النشرةمقالاتوما قتلوه

الشهيد الشيخ النمر رمز الدفاع عن القيم الانسانية

عاش الشهيد الشيخ النمر حياة بسيطة زاهداً أمام مادياتها وقبال ذلك كان شديداً وشجاعاً عندما يتعلق الأمر بالمبادىء والقيم. فكان يقول كلمة الحق عندما يسكت الاخرون, يقولها وإن كان ذلك سبباً في وقوع الأذى عليه،،،

مالك السعيد

كل ما تبناه الشهيد النمر من مواقف وآراء سياسية كان نابعاً من منطلق القيم والمبادىء وكانت تشكل الميزان الأول للشهيد والتي يعرض عليها كل القضايا ليتم تشخصيها وتقييمها. وبالرغم من آرائه الوسطية تجاه المعتقلين من مختلف الطوائف إلا أن الحكومة السعودية اتهمته بالطائفية ناكرة حقيقة مواقفه المبدئية. مع أن الشهيد كان واضحاً في رؤيته ومنهجه وقد قالها بكل صراحة وشفافية ونطق بها حرفياً أنه لايوجد لديه مشكلة بتاتاً في أن يحكمه حاكم سني ومشكلته مع الظلم فقط. وقد قالها أكثر من مرة أن المظلومين من الشيعة والمظلومين من السنة يجب عليهم ان يتعاونوا وينصروا بعضهم بعضاً، كما قد عبر عن ادانته لاعتقال الإصلاحيين السنة بمدينة جدة وطالب بالإفراج عنهم. وليس هذا فسحب بل ان الشهيد النمر قد برّأ السنة من الحكومة السعودية والبحرينية وقال أن هؤلاء “السلطات الحاكمة” ليسوا محسوبين على السنة ووصفهم بأنهم ظلمة وطغاة.

حمّل الشهيد النمر الحكومة السعودية مسؤولية المشكلة الطائفية واعتبرها أداة سياسية تستخدمها للتفريق بين الطوائف والجماعات و لتأجيج الكراهية والصراع بينهم وذلك بهدف التغطية على قمع المطالب الشعبية بالإصلاح. وقد بين ان الحكام هم من حول اختلاف المذاهب إلى صراع طوائف ولو كانت الشعوب تمتلك قرارها لما وقعت هذه الصراعات..

كل المشاكل الكبرى بالدول العربية أساسها عدم احترام انسانية الانسان وسلب جزء من حقوقه الأساسية، وهو الأمر الذي يدفعه للدفاع عنها وقد يضحي بشيء من مصالحه ومكاسبه ويصرخ غاضباً لأجل هذه الحقوق. ما يُدخل الناس في خلافات لا تنتهي هو التعدي على انسانية الناس وامتهان كرامتهم, وعادةً مَنْ يؤسس لهذه الانتهاكات هي السلطات الحاكمة. وعليه فإن احترام هذه الفطرة ليس شرطاً لايقاف الخلافات والصراعات فقط بل شرطاً أساسياً لكي يحيا الناس ولكي يعملوا وينتجوا ويبدعوا وينجزوا ويأدوا أدوارهم المفترضة في هذه الحياة بأكمل وجه ممكن.

إن كل الحلول التي لاتعالج هذه المشكلة الأساسية ستبقى حلولاً مخدّرة لفترة قصيرة سرعان ما ينفذ مفعولها ويعود الألم من جديد..

من هنا كانت دعوات الشهيد الشيخ النمر ومطالبه تقوم على أسس انسانية ومبادىء كالعدالة والكرامة والحرية. وقد أوضح انها أساس للإصلاح السياسي الجذري. ففي عام ٢٠٠٧ قدم الشهيد عريضة الكرامة لأمير “المنطقة الشرقية” آنذاك. وكانت الوثيقة تتضمن جملة من المطالب بالعدالة والمساواة والحرية تشمل مختلف مناحي الحياة كالجوانب السياسية والاقتصادية والاجتماعية والدينية، بحيث تتمتع كل شريحة من الشعب وكل مواطن بهذه الحقوق والتي تُعتبر شرطاً أساسيا من شروط المواطنة التي تقوم على الحقوق والواجبات.

ورداً على هذه العريضة قامت أمارة “المنطقة الشرقية” بإعطاء الشهيد وعداً بتقديم جوابٍ عليها، لكنها في النهاية تجاهلتها كما تجاهلت عشرات المطالب والتحركات الأهلية وزيارات الوفود فيما مضى من سنوات.

وبالإصافة الى هذا كان للشهيد الشيخ النمر حراكاً طويلاً في دفاعه عن الحقوق الدينية والثقافية للشيعة. وخلال مزاولته أنشطته السلمية العلنية تم احتجازه مرات عدة كما تعرّض للتعذيب. وفي عام ٢٠٠٩ وقف الشهيد بكل شجاعة دفاعاً عن زوّار المدينة المنورة من أهالي القطيف والأحساء الذين تعرضوا للضرب من قبل الأمن السعودي فيما عُرف بحادثة البقيع. وبيّن الشهيد أن كرامة الانسان أغلى من كل شيء وبعد هذا الموقف أصدرت الدولة بلاغاً بالقبض عليه إلا أنه توارى عن الأنظار لفترة بعد ذلك.

إن هذه الحوادث السابقة بالاضافة لمواقفه الشجاعة في ٢٠١١ و ٢٠١٢ حتى لحظة اعتقاله تبيّن إيمان الشهيد النمر بالنضال السلمي لرفع الظلم ونيل الحقوق, وتكشف حجم تضحياته الكبيرة التي دفعها طلباً للكرامة والحرية، بل انه وحتى قبل قتله بفترة قصيرة خيّروه للتنازل عن مطالبه ومواقفه فكان رده مزيداً من الثبات والإصرار عليها، وعلى هذا تشهد المرافعة التي قدمها للمحكمة دفاعاً عن نفسه قبال التهم والافتراءات التي وجهت ضده وتم قتله استناداً إليها. فكم هو عظيم حجم الإيمان والثبات الذي كان يحمله الشهيد..

نقول أخيراً.. أن الظلم والقتل حتى ولو استمر في فترة معينة وسكت عنه الناس خوفاً على أرواحهم وسلامتهم إلا أنه بالنهاية سيكون له ارتدادات كثيرة على نفسية الإنسان إذ ان جميع هذه المشاعر ستظل حبيسة في أعماقه وستتراكم. وفي الأخير لاشك ستنفجر بشكل أو بآخر على شكل مشاكل وأزمات سياسية واجتماعية. ومن طبيعة الانسان انه لا ينسى مظالمه ومعاناته.. لهذا ستظل هذه الأحداث تحفر في ذاكرته. وسُنّة التاريخ تقول أن كل حكومة تسير عكس إرادة الناس وتمتهن كرامتهم وتحاول إذلالهم وتستمر في ذلك ستخسر بالنهاية لأن الانسان من طبيعته المدافعة عن كرامته واستمراره في دفع الظلم عن نفسه وتجارب الدول والشعوب من حولنا توضح لنا هذا بشكل جلي..

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى