مقالات

الرؤية الاقتصادية

تصنف جنوب إفريقيا من أكثر الدول نموا في العالم، فمنذ عام 1980، إلى عام 2010 تضاعف متوسط دخل الفرد فيها مرتين ونصفا، ونما معدل الإنتاج القومي بما يقارب أربع مرات ونصف مرة، علما أن اقتصاد جنوب إفريقيا يتنوع بين الثروات الطبيعية والزراعة والصناعة والخدمات، ويسهم كل من القطاع الصناعي والخدمي بما يقارب 60 في المائة من الناتج القومي. هذه التنمية شملت جميع جوانب الاقتصاد والمجتمع، فقد رافق هذا النمو تحسن كبير في الخدمات الصحية والتعليمية، كما انعكس هذا التطور على القانون والتمثيل الشعبي ومعالجة المشكلة العنصرية المعروفة.

المهم بالنسبة لنا ليس ما وصلت إليه جنوب إفريقيا من نمو وتطور، المهم هو كيف وصلت إلى هذه النتائج المبهرة؟ ما البرامج التي وضعتها الحكومة هناك وجعلتها قادرة على تحقيق هذا الإنجاز على أرض الواقع؟ ما النظام الرقابي الذي قيد عملية النمو هذه وجعل منها أمرا ممكنا، كل هذه الأسئلة مهمة لمعرفة القصة الحقيقية لجنوب إفريقيا.

أما الأهم من هذا وذاك هو تقييمنا لما وصلنا إليه نحن في المملكة، الأهم أن نقف مع أنفسنا كمسؤولين ومواطنين وقفة تأمل، وقفة حساب، وقفة صدق مع أنفسنا، ولنقيم وضعنا الاقتصادي والاجتماعي، فلنقيم وضع الخدمات الصحية والتعليمية، فلنقيم مستوى البطالة وأزمة الإسكان، ولنقارن كل ما وصلنا إليه اليوم من نجاحات وإخفاقات بالخطط التي وضعناها قبل 30 عاما، ما الذي تحقق منها؟ وما الذي لم يتحقق؟ ما العوائق التي أعاقت تقدمنا؟ وما الأمور التي ساعدتنا على تحقيق النجاحات؟ بمعنى آخر، نحتاج إلى جردة حساب صادقة وطويلة.

وبعد هذه الوقفة نحتاج إلى أن ننظر لمستقبلنا بالواقعية نفسها والإصرار على النجاح، إن هناك أربع مشكلات ملحة في المملكة، ودون إيجاد حل ناجع يستند إلى برامج واقعية تنبع من إطار قانوني واقتصادي إصلاحي، ومن دون تغيير منهجيتنا كحكومة وكمجتمع في النظر إلى هذه المشكلات، لن نستطيع أن نخطو خطوات كبيرة تستحق عناء العمل والصبر لتحقيق إنجازات تستحقها هذه الأرض. إن حلول مشكلة السكن ومشكلة البطالة، مع كل الجهود المبذولة لحل هاتين المشكلتين، ما زالت أصغر، كما وكيفا منهما، أما القسم الثاني فيتعلق بالتنمية الاقتصادية والبشرية، فنظام التعليم يعاني مشكلات فنية واستيعابية في مراحله كافة، وكذلك الخدمات الصحية، فمع ما يرصد للخدمات الصحية من ميزانيات ضخمة، لا نجد الأثر المتوقع لها على الأرض، فلا بد للفاحص المخلص لهذا البلد أن يمعن النظر أكثر في هذه المشكلات الملحة.

بطبيعة الحال ليس من واجب الكاتب أن يضع الحلول للمشكلات التي يبينها ويسلط الضوء عليها، ولكنني أجد أن هذه المشكلات عولجت علاجات ناجعة ومذهلة في بلدان نامية كثيرة لا تتمتع بنصف ما تتمتع به المملكة من قوة اقتصادية وانفتاح على العالم، فهل نستطيع استقراء هذه التجارب يا ترى؟ أتمنى أن يسأل كل وزير نفسه هذا السؤال: كيف ستكون المملكة بعد 50 عاما؟

ميثم الجشي

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى