تقارير

رهانات وسياسات كارثية إنها الحرب.. الى الجحيم سرْ!

” الرياض هي التي لم تقرأ خارطة اليمن جيداً، وهي التي لم تكيّف نفسها مع المتغيرات السياسية والاجتماعية فيه، وهي التي لم تتعامل مع القوى السياسية الناشئة بالصورة الفضلى، بل عمدت الى استعدائها، وشنّ الحرب عليها، ولم تقبل بأيّ تفاهم معها. باختصار.. فإن الرياض هي من ضيّقت الخيار على ذاتها، بعد عقود من الأخطاء المتكررة والقاتلة، فكان من الطبيعي ان لا يكون أمامها سوى خيارين أحلاهما مرّ.”

هل كانت الرياض مضطرة لخوض الحرب؟ ألم يكن هناك خيار آخر غيرها؟

يقول الأمراء بأن الحرب (كُتِبَت عليهم)؛ وينظّر آخرون من كتاب موالين، بأنه لم يكن هناك من مفرّ منها، لأسباب عديدة: أولها، أن التغيير في اليمن بسيطرة تنظيم (أنصار الله) يعني تحولاً استراتيجياً في وضع اليمن، وفي مكانة المملكة ونفوذها فيه. وثانيها، أن اليمن تمثل العمق الإستراتيجي للسعودية، وضمن صراع النفوذ في منطقة الشرق الأوسط، لا تستطيع الرياض تحمّل خسارتها، لما يشكّل ذلك من خطر على أمنها القومي. وثالثها، إن خياراً غير الحرب، كأن يُترك اليمن وشأنه، مع إغلاق الحدود السعودية اليمنية، لا يغيّر من أثر الخسارة الكبيرة، بل قد يعجّل بها، أي بسيطرة من تراهم الرياض أعداءً لها على الوضع السياسي كاملاً في اليمن.

إذن ـ من وجهة نظرهم ـ لم يبقَ أمام الرياض سوى الحرب، فدخلتها مضطّرة.

الصحفي طراد العمري، قال أن المملكة كانت بين خيارين: إما التدخل العسكري المباشر وتغيير المعادلة السياسية اليمنية بالقوّة، أو إغلاق حدودها مع اليمن، ومنع انتشار النار إلى حدودها ما أمكن. وكان من رأيه، التدخل. كان هذا أيضاً رأي خريج السوربون، عضو مجلس الشورى سابقا، فهد العرابي الحارثي، الذي افتتح هاشتاقين على موقعه في تويتر قبيل ساعات من إعلان الرياض حربها على اليمن: (إنها الحرب/ وصفعاً على الأنوف). ومن وجهة نظره، فإنه لا بدّ من عملٍ عسكري في اليمن، ولا يوجد خيار آخر، وإلاّ خسرت الرياض مكانتها، وتهدد أمنها القومي، وتمددت إيران فخنقتها. لا بد من الحرب، ولا بدّ من صفعها على الأنف!
حقاً.. لم يكن أمام الرياض من خيار سوى أهون الشرّين: القبول بالأمر الواقع، مع محاولة التأثير على الصراع السياسي في اليمن من بعيد بغض النظر عن النتائج؛ وإمّا الدخول في الحرب مهما كانت النتائج قاسية، بل قد تكون أشدّ قسوة، في حال الهزيمة.

مهلاً.. هذا ليس دقيقاً تماماً.

لم يكن العدوان السعودي على اليمن إلا (نتيجة) لأخطاء سياسية سعودية متراكمة، بحق اليمن وأهله، وبحق من ناصبتهم الرياض العداء.

الرياض هي من اختارت خصومها وحددتهم، دون أن يكون للخصوم سوى ردّ الحجر من حيث جاء.

والرياض هي من اختارت أنصارها وعيّنتهم بشكل دقيق ودعمتهم، ورسمت لهم حدود حركتهم السياسية، فجعلتهم أسرى لرأيها، ونسخة منها، وبضاعة قابلة للبيع والشراء، كما كانت تفعل بهم.

الرياض التي سيطرت على كل شؤون اليمن، لنحو أربعة عقود، دون أن ينافسها فيه أحد.. هي من لم تستطع الحفاظ على نفوذها فيه، وهي التي أخطأت في سياستها تجاهه. لم يجبرها أحد ـ بفعل منافسة أو جبرٍ ـ أن تفرّط في نفوذها عبر سياسات خاطئة. لم يدفعها أحد لأن تستعدي قومه، أن تقتل رؤساءه وتعيّنهم، أن تستهين بكرامة اليمنيين، أن تمنع تأهيل اليمن ليكون دولة بدون تدخلها مستقلا ولو بقدر ما، ليكون جزءً من مجالها الحيوي (فعلاً). هي من لم تقبل ان يكون اليمن جزءً من مجلس التعاون.

الرياض هي التي لم تقرأ خارطة اليمن جيداً، وهي التي لم تكيّف نفسها مع المتغيرات السياسية والاجتماعية فيه، وهي التي لم تتعامل مع القوى السياسية الناشئة بالصورة الفضلى، بل عمدت الى استعدائها، وشنّ الحرب عليها، ولم تقبل بأيّ تفاهم معها.
باختصار.. فإن الرياض هي من ضيّقت الخيار على ذاتها، بعد عقود من الأخطاء المتكررة والقاتلة، فكان من الطبيعي ان لا يكون أمامها سوى خيارين أحلاهما مرّ.

قبل إعلان الحرب بأسابيع قليلة، كان وفد الحوثيين في شهر يناير الماضي، قد حطّ رحاله في الرياض، راجياً التفاهم، متحمّلا في الوقت نفسه إرث الحرب السعودية عام 2009، وعداء الرياض منذ أن بزغ نجمهم. كان بإمكان الرياض وبسهولة ـ لو كانت تقرأ من خارطة سياسية صحيحة ـ أن تصل الى تفاهم معهم، إذ في الأساس: لمَ العداء لأنصار الله؟ لمَ الإصرار على أنهم عملاء ولا يمكن القبول بهم كلاعب أساسي من بين لاعبين آخرين؟ الرياض، وباستعلاء مقيت، رفضت التهدئة، والنقاش العقلاني، فأضاعت واحدة من الفرص (او لنقل الخيارات)، وما أكثر ما أضاعت.

بديهي والحال هذه، أن تتقلّص خيارات الرياض على الأرض، وتفشل مشاريعها السياسية.

كيف يمكن لدولة تتحكم في اليمن لأربعة عقود، فتتيه بوصلتها وتضع أكبر ثلاث قوى سياسية في خانة العدو؟. انصار الله والتجمع اليمني للإصلاح وُضعا ضمن قائمة الإرهاب السعودية. وحزب المؤتمر التابع لعلي صالح، الذي حكمت السعودية باسمه لاكثر من ثلاثة عقود، وهو أقوى قوة سياسية مدنية، صار أيضاً عدواً بنظر الرياض. وآل الأحمر، شيوخ حاشد، لم تكن الرياض راضية عنهم في السنوات الأخيرة، لميولهم الإخوانية، وقد كُسر عمودهم الفقري، الذي هو العمود الفقري للرياض نفسها، فلم تبالي الأخيرة، وأصبح حميد الأحمر طريداً لديها، ثم لحق به اللواء محسن الأحمر، الذي شنّ ستة حروب ضد أنصار الله في صعدة، وقد هُزم ايضاً وذهب الى الرياض، فانفرط عقد القبائل، الذي كان منتظماً لصالح الرياض لعقود.

اذن لم يُجرم أحدٌ بحق الرياض، بل هي التي أجرمت بحق نفسها. هي من أضاعت نفوذها يوم لم يكن لأحد نفوذٌ يضاهيها. هي التي لم تستكفِ بالنفوذ السياسي، وأصرّت على تحويل اليمن الى محمية (وهابية) فاستفزّت أعماق الزيديين والصوفيين وكل من لم يجد في الوهابية إلا أداة تمزيق للمجتمع اليمني ونشر الكراهية فيه. الرياض هي من سلّحت وموّلت جامعات وهابية ـ عسكرية! في دمّاج وكتاف وغيرها.

الرياض ـ أيها القرّاء ـ هي مَن أضاع فرصته التاريخية، وألقى باللائمة على آخرين من وراء الحدود، ثم عمدت الى تحويل الصراع مع يمنيين أصليين وقوى يمنية فاعلة الى صراع مذهبي طائفي.

وهكذا، ليس مستغرباً ان تكون الرياض في اللحظات الأخيرة بلا خيارات كثيرة، وبلا مساحة أو هامش واسع للمناورة، وبلا رؤية مستقبلية أو مراجعة لسياستها الخرقاء.

حين جاءت الثورة اليمنية، احتوتها الرياض بمبادرتها (الخليجية!)، وأرادت إعادة انتاج النظام القديم، دون أن تسمح للقوى الجديدة الحيّة أن تلعب دوراً فاعلاً في السيستم الجديد. هي من هندس نظام المحافظات الأخرق فاستفزت الخصوم؛ وهي من راهن على رجال النظام القديم بكل أخطائهم. ثم لمّا حانت ساعة الحقيقة، وزحف الثوار الى صنعاء، لم تكن لديها الأدوات لمواجهتهم، بعد أن استعدت الجميع، شخصيات وقوى سياسية وقبائل وحتى مشاعر المواطن اليمني العادي.

ومع هذا، وفي اللحظات الأخيرة، كان هناك إمكانية للإستدارة، لكن الرياض أصرّت على المواجهة، فأمرت الرئيس هادي أن يستقيل هو ورئيس وزرائه ففعلا، بغية منها تأكيد الفراغ السياسي، مترادفاً مع إعطاب الحوار السياسي الذي كان يجريه جمال بن عمر، فتمّ تخريبه وتأجيله مرارا. ثم حاولت ان تضع عدن مقابل صنعاء، فهرّبت هادي، وألحقته بوزير الدفاع الصبيحي، ونقلت سفارتها وشقيقاتها الخليجيات ومعها مصر والباكستان الى عدن، وحرّكت المشاعر والأدوات لتفجير المساجد فقتل وجرح المئات في صنعاء.. الى أن حلّ الطوفان، ووصل الى عدن، فحزم الخليجيون والسعوديون أمتعتهم الى غير رجعة.
بعضهم أُخلي بالطائرات، والبعض الآخر بالبوارج الحربية!

وأما هادي، الرئيس المستقيل الذي عاد عن استقالته بعد أن وصل الى عدن، فتمّ تهريبه الى سلطنة عمان، ومنها الى الرياض، ليُعلن الأمراء بإسمه، وبمزاعم شرعيته، الحرب على أنصار الله، وعلى الجيش اليمني، وعلى العملية السياسية والحوار الذي انقطع في موفمبيك، وعلى البنية التحتية لليمن، وعلى المدنيين اليمنيين.
وهكذا لم يبق لدى الرياض التي فاتتها المراجعة والتفكير السوي، غير خيار الحرب، انتقاماً للذات المجروحة!

ومع هذا يصرّ الأمراء الذين أعلنوا حربهم على اليمن شعباً وجيشاً وقوى سياسية، أنها (حرب دفاعية) مشروعة!

مع أنها حرب من طرف واحد حتى كتابة هذه السطور!

حسابات الرياض كانت ساذجة بل مفرطة في سذاجتها:

نحن الأقوى عسكرياً، والحوثيون هم الأضعف!

معنا أمريكا وعشر دول أخرى! ومن ورائهم طوابير أخرى، فيما الحوثي لا حليف له قادر على الصمود.

لدينا الغطاء السياسي الأمريكي الغربي، والعربي ـ وان كان تافهاً ـ لشنّ الحرب!

لدينا فائض من المال لشراء ولاء القبائل اليمنية واستعادتها وتأهيلها للحرب معنا على الأرض!

الطبقة السياسية اليمنية المهزومة الموالية لنا، يمكن إعادة تلميعها وتجميعها بالوفرة المالية!

الرأي العام العربي والاسلامي سيكون معنا، ونستطيع تجييشه على أسس عنصرية ومذهبية!

الإعلام بيدنا، لدينا 705 محطات فضائية مملوكة او موالية، فماذا لدى الآخر.

في أسوأ الظروف، نستطيع ان نشتري مقاتلين أو مرتزقة، من الباكستان أو مصر أو غيرها، أو حتى يمنيين، ليخوضوا عنّا الحرب البرية!

وبيدنا ورقة القاعدة في اليمن، ونستطيع استخدامها إن تطلّب الأمر.

كانت هذه ـ في معظمها او كلّها ـ رهانات خاطئة، او كانت مقاربتها وقراءتها خاطئة.

كل المقاربة السعودية في الحرب نابعة من تضخيم الذات، وتسخيف قوة الخصم، رغم وجود تجربة 2009، حيث هزم الحوثيون المحاصرون في محافظة صعدة الجيشين السعودي واليمني معاً، فكيف بهم الآن.

سنقرأ في مقالات أخرى في هذا العدد، كيف قادت السياسة الرعناء الأمراء، ليس الى الحرب فحسب، وليس الى خسارة معظم النفوذ في اليمن، بل وأيضاً الى خسارة الحرب نفسها على كافة الأصعدة السياسية والإعلامية والعسكرية والنفسية.

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى