ ـ لأنها تدعم حزب الله الذي هزم إسرائيل، وكشف سوءة إسرائيل! لماذا؟
ب ـ لأنها تدعم حماس؛ حماس التي حرّرت غزة وأثبتت جدارتها وبكرامتها تحرّر الأرض، وليس بالاستسلام والذلّ.
ج ـ وتدعم الجهاد؛ ذلك الفصيل الأبي الذي يأبى مع قلّة العدد إلا أن يكون مقاوماً؛ هذه تهمة إيران“2”!

وعليه، ومن خلال التمعن في هذه المواقف الحاسمة والمبدئية للشيخ الشهيد، يمكن فهم الدافع الحقيقي للسلطة السعودية كي تعدم الشيخ النمر، وتتخلص من عقبة كأداء أمام المسار الخياني الجديد الذي أطلقه محمد بن سلمان بعد جريمة الإعدام، اتجاه الكيان الإسرائيلي الغاصب لفلسطين، واتجاه إيران التي تبنّت هدف تحرير كل فلسطين منذ انتصار ثورتها الإسلامية في العام 1979.

إن مراقبة ردود الفعل، داخل السعودية وخارجها، حيال المسار الخياني لابن سلمان، تؤكد أن جريمة إعدام الشيخ النمر كانت تحمل مضامين عميقة تطال الصراع القائم والمتصاعد بين محورين متقابلين: المحور الأميركي ـ الإسرائيلي ـ الخليجي المتآمر على فلسطين وشعبها تحديداً، ومحور المقاومة والممانعة المتبنّي لقضية تحرير فلسطين، مبدئياً وعملياً، كما تثبت المواجهات المفتوحة بين الدول والحركات والقوى المنخرطة في المحورين المذكورين، وعلى امتداد ساحات رئيسية في المنطقة، من اليمن إلى العراق وسوريا ولبنان وفلسطين.


*باحث لبناني، رئيس تحرير في مركز باحث للدراسات الفلسطينية والاستراتيجية.

 “1” يراجع هذا التقرير: محمد بن سلمان: الإسرائيليون لهم الحق في امتلاك أرضهم الخاصة، موقع روسيا اليوم، 2/4/2018.

وأيضاً: بن سلمان: القضية الفلسطينية ليست على رأس أولوياتنا، موقع العربي الجديد، 29/4/2018.

“2”  يُراجع موقع آية الله المجاهد الشيخ نمر باقر النمر، سلسلة كلمات آية الله النمر القصيرة: القضية الفلسطينية، 26/11/2015.

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى