مقالات

عن نمطية العقل السعودي تجاه رؤساء أميركا

علي مراد

في غمرة الأرقام والعقود المالية والاستثمارت التي يتمّ الإعلان عنها في واشنطن خلال الزيارة الحالية لولي العهد السعودي، يبرز سؤال جوهري يجب الإجابة عليه. هل أنّ الثروة والجهود التي يبذلها النظام السعودي في سبيل الأمريكي واقتصاده كفيلة بترسيخ علاقة آمنة مستدامة للرياض مع واشنطن؟ لعلّ شواهد من تاريخ العلاقات السعودية الأمريكية كفيلة بالإجابة على هذا التساؤل، على الرغم من كلّ الإيحاءات والادعاءات بأن هناك فكرًا جديدًا تبلور في العائلة السعودية الحاكمة، يمثّله اليوم محمد بن سلمان.

“هذا مكسرات بالنسبة لك”، قال ترامب يوم الثلاثاء الماضي، مخاطبًا ابن سلمان، وهو يلوّح بلافتات تُظهر تفاصيل صفقات الأسلحة الأمريكية وقيمة كلّ واحدة منها. قيل إن ولي العهد السعودي شعر بالإحراج حينها، على الرغم من أنه ضحك وأخذ يلوّح برأسه وعيناه غارتا في وجهه. هذا المشهد الذي لا يحتاج الى الكثير من التحليل، فسّر دون تكلّف ما يريده ترامب من ابن سلمان، عندما

استخدم مصطلح “إعادة” المليارات إلى أميركا. نعم، ترامب يعتبر أن أموال ولي عهد السعودية مُلكًا للأمريكيين. يريد ترامب أن تُترجَم واقعًا جميع هذه الأرقام الكبيرة في ادعائه أنه “أعظم رئيس أمَّن وظائف” في التاريخ الأمريكي. في المقابل يريد ابن سلمان أن تتراجع واشنطن بشكل حاسم عن بقايا محاولة باراك أوباما خلق ما يمكن اعتباره توازنًا في السياسة الخارجية الأمريكية بين السعوديين وإيران في الشرق الأوسط.

في تاريخ علاقات الرياض – واشنطن محطّات تشبه في تفاصيلها بعضًا من فصول ما نشهده اليوم بين ترامب وابن سلمان، مع بعض الفروق في الشكل والحجم والإخراج. المكسّرات التي تحدّث عنها ترامب في حديثه لابن سلمان – عندما أراد التعبير عن صِغَر قيمة المليارات التي سيدفعها الأخير – كانت مجال تجارة الرئيس الأمريكي الأسبق “جيمي كارتر” الخاصة قبل دخوله البيت الأبيض وأثناء فترته الرئاسية وبعدها. خلال حملته الرئاسية عام 1976، كان ينقص كارتر التمويل لتجارته، فاقترض مبلغ 1.15 مليون دولار من “مصرف جورجيا الوطني” لشراء الفول السوداني، مع عدم وجود حبّة فول واحدة في المخازن لتأمين القرض 1.

بحلول بداية أيلول/سبتمبر 1977، كانت شركة كارتر متعثّرة بمبلغ 410.000 دولار. كان الرئيس كارتر يعرف بعض المقرّبين من فهد بن عبد العزيز – ولي العهد السعودي آنذاك – ومنهم “كمال أدهم” رئيس الاستخبارات العامة السعودية ورجل الأعمال السعودي “غيث فرعون”. الأخير كان قد اشترى “مصرف جورجيا الوطني”. وفقًا لتحقيق 2 نشره الصحافي الأمريكي “جاك أندرسون” في صحيفة “واشنطن بوست” عام 1980، أجرى عضو اللجنة القضائية في مجلس الشيوخ آنذاك السناتور “أورينهاتش” تحقيقًا خاصًا حول قروض كارتر من “مصرف جورجيا الوطني”، وفي قصته يقتبس أندرسون من مذكرة سرية تحقيقية للسناتور هاتش: “الافتراض في الدوائر المالية هو أن فرعون تصرف لصالح العائلة المالكة السعودية في شراء مصرف جورجيا الوطني، وكان أكبر مقترض للبنك هو جيمي كارتر. وهكذا وجد رئيس الولايات المتحدة نفسه في مأزق عميق لمموّل سعودي لديه علاقات وثيقة مع ا لعائلة المالكة السعودية”. التزم السعوديون الصمت فيما يتعلق بتعثّر كارتر في سداد قروضه، ووفقًا لمذكرة في ملفات تحقيق هاتش، قام المصرف بإعادة التفاوض على شروط سداد كارتر لقروضه ونتج عن ذلك حصول عائلته على مبالغ بعشرات آلاف الدولارات كأرباح في بداية الثمانينات.

كان السعوديون خلال ولاية كارتر يطالبون بالحصول على صفقة طائرات F-15، وصفقة أخرى يحصلون بموجبها على 5 طائرات للانذار المبكر المسماة “أواكس”. يقول السفير السعودي الأسبق في الولايات المتحدة بندر بن سلطان في كتابه “الامير”3، أن كارتر كان يتذرّع – لعدم تلبية المطالب السعودية سالفة الذكر – بأن الموافقة يجب أن تأتي من أعضاء الكونغرس، والمشكلة – بحسب بندر – كانت أن اللوبي الصهيوني يسيطر على قرارهم. رحل كارتر من السلطة عام 1981 ودخل الجمهوري ريغان الى البيت الأبيض، وما يخفيه ولا يتحدث عنه بندر في كتابه هو أن اللوبي الصهيوني (بالتحديد منظمة آيباك) مارس ضغوطًا خفية 4 على أعضاء الكونغرس لتمرير صفقة الـ “أواكس” للسعودية عام 1981، وليس كما يدّعي بأن تهديده بسحب أصول سعودية بقيمة 200 مليون دولار من مصرف اليهودي “ديفيد روكفيلر” هي التي ضمنت موافقة أعضاء الكونغرس على الصفقة. لاحقًا بنى ابن سلطان علاقة مباشرة مع عائلة بوش الأب ولاحقًا الإبن، وبينهما آل كلنتون الذين حصلوا على عشرات ملايين الدولارات السعودية كـ “تبرعات” لمؤسستهم الخيرية The Clinton Foundation.

لم يتخلَ آل سعود (أيًّا كان الحاكم) عن أسلوب تركيزهم على بناء علاقات مباشرة مع الرؤساء الأمريكيين، وفق عقلية تؤمن بتسهيل المهمة على أنفسهم عبر التوجّه للرأس وإهمال نسج العلاقات مع الجسد والقاعدة. هذه العقلية عرّضتهم للابتزاز والدفع على الدوام، وكمثال على ذلك، ثناء السيناتور “أورين هاتش” بنفسه قبل أشهر (الذي حقّق بحصول كارتر على رشوة من السعوديين) على أداء ترامب وسعيه لبناء علاقة مميزة واستثنائية مع محمد بن سلمان. منذ روزفلت عام 1945 ولقائه الشهير بعبد العزيز، مرورًا بنجله سعود مع الرئيس آيزنهاور، وفيصل وعلاقته المباشرة مع ليندون جونسون ولاحقًا نيكسون، الى فهد وعلاقته المباشرة مع كارتر وريغان، الى عبد الله وبوش الابن، واليوم ابن سلمان وعلاقته المباشرة مع آل ترامب، تاريخ يدفع المراقبين والمتابعين الى فهم نمطية التفكير السعودي الرسمي وفهم مقاربته لكيفية الحصول على ما يريد من الأمريكيين.

مساء الجمعة الماضي، نظّمت السفارة السعودية في واشنطن حفل عشاء أطلقت عليه اسم “العشاء السنوي الأول للشراكة السعودية الأمريكية”. دُعي الى العشاء أعضاء كونغرس ومسؤولون حاليون وسابقون في الإدارات الأمريكية، وقد تحدّث محمد بن سلمان خلال الحفل شارحًا للحضور عن رؤيته المسماة 2030. لكن ابن سلمان حرِص على إحضار بندر بن سلطان معه الى الحفل، وإعطائه فرصة التحدث للحضور وتذكيرهم بأمجاده وعلاقاته معهم عندما كان سفيرًا للرياض في واشنطن لأكثر من 22 سنة.

يمكن تفسير سبب إحضار بندر العجوز المريض الى الحفل من باب ايحاء ابن سلمان بأنه بصدد تكرار تجربة ابن عمّه من جديد، ونسج علاقات قوية مع إدارة ترامب وربما إدارات لاحقة، سيتصدّر صورتها هذه المرة شقيقه وممثّله في واشنطن خالد، الذي سوّق لنفسه عشية بدء زيارة شقيقه عندما استضافته شبكة CNN وأعطى مقابلات صحافية لأكثر من وسيلة إعلامية أمريكية. لكن يبقى السؤال هو نفسه: هل أن الإصرار على التوجّه الى رؤساء أميركا ورشوتهم بالعقود والمبالغ والبزنس كفيل ببناء علاقة مستدامة طويلة الأمد بين واشنطن والرياض؟ الجواب ليس صعبًا، لكن حكمًا سيصبح من السهل معرفته عندما يتم تحديد مصير ترامب في هذه الولاية (إن أكملها) أو في الانتخابات القادمة عام 2020، وسنعود لكتابة مقالات أخرى مماثلة لنسأل السؤال عينه.

 

العهد 

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى