النشرةمقالاتوما قتلوه

الفقيه النمر.. الشاهد الشهيد (1959 – 2016)

تحول الشهيد النمر منذ لحظة اعتقاله إلى رمز للتضحية من أجل الحرية والعدالة نظراً لما يمثله من قضية إنسانية عادلة ذات صلة وتماس مع المبادئ والقيم الانسانية والدينية والحقوقية. وما لبث أن أصبح أيقونة لكل أحرار العالم لحظة عروج روحه إلى بارئها، وهذا أول انتصار تحققه دماءه الطاهرة، التي أسقطت ورقة التوت عن سوءة النظام السعودي وكشفت همجيته ودويته للعالم كله،،،

مرآة الجزيرة – حمزة الشاخوري

النشأة والتكوين:

ولد الشهيد الشيخ نمر النمر في العام 1959 لأسرة مؤمنة نبغ فيها علماء وأدباء يُشار لهم بالبنان، كما عُرفت بقوة التدين والولاء لأهل بيت رسول الله “ص” والتطوع لخدمة المجتمع وقضاياه العامة والتصدي لردع  الظلم والبطش السعودي ضد أهالي المنطقة منذ بواكير القرن الماضي. وقد اشتهر في أسرته آية الله المجاهد الشيخ محمد بن ناصر آل نمر قائد الثورة الأولى العام 1347 ضد التعسف الضريبي الذي فرضته السلطات السعودية على أهالي القطيف.

وترعرع الشهيد النمر في بلدة “العوامية” الريفية بمنطقة القطيف، وهي قرية تطل على شاطئ الخليج العربي، حيث تنتصب عند مدخلها الشمالي مداخن آبار الغاز الطبيعي وتمتدّ بمحاذاة أطرافها الغربية والشرقية أنابيب النفط كشريان ضخم يطوّق البلدة المحرومة من أبسط مقومات الحياة المدنية الكريمة والخدمات الأساسية ما جعلها تتحول ومنذ زمن بعيد إلى معقل للمعارضة والثورة ضد طغيان واستبداد نظام الحكم السعودي..

وفي مرحلة مبكرة من عمر الشيخ الشهيد تفتح ذهنه على منشورات “الثورة” وخطابات علماء الدين الداعية إلى الجهر بالمطالب المشروعة وفي مقدمها العدالة والكرامة والحريات الدينية ورفض الظلم والتهميش.

في العام 1979 محرم 1400 للهجرة ومع انتصار الثورة الإسلامية في إيران بقيادة الإمام الخميني الراحل “رضوان الله عليه” داعب الأمل أرواح ونفوس الجماهير المسحوقة في منطقتي القطيف والأحساء، وسرعان ما انفجر طوفان الغضب الشعبي وخرجت الجموع الغفيرة إلى الشوارع معلنة مطالبها في العدالة والكرامة والمساواة ورفض التمييز الطائفي والتهميش السياسي، وكان الشهيد النمر أحد أبرز كوادر تلك الانتفاضة الذي تقدم صفوف المتظاهرين في بلدته.

يروي أقرانه ورفاقه في تلك الانتفاضة القصص الكثيرة عن شجاعته وجرأته وإقدامه وعن استهانته بالمخاطر في مواجهة عساكر وجنود الحرس الوطني الذي دفع بهم آل سعود إلى الطرقات مدججين بالأسلحة الرشاشة لمواجهة المتظاهرين العزل، ما أسفر عن إصابته في قدمه بجراح طفيفة.

وهكذا ومنذ كان الشهيد في مطلع العشرينات من عمره المبارك عرف طريقه إلى مجاميع العمل السياسي المعارض جهاداً من أجل حقوق الشعب وكرامته، وحين شهد اقتياد المئات من أصدقائه ومعارفه من مختلف المناطق يُقادون إلى غياهب السجون السعودية، قرر أن يهاجر ليواصل مشوار كفاحه ضد الظلم والجور من خارج أسوار وطن يذبح فيه الأحرار بالرصاص أو تحت التعذيب في الزنازين المعتمة.

الهجرة مدرسة النضال:

قضى الشهيد النمر خمسة عشر عاماً من ريعان شبابه غريباً عن وطنه حيث هاجر مطلع العام 1980 إلى الحوزة العلمية في طهران، فعكف على إعداد شخصيته الإيمانية والأخلاقية وصقل خبراته وكفاءاته الإدارية والسياسية إلى جانب دراسته العلوم الدينية كالفقه والعقائد إلى جانب التاريخ واللغة والعقليات.

وطوال سنين هجرته لم تغب قضية شعبه عن ذهنه أبداً، ظلَّ يستحضر مظلومية أهله وبلده، ويعايش همومهم ومعاناتهم فتنعكس صور آلامهم وأوجاعهم في قلبه ومشاعره، وكان يتمثل تطلعاتهم وآمالهم في الخلاص من الظلم والطغيان السعودي فيترجم ذلك همّة وفاعلية وحيوية ونشاطاً متواصلاً دون أن تفتر عزيمته أو يفتّ طول الزمن وصعوبات الغربة من إصراره وحماسته المتقدة دائماً وأبداً.

هذه الجدية والحيوية أكسبته نبوغاً علمياً وإدارياً وحظي بثقة أساتذته ما أهله ليكون موضع اعتمادهم في التصدي لمهام التدريس والادارة والاشراف سواء في الحوزة أو في ميدان العمل السياسي والحركي، فتخرّج تحت يديه عشرات الكوادر العلمية والكفاءات السياسية التي شاركت في نشر الثقافة الثورية ودعم مسيرة الكفاح ضد الظلم والظالمين على امتداد الوطن العربي وبالخصوص في منطقتي القطيف والأحساء.

سمات وملامح:

تميز الشهيد النمر بحسّ أخلاقي وإنساني رفيع جداً، فقد انعكس إيمانه وورعه وتعلقه بالآخرة على كافة مناحي حياته ومعاملاته اليومية، وعلى سلوكه وعلاقاته مع الآخرين..

فهو الزاهد في ملاذ الدنيا وعاش حياة بسيطة في المأكل والملبس والمسكن، ليس عن فقر وعوز، فهو سليل أسرة ميسورة الحال قد أنعم الله عليها بالخير والرزق الوفير، غير أنه عوّد نفسه على جشوبة العيش والتساوي مع فقراء الناس.

وهو المتواضع الذي يمشي وحيداً في الطرقات كأي أحد من الناس، يسلم على الصغير والكبير، على الطفل والشاب، على الفقير والغني، وعلى ابن البلد والغريب، لا يُميز حاله بحاشية أو بحرس أو حتى بسيارة فارهة.. سواء في سنوات هجرته أو بعد عودته الى بلاده، يشتري حاجاته بنفسه، وطالما شاهده أبناء بلدته يقف في الطابور منتظراً دوره لشراء أرغفة الخبز العربي رافضاً كل المحاولات التي يبذلها الآخرون وإصرارهم لتقديمه على أنفسهم، كان يرفض أن يتقدم الصفوف ويبقى منتظراً دوره!

وهو الصادق الصريح لا يجامل في قول الحق حتى على نفسه، ومهما كلفه ذلك، ولا يداهن الأخطاء والتجاوزات سواء صدرت من أبناء المجتمع أو من النظام السياسي، وجرّاء هذا السلوك تحمل العناء الكبير على الصعيد الاجتماعي فضلاً عن الأثمان السياسية الباهضة التي توجها بالتضحية بنفسه قرباناً في سبيل مبادئ الحرية والعدالة والكرامة الانسانية.

وفي مجلسه كان يخدم ضيوفه بنفسه مهما صغر سنهم أو مستواهم العلمي أو مقامهم في المجتمع.. فبقدر قوة الشهيد النمر وصلابته في مواجهة الظلم والظالمين كان رحيماً حنوناً ودوداً مع المؤمنين من أبناء مجتمعه، وطالما وصفه الناس بأنه أبا ذر زمانه فلقد ترفع عن ملذات الدنيا وذاب في الله سبحانه وبات يعيش حياته وقلبه وروحه معلقة بالآخرة وهذا سرُّ قوته!

لقد عاش الشيخ الشهيد بين الناس كواحد منهم شاركهم أحزانهم وأفراحهم، وحين أيد التظاهر والاحتجاج نزل معهم الى الميادين والساحات، وعندما دعا الى التزام السلمية أمام عنف النظام السعودي نزل مع الجموع بجسده النحيل ووقف يهتف معهم في وجه المدرعات والمجنزرات وكل ذلك موثق بالصور ومقاطع الفيديو المنشورة على مواقع الانترنت ووسائل الاعلام المختلفة.

كفاح من أجل الإنسان:

انطلق الشهيد النمر في كفاحه ضد الاستبداد والبطش والطغيان السعودي من رؤية سياسية منفتحة على المصلحة الإنسانية لكل العالم، ومتجازاً كافة الأطر الطائفية والقبلية والعرقية وحتى الجغرافية، فقد كان واعياً لحقيقة الخطر الذي يشكله هذا النظام الهمجي المتوحش على البشرية كافة، ومدركاً بأن الأيديولوجيا الوهابية التي شكلت أحد أهم ركائز نشوء الكيان السعودي والتي احتضنها ولا يزال واستمرّ في دعمها بالمال والكوادر هي ماكنة التفريخ الحقيقية لعنف الجماعات التكفيرية التي يستغلها الغرب في تخريب الأوطان وضرب مصالح الشعوب في غير مكان من العالم.

كما وعى الشهيد النمر إلى حقيقة التحالف بين النظام السعودي والأنظمة الاستكبارية الغربية في التآمر ضد مصالح شعوب المنطقة والعالم الحر، ولم تخلُ خطاباته من الاشارات بالتصريح تارة والتلميح أخرى إلى وقوف النظام السعودي مع الصهيوينة العالمية ضد قضايا المسلمين والعرب في فلسطين وفي كل مكان آخر.

واستناداً إلى هذه الرؤية السياسية لم تكن تطلعات وأهداف ودوافع حركة وجهاد الشهيد النمر منحصراً فقط في تحقيق مصالح طائفته أو شعبه في الجزيرة العربية، بل كان يسعى لتخليص العالم كله من أقصاه إلى أقصاه من شرور النظام السعودي المتورط عن انتشار الفكر التكفيري الدموي حول المعمورة. والمسؤول عن التدمير وعدم الاستقرار ونشر الفتن الطائفية والمذهبية في الهند والباكستان وأفغانستان والعراق ولبنان وسوريا واليمن وفي كل شبر استطاعت فلول الوهابية الوصول إليه مدعومة بالمال وبالتخطيط والحماية التي تؤمنها الاستخبارات السعودية عبر سفاراتها وقنصلياتها المتشرة في أصقاع الأرض.

فالانسان بما هو إنسان، أياً كان دينه أومعتقده أوعرقه أو وطنه، كان هو الهدف الأول والمحور الأساس والأهم في حركة الشهيد الشيخ النمر، الذي تطلع لحماية الانسانية من خطر النظام السعودي ويده الباطشة المتمثلة في الأيديولوجيا الوهابية والجماعات التكفيرية التي تتغذى عليها.

وقد كان الشهيد وضاحاً وصريحاً في رفضه للطائفية التي هي سلاح النظام السعودي في زرع الفتن وشق صفوف الشعب والمسلمين عامة، فحين طالب بالافراج عن المعتقلين قالها ودونها في عريضة “العزة والكرامة” بصريح العبارة، “نطالب بالافراج عن كافة المعتقلين السياسيين وسجناء الرأي السنة والشيعة” وهكذا كانت لغته وأفكاره وخطاباته في عموم حركته ومطالبه العادلة.

حركة سلمية وبطش سلطوي:

بعد 15 عاماً قضاها الشهيد النمر مهاجراً وغريباً ومجاهداً ومربياً لأجيال من الشباب المؤمن الثوري عاد الى البلاد بعد متصف العام 1994 ليواصل مسيرته العلمية والجهادية فتعهد الجيل الناشئ بالتوجيه والتربية والتعليم، وبعد بضع سنوات افتتح حوزة علمية خرّجت عدداً من العلماء والخطباء والكتّاب، غارساً فيهم قيم العلم والعمل والجهاد ومقارعة الظلم والظالمين. كما قام بعدة مشروعات ومبادرات كدعوته لتجديد بناء بقيع الغرقد وإعمار قبور أئمة أهل البيت عليهم السلام، وكذلك دعوته لتأسيس “جبهة المعارضة الرشيدة” لتوحيد صفوف المكافحين والمناضلين ضد الطغيان والهيمنة والاستبداد السعودي.

واعتمد الشهيد النمر في حركته ونضاله على الوسائل السلمية والأنشطة الدينية العامة كإقامة صلاة الجماعة والجمعة، والاحتفال بالمناسبات الدينية والتاريخية، وتأليف ونشر الكتيبات والنشرات التثقيفية إضافة إلى الخطابات الجماهيرية والمحاضرات والندوات الفكرية.

ولكن النظام السعودي لم يسمح حتى بهذا القدر من النشاط السلمي وبدأ باتخذا إجراءات أمنية مختلفة ضد الشهيد الفقيه فتعرض للاستدعاءات والتحقيق وللاعتقال عدة مرات كان أولها في العام 2003 واستمرت حتى العام 2008 وتعرض خلالها الى السجن الانفرادي والتعذيب والإهانات، كما عانى من مضايقات وإعاقة السلطة لمشروعاته وتخريبها لعدد من أنشطته الاجتماعية والدينية كمنعه من إحياء مناسبة يوم البقيع ومنعه من إقامة صلاة الجماعة وإلقاء الخطب.

إلا أن الشهيد الفقيه النمر لم يستسلم ولم يضعف أمام شراسة النظام وقمعه بل ازداد اصراراً وتشبثاً بالمضي في دربه الجهادي المقاوم بصلابة وقوة كانت مثار استغراب المتابعين، نظراً لأن الساحة الاجتماعية آنذاك كانت تميل الى القعود والاستسلام للواقع ومجاراة الظروف التي يفرضها النظام، غير أن الشهيد الشيخ النمر وبحكم إيمانه المطلق بقدرة الله سبحانه واستناداً إلى طموحاته وتطلعاته الايمانية في الوصول بمجتمعه الى حياة حرة كريمة عزيزة ونظراً لخبرته وتجربته ووعيه ونضجه الديني والسياسي والحركي استطاع الالتفاف على مضايقات السلطة وتجاوزها واستمر في مشروعه الرسالي حيث صنع جيلاً من الشباب المؤمن الثائر الواعي والكفوء الذين هم اليوم كوادر وعماد الحراك المطلبي المستمر منذ العام 2011.

ومن الآليات التي اتبعها الشهيد النمر للاستمرار في عمله قراره بأن يختفي عن الأنظار ويمارس كفاحه وجهاده من خلال منزله حيث امتدت هذه المرحلة نحو عامين، قطعها مع بدايات الانتفاضة المباركة الثانية في فبراير 2011 إذ رأى أن الساحة تتطلب حضوره المباشر لقيادة الحراك المطلبي وتوجيه الجماهير وضبط حركتهم المطلبية الاحتجاجية.

ورغم سياسة البطش التي اعتمدتها سلطات آل سعود ضد حركة الشهيد النمر ظل متمسكاً بخياره السلمي حتى آخر لحظة من حياته، رافضاً الانجرار إلى عسكرة الحراك واستخدام السلاح، بل ورفض حتى استخدام الحجر ضد عنف جنود النظام المتحصنين داخل مدرعاتهم وعرباتهم المصفحة، حتى شاعت على كل الألسن عباراته الشهيرة “زئير الكلمة أقوى من أزيز الرصاص” التي عبرت بصدق عن منهجه في النضال السلمي من أجل التحرر والكرامة والعدالة.

الفشل السعودي في محاصرة وتشويه حركة النمر:

سعى النظام السعودي لمحاصرة حركة ونشاط الشهيد الفقيه النمر، متبعاً وسائل مختلفة فمع فشل سياسة العنف والاعتقال والترهيب لجأ إلى محاولات الاحتواء والاغراء ثم حاول تشكيل دوائر للضغط الاجتماعي على حركة الشهيد، وعندما باءت كل هذه المحاولات بالفشل عمد إلى استنفار أجهزته الإمنية والاستخبارية ووظف جميع مؤسسات إمبراطوريته الإعلامية، لصناعة صورة مفتعلة مجافية للحقيقة ومناقضة للواقع من أجل إظهار الشيخ الشهيد كإرهابي وداعية عنف، وهذه سياسة يتبعها النظام السعودي مع كافة خصومه سواء كان الشهيد الفقيه النمر أو غيره من المعارضين، حيث يستغل الماكنة الاعلامية وأجهزة الأمن والاستخبارات والقضاء لتشويه المعارضين بهدف عزلهم اجتماعياً وتهيئة الرأي العام المحلي والدولي للقبول باستهدافهم سواء بالاعتقال والتغييب أو حتى بتصفيتهم جسدياً.

ولذلك نجد كل مَنْ اعترض على سياسات آل سعود أو طالب بحقوق الشعب ومحاربة الفساد المتفشي في أوصال النظام وكل من طالب بصيانة ثروات البلاد أو تصحيح هيكل وآليات الحكم بما ينسجم مع الحريات والديمقراطية والقوننة سواء من الشيعة أو السنة يوصم من قبل الاعلام الرسمي ومحاكم النظام بأنه صاحب فتنة وعميل للخارج ومخرب الى آخر ما هنالك من تهم مفصلة ومعلبة وجاهزة في قاموس أدوات النظام وأجهزته للنيل من خصومه وتشويه كل حركة شعبية تحاول انهاء دكتاتورية الحكم السعودي.

ومن الواضح تهافت كل الاتهامات التي سوقتها ماكنة النظام السعودي سواء الأمنية أو الاعلامية أو القضائية، فاللعبة السعودية باتت مكشوفة وعارية ولم تعد أموال النفط قادرة على ستر عورة آل سعود أو إخفاء مساوئهم وكذبهم الفاضح. لا أحد اليوم في الداخل أو على المستوى الدولي يصدق ترهات ومسرحيات آل سعود ضد خصومهم، وهذا ما نشهده ونقرأه في المحافل الدولية السياسية والحقوقية. فالعالم اليوم كله يدرك مدى تخلف بنية وهياكل النظام السعودي الادارية ومدى تأخر وتخلف عقلية النظام وتقوقعها في عصر ما قبل التاريخ.. حتى أصبح أمراء آل سعود ومشايخهم الوهابيين مادة للتنذر والتنكيت على المستوى الدولي! فنظام الرياض اليوم هو حاضنة التفريخ ومصدر الارهاب في العالم، وهو نظام بلا دستور مكتوب ولا برلمان منتخب ولا حق للمرأة فيه بقيادة السيارة وممنوع على أفراد الشعب أن يؤسسوا أية مؤسسة مدنية فلا جمعيات ولا أحزاب وبالتالي إن نظاماً بهذا المدى من التخلف والتأخر والاستبداد يدرك العالم ويُجمع على مشروعية مقاومته ورفضه، وهذه بالضبط منطلقات وأهداف حركة الشهيد الشيخ النمر ومطالبه التي قدمها العام 2007 عبر العريضة الشهيرة التي عرفت باسم “عريضة العزة والكرامة”.

وفيما يتعلق بتهمة العنف فإنه ليس أسهل على أنظمة الحكم الدكتاتورية من كيل الاتهامات والافتراءات ضد المعارضين والمحتجين والمطالبين بالحقوق والحريات… آل سعود اتهموا النمر باستخدام العنف ولكنهم عجزوا عن إثبات ذلك بأي دليل ملموس، وهو ما دفع السلطة الى رفض مطلب محامي الدفاع في إحضار الفرقة التي قبضت على الشيخ الشهيد وأطلقت عليه الرصاص، للمثول أمام المحكمة والادلاء بشهادتها.. خوفاً من انكشاف الكذبة الكبرى وافتضاح مؤامرتهم ضد الشهيد.

ولنا أن نسأل أيّ عنف مارسه الشهيد النمر وهو الجريح الذي صار مقعداً وحمل رصاص النظام في جسده الشريف حتى لحظة إعدامه بعد 4 سنوات من اعتقاله؟! أي عنف مارسه النمر أو المحتجين الذين سقط منهم نحو 30 شهيداً برصاص السلطة وشهيد آخر متأثراً بالتعذيب الوحشي وعشرات الجرحى والمصابين؟!

إن الذي مارس العنف معروف ومشخص وأدواته القمعية حاضرة ومرئية للعيان حتى اليوم، وهي تجوب شوارع وطرقات قرى ومناطق القطيف وأحيائها السكنية، وتحاصر المداخل والمخارج بالمدرعات والرشاشات المحمولة، فضلاً عن العربات والسيارات المصفحة سواء ذات الصفة الأمنية الرسمية أو تلك المدنية المندسة وجميعها تابعة لأجهزة وزارة الداخلية السعودية.

ويكفي هنا الاشارة الى حوداث بارزة وذات دلالة صارخة على وحشية النظام وعنفه.. في مطلع شهر رمضان العام 1434 شنّت السلطة هجوماً شرساً بربرياً على منزل عائلة الناشط عباس المزرع، وأشعلت فيه النيران وأطلقت الأعيرة النارية بشكل عشوائي في أرجائه وهو منزل يأوي أكثر من 40 شخصاً بين رجل وامرأة وطفل!! ثم اقتادت المتواجدين فيه من النساء بلا ستر وأركبتهن في المدرعات كما اقتادت 7 من أفراد الأسرة الى السجن.. ولازال أهل البلدة يستحضرون مشهد الخراب والدمار الذي لحق بالمنطقة فأحالها الى ساحة حرب حقيقية لفداحة الآثار التدميرية والتخريبية التي طالت البيوت والسيارات في حي الزارة بمدينة العوامية.

وكذلك حادثة الاغتيال المروّع الذي عُرف بين الأهالي بـ”يوم الأربعاء الدامي” حيث اغتالت فرقة مسلحة 3 شبان أحدهم الناشط الشهيد خالد اللباد المطلوب على قائمة الـ23 وذنب الشهيدين الآخرين حسن الزاهري و محمد المناسف أنهما كان يجلسان مع الشهيد على عتبة باب منزله!!.

هذا غيض من فيض من حوادث العنف الهمجي الوحشي الذي ترتكبه السلطات السعودية ضد المتظاهرين والمحتجين السلميين في المنطقة الشرقية، ويجب أن لا ننسى عنف الاعتقالات والتعذيب والترهيب في المعتقلات، وكذلك عنف الأحكام القضائية التي تصدر استجابة لأوامر وزير الداخلية، وهي سياسة تهدف إلى نشر الخوف وبثّ الرعب في نفوس الشعب حتى لا يفكر في الرفض والاعتراض على الفساد والظلم وسياسات التهميش والاقصاء وتقييد الحريات ومصادرة الحقوق، وهذا ما عمل وجاهد وناضل وضحى الشهيد النمر من أجل محاربته واجتثاثه ليعيش الناس أحراراً يتمتعون بالعدل والكرامة.

وينبغي أن نشير هنا إلى تهمة الارتباط بالخارج وهي الأخرى تهمة معلبة لدى النظام السعودي فقد اتهم ما عُرف بخلية جدة أنهم مرتبطون بالسفارات الغربية، واتهم الكوادر والكفاءات العلمية والاجتماعية الشيعية التي اعتقلها قبل عامين بأنهم يشكلون خلية تجسس لصالح دولة أجنبية، كما اتهم كوادر حسم والاصلاحيين وعموم المطالبين بالمملكة الدستورية بأنهم “زوار السفارات” فيا ترى هل يحكم آل سعود شعب من العملاء للخارج؟!! الثابت في عقلية النظام أن أي شخص يعترض على سياسات آل سعود وممارساتهم وتجاوزاتهم وفسادهم يُوصم بالعمالة الى الخارج، وإن كان شيعياً فستكون التهمة جاهزة ومحددة الارتباط بالجمهورية الاسلامية في ايران!.

وأما فيما يخص تلويح الشهيد النمر إلى إمكانية تفعيل خيار طلب المساعدة الدولية فإن القانون الدولي يسمح ولا يُجرّم الاستعانة بالأدوات الدولية إذا ما تعرض شعب أو جماعة ضمن نطاق جغرافي محدد إلى الاضطهاد والظلم والعسف والحيف من قبل النظام الحاكم. وهذا ما يعيشه شعبنا منذ 100 عام تحت نير الظلم السعودي.. فحتى مع فرض أن رمزاً شيعياً لجأ الى طلب الحماية والمساعدة الدولية أين المشكلة في هذا؟ فحين يقتل 30 شهيداً خلال أقل من 5 أعوام برصاص أجهزة الأمن ويعتقل أكثر من 1200 شاب وطفل أفرج عن نحو 700 منهم ولا يزال الآخرون في أقبية المعتقلات وبعضهم مهدد بالاعدام وفق أحكام القضاء الطائفي الجائر الذي لا يتوفر على أبسط معايير العدالة.. أين المشكلة إذا لجأ مَنْ يتعرّض لهذا العسف والظلم طوال عشرات السنين إلى طلب الحماية والمساندة من دول العالم؟!

جريمة النظام تصيبه بالصدمة والذهول:

إن الجريمة البشعة التي اقترفها نظام آل سعود بسفك دماء الشهيد النمر، هي لحظة حاسمة وفاصلة في تاريخ العلاقة مع هذا النظام من قبل كل أحرار العالم وليس مع الشيعة خاصة أو أهل القطيف والأحساء بالخصوص.

إن حجم التعاطف والتضامن مع قضية الشهيد النمر واستنكار وشجب إعدامه بل ورفض وصفه بالارهابي من قبل رؤساء دول العالم والمؤسسات الدولية والمنظمات الحقوقية التي وصفت الاعدام بأنه استهداف سياسي، جعل آل سعود يكتشفون مبكراً خطأ حساباتهم ورهانهم على تصفية قضية الشهيد النمر والقضاء على حركته عبر إعدامه.

إن الحركة الاحتجاجية الواسعة التي اجتاحت العالم كله وما صدر من بيانات المرجعيات الدينية الاسلامية شيعية وسنية، فضلاً عن انتفاض الشعوب والجماهير في الساحات والميادين وأمام السفارات ومقرات البعثات الدبلوماسية السعودية حول العالم تعبيراً عن سخطهم وغضبهم على ما اقترفه النظام بحق الشهيد من جريمة بشعة، أصابت النظام السعودي بالصدمة والذهول.

النظام وليس أحد غيره هو مَنْ فوجئ بهذه الهبّة والوقفة التلاحمية المشرّفة من أحرار العالم كله مع قضية الشيخ الشهيد النمر، فلقد توهم النظام أن حملات التشويه التي نفذتها أجهزته المختلفة قد نجحت في اغتيال شخصية الشهيد والتعمية على عدالة قضيته ومشروعية نشاطه ومطالبه، وظنَّ أنه بزجه وتمريره عملية الاعدام ضمن حفلة إعدام جماعي لعشرات المتورطين بالانتماء للقاعدة وداعش والملطخة أيدي بعضهم بالدماء سينجح في التغطية على جريمة إعدام الشيخ الشهيد!

ولولا هذا الوهم لم يكن سيجرؤ على اقتراف جريمته، ظن آل سعود أنهم نجحوا في تسويق ما أرادوه باظهار الشيخ النمر للعالم بصورة مغايرة للواقع وتقديمه للقصاص كارهابي.. والآن أسقط في يدهم لأنهم فهموا وأدركوا أن لعبتهم فشلت وخاب مسعاهم ولم تنطلي حيلهم وأكاذيبهم على أحد من العقلاء..

يمتاز النظام السعودي بعمى منقطع النظير فهو لا يجيد قراءة الساحة ما يقوده الى التخبط والفشل المستمر.. فهل كان يتوقع أن يتقبل أحد أي أحد في العالم اعدام فقيه له منزلته ومكانته في المجتمع المحلي والاسلامي وكل ذنبه أنه جهر برأي معارض شجاع ورفع صوته مدوياً مطالباً بحقوق شعبه؟! لو كان هذا النظام يٌحسن قراءة معطيات الساحة المحلية والدولية ويقدِّر مكانة وثقل ورمزية الشهيد الشيخ النمر لما أقدم أصلاً على اعتقاله فضلاً عن محاكمته وتنفيذ حكم الاعدام بحقه.

ولم يكن العالم بحاجة لأسباب لكي يتضامن مع ضحايا الظلم والاستبداد السعودي، فالكل يدرك تورط هذا النظام في تفريخ وتصدير الارهاب الى بقاع الأرض وأنه مسؤول عن اندلاع الفتن وحدوث الدمار والتخريب وانتشار جرائم الفتك والذبح بالأبرياء في أكثر من مكان، كما يدرك العالم أن بنية النظام السعودي قائمة على ظلم الشعب وقمعه وتهميشه وعلى استفراد أمراء آل سعود بالقرار السياسي والاداري وتلاعبهم بمقدرات وثروات البلاد.. وزيادة على ذلك فإن عدم نزاهة وانعدام ضمانات استقلال القضاء السعودي وخضوعه لإملاءات الأمراء ورغباتهم، كل هذه العوامل مجتمعة تدفع بأحرار العالم للتضامن مع ضحايا النظام ممن يتعرضون للقمع والاذلال ومصادرة الحقوق.

أيقونة الحرية والعدالة:

لقد تحول الشهيد النمر منذ لحظة اعتقاله إلى رمز للتضحية من أجل الحرية والعدالة نظراً لما يمثله من قضية إنسانية عادلة ذات صلة وتماس مع المبادئ والقيم الانسانية والدينية والحقوقية.

وما لبث أن أصبح أيقونة لكل أحرار العالم لحظة عروج روحه إلى بارئها، وهذا أول انتصار تحققه دماءه الطاهرة، التي أسقطت ورقة التوت عن سوءة النظام السعودي وكشفت همجيته ودويته للعالم كله.

لقد انحاز كل حر وشريف في العالم إلى مناصرة قضية الشهيد النمر لأنها قضية إنسانية عادلة، ولن نصرته تمثل انتصاراً للمظلومين والمستضعفين ولقيم الحرية والكرامة والعدالة.

فحماقة النظام واستهتاره بحقوق الانسان جعلت من قضية الشهيد الشيخ النمر قضية واضحة المعالم فيما تشكله وتعنيه من صراع بين إنسانية النمر وسلميته وبين وحشية آل سعود ودمويتهم، بين رمز ديني وسياسي شجاع وصادق يناضل ويجاهد ويقود شعبه المهمش والمصادرة حقوقه والمسلوبة ثرواته في معركة سلمية وبين الطغيان والاستبداد والديكتاتورية التي يمثلها النظام السعودي الحاكم في الرياض. فمن الطبيعي أن ينحاز كل انسان حر شريف الى مناصرة قضية الشهيد الشيخ النمر والدفاع عنه لما يشكله من دفاع عن الكرامة والحرية الانسانية.

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى