شهداء الصلاةمقالات

محاولات التقسيم… فتش عن المحرضين

واهمٌ ومضلَّلٌ أو مضلِّل، كل من يعتقد أن الأعمال الإرهابية التي يمارسها تنظيم «داعش»، تهدف إلى إبادة الشيعة.

قادة «داعش» ليسوا سذجاً، هم يعرفون تماماً أن إبادة الشيعة، غاية لا يمكن إدراكها. إنهم يستخدمون التحريض الطائفي المنظم لتجنيد الأتباع من ناحية، ولتهيئة التربة الاجتماعية الملائمة للقبول بأعمالهم الإجرامية، من ناحية أخرى. أما الهدف فهو تنفيذ مشروعهم الضخم لإقامة ما يسمى بـ «دولة الخلافة».

«داعش» الآن تمتلك حيزاً جغرافياً ليس بالصغير، اقتطعته من لحم الدولة الوطنية الحي، في كل من سورية والعراق، وحتى ليبيا التي لا يوجد بها شيعة من الأساس! وفي السعودية تسعى «داعش»، وبنفس الأساليب، لاقتطاع ما يمكنها اقتطاعه من مساحة الوطن، لكي تقيم دولتها على ترابه.

القصة تبدأ بالخطوة الأولى دائماً: التحريض الجنوني ضد الشيعة أو المسيحيين كما هو واضح في الحالة المصرية، ثم تنتقل الخطة إلى مرحلتها الثانية، حيث يتم استهداف رجال الشرطة تمهيداً لخلق حالة من الفراغ الأمني.

وهو ما يحدث عادة بعد تهيئة المجتمع نفسياً وعاطفياً وغرائزياً عن طريق الشحن المسعور الذي يستخدم كل الوسائل المتاحة، من فضائيات وصحف ووسائل التواصل الاجتماعي.

أما الخطوة الثالثة والأخيرة فتتلخص في إشاعة الفوضى لتعميق حالة الفراغ الأمني، ومن ثم الانقضاض المباشر لملء هذا الفراغ. وهو ما يتم عن طريق مهاجمة الخاصرة الأكثر رخاوة في كل بلد، دائماً. المسألة ليست لها علاقة بإيران كما يروّج بعض هواة دفن الرؤوس في الرمال. صحيح أن إيران ستستفيد من مخططات التقسيم لتكسب مناطق نفوذ أكبر، لكن المخطط لا يمت إليها بصلة، لأنه يجسد الحلم أو الغاية التي نادى بها الإسلام السياسي السني منذ ظهوره: تقويض الدولة الوطنية لصالح مشروع «الخلافة الإسلامية». وهو ما ستجد له جذوراً ضاربة في العمق، في كتابات وتنظيرات بل وأدبيات (الجماعة – الجماعات) منذ حسن البنا مروراً بسيد قطب، ثم عبدالله عزام وأسامة بن لادن، وانتهاءً بالزرقاوي والبغدادي والجولاني.

إنني عندما أنفي التهمة عن إيران رغم أنها أحد الأطراف المستفيدة، فإنني لا أدافع عنها هي، وإنما أدافع عن وطني الذي بات مستهدفاً بشكل مباشر من المشروع المسمى بـ «دولة الخلافة».

الآن اتضحت الصورة لكل من كان لديه عينان ولكل من قرّر أن يستخدمهما. وأية محاولة لصرف النظر عن مصدر الخطر الحقيقي، حيث دأب المحرّضون على تصوير الأمر بوصفه جزءًا مما يسمونه بالصراع التاريخي بين السنة والشيعة، هي في واقعها مشاركة فعلية في الجريمة التي تستهدف تفتيت الوطن. بل لعلي سأكون أكثر دقةً، لو قلت إنها صناعة متكاملة للأجواء التي تفرز الجرائم الإرهابية بشكل تلقائي.

إن حديث بعض الوعاظ، وبعض أعضاء هيئة التدريس في الكليات الإسلامية، وبعض الكتاب والإعلاميين، بل وبعض الفضائيات الطائفية التي تستخدم بعض الشخصيات السعودية الدينية المعروفة، للتحريض على الشيعة… إن كل ذلك كان جزءًا من تهيئة مسرح الجريمة. إنهم يعدون لتنفيذ مخططهم منذ سنوات، في غفلةٍ من الجميع، فهل وصلت الرسالة الآن؟ وهل سيعلم الجميع أنهم مستهدفون في وطنهم وأمنهم ووحدة أراضيهم؟

يقول المثل العربي «رب ضارة نافعة». ومع احترامي وإجلالي وانحنائي بكل تواضع، أمام دماء الشهداء، فقد يكون هناك خيرٌ فيما حدث. المهم هو ألا نفوت الفرصة على أنفسنا، فالمجتمع اليوم مهيّأٌ للقبول بالضرب بيد من حديد على يد كل المحرّضين. وما لم يتم استثمار ذلك الشعور الجمعي في الحال، فإن القادم سيكون أصعب وأخطر بكثير. إنني كنت ولا أزال على يقين، بأن ما هيّأ التربة الملائمة لظهور النبت الشيطاني المدعو «داعش»، هو الإصرار على الربط بين ما هو ديني، وبالتحديد ما هو مذهبي، وبين ما هو سياسي. وما لم يتم فك هذا الارتباط، فإن «داعش» ستكون مرشّحةً لتحقيق مزيدٍ من المكاسب في كل مكان، بما في ذلك وطننا.

إن تصنيف التحريض المذهبي ضمن خانة الرأي، هو الخطر الحقيقي. فالتحريض والمحرضون، هم قادة المشروع. أما الإرهابيون فهم أدواتٌ فقدت الإرادة والعقل بعد أن تم تنويمها مغناطيسياً. العمليات الإرهابية في حد ذاتها لا تشكل خطراً على وحدة أي دولة وطنية، خصوصاً إذا كانت هذه الدولة تمتلك أجهزةً أمنيةً في مستوى كفاءة أجهزتنا الأمنية. العمليات الإرهابية من الوارد حدوثها في أي مكان، وهي ليست مبرراً كافياً أو حتى مقنعاً، لاستشعار خطر تفتيت الوطن. ما يجعلني أستشعر الخطر فعلاً هو استمرار المحرّضين في بث سمومهم، مستخدمين كل ما هو متاحٌ لهم من منابر إعلامية، على الرغم من كل ما حدث! التحريض هو أب الإرهاب. والإرهاب اليوم لم يعد مجرد وسيلة غاضبة للتعبير عن أفكار غارقة في العدوانية. الإرهاب اليوم أصبح وسيلةً لتفتيت الدولة الوطنية لصالح مشروع الخلافة المزعومة. التحريض هو الأساس.

أنس زاهد
الوسط 

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى