مقالات

مكاتيب عراقية جوليان في السعودية

لا أحد يدري على وجه اليقين حتى اللحظة ، من هو الحائط القويّ الذي يتكىء عليه فتى الغابة المريب جوليان أسانج ، صاحب أعظم حبة صداع ، توجع رأس فلان ، وتشفي رأس فلانة وتحيّر رأس علّان . عملٌ ضخمُ ينفي فرديتهُ التي صوّرتْهُ كما لو أنه جهاز لابتوب بسيط يجلس خلفه شاب ملامحه تشير الى أنه يحب أمه كثيراً ، ويمطر على الكرة الأرضية قصصاً وحكايات موثقات ومصورات ومؤرشفات ، ما كان بمستطاع أعتى أجهزة العسس في الكون أن تحصل عليها وتبثها بمثل هذا اليسر المبين . نتاج شاشة ويكيليكس العملاقة ، يشير الى أنّ الفتى الوسيم جوليان ليس فرداً ولا مؤسسة ولا دولة ولا مبنى في شارعٍ خلفيّ . خطورته وريبته تكمن في أنّ مضارهُ وفوائده وأحزانه ومباهجه ، كانت وستظلّ مقصورة على الناس العائشة في خريطة الشرق التعيس . هزة ريخترية خفيفة من جوليان الذي كبر وصار وجهه وجه حكيم ، بمقدورها أن تلعب بدولةٍ ، كرة قدم تنتهي نتيجتها المروعة عشرة صفر .

أنباء وبلبلات أسانج يتمّ تداولها وتبادلها فوق غابة الفيسبوك أزيد مما تُتداول على الشاشات والجرائد ، وكلّ فئة من المروّجين سعيدة بكشّاف الولد المضيء ، حسب قربه أو بعدهِ من حائطها المقدس العالي . في العراق المريض بلاد ما بين القهرين مثلاً ، تعاملتْ الرعية مع رقصة جوليان أسانج الجديدة على أنها فرحة شيعية حيث لكمة الولد القوية قد انزرعت فوق رأس السعودية الدائخ اليوم بمعمعة اليمن الحزين ، وسيتمّ التعامل مع الواقعة الطيبة ، على أنها فرحة سنّية لو كانت الركلة قد وقعت على مؤخرة إيران .

برأينا وبقراءتنا وبظنّنا الذي يقترب من اليقين ، أنّ أخطر ما في الهزة الويكيليكسية الطازجة هو أن الحكومات والأفراد الذين يشتغلون بالتخادم ، قد اكتسبوا خبرةً وتقنيةً فنيةً مبدعةً في عملية تزوير بعض من وثائق الولد المشاكس ، وجعلها مريحة لها ، وتصيب الخصم بمقتل ، ومن ثمّ كشف التزوير والتصنيع على دكة الفرجة ، من أجل تكوين رأيٍ هام لدى الناس يعتقد ويؤمن بالتشكيك بما تبقى من تلك المسرودات التي ستفقد صدقيتها او تقع بباب الشبهة على أقلّ حصاد . ربما سينتقل البطل لاحقاً إلى خلق فتنةٍ بين باجة قدّوري وباجة ابن طوبان ، وبين زرزور الفلوجة وكباب حجّي حسين ، وبين طرشي حنانش وطرشي النجف ، وبين دهين أبي علي وزنود أبي عفيف ، وأيضاً بين لبن أربيل المدخّن ولبن فوزي الصاغ ، من أجل تعميق الهوة الكبرى بين المركز والإقليم ، توطئةً لتدمير حكومة الَّلحمة البلدية المائعة .

ثمّ ما رأيكم لو صحّت نبوءتي البائدة بأنّ المشهد كله هو جزء من حلبة مصارعة حرة غير مقيدة بين الدبّ الروسيّ الفازّ الذي استعاد وعيهُ وعافيتهُ ، وبين الكاوبوي الأمريكي الأرعن الذي صار ثوراً هائجاً لا يدري أين ستكون رفْسَتهُ الأخيرة ؟

شخصياً ، أنتظر بشغفٍ وبلذة وبأملٍ مثل حلمٍ عزيز ، أن تتكحل عينايَ بمرأى قائمةٍ جوليانية مشعّة ساخنة ، تلبط فوقها أسماء أدباء وفنانين وكَتَبة من صنف ردن ونصف ردن ، تمّ تجفيف ضمائرهم بقوة الدولار والتومان والريال والدرهم والدينار واليورو والاسترليني ، وأثاث المعدة التي جافتْ من مبيت وتخمّر لحم الطير والمسكوف والهرفيّ ، فسكتوا عن الحقّ وناموا على مخدة الذلّ والمهانة ، فكانوا من الخاسرين الفاسدين الذين عاونوا الغزاة وحثالتهم حتى تشاركوا معهم في حوبة دماء الفقراء وخبزهم الشحيح .

صحيفة الزمان 

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى