شهداء الصلاةمقالات

الإجراء الأمني وحده لا يكفي

ما حدث حتى الآن من إجراءات رسمية على إثر استهداف مسجدين للشيعة خلال الأسبوعين الماضيين الأول في القديح بالقطيف والثاني في حي العنود بالدمام لا تعدو عن كونها إجراءات أمنية، وهي إجراءات أمنية دفاعية لا تحل المشكلة، بل تحاول تطويقها وتقليل الآثار الكارثية التي يتوقع حدوثها في ظل هذه التهديدات المتواصلة الناجمة – في واحد من أسبابها – عن الالتهاب الطائفي المَزيد والمُضاف المُحدّث على الدوام. هذه الإجراءات يجب أن تسبق وتردف بإجراءات وقائية، على المدى البعيد، وهو ما طالبت به الجماهير في مسيراتها الاستنكارية الغاضبة والمنددة والمنوهة في آن على إثر التفجيرين.

الجماهير التي أثبتت وعيها وانضباطها الكبيرين وضعت إصبعها على أس الجرح وجوهر المشكلة بوضوح وصراحة من خلال تنديدها بالمسببات التي أدت – فيما أدى – إلى هذه الهجمات البربرية، وطالبت بالمسارعة في علاجها، هذه المطالبات لم تكن جديدة، لكنها ارتفعت جماهيريًا وظهرت للعالم في هيئة أمواج بشرية وأصوات صارخة في الشوارع مكتوية بهذه النار.

الواجب على الدولة التي تزعم أنها دولة وطنية إثبات زعمها الذي يثبت هويتها الوطنية، لا المذهبية، ولا القبلية، ولا المناطقية، ولا العشائرية، فالدولة لا تكون وطنية إلا بتوافر الشروط والمزيات التي يتمتع معها المواطنون بحقوق مواطنة كاملة دون أي شكل من أشكال التمييز بسبب العرق أو الجنس أو اللغة أو الدين أو المذهب أو القبيلة أو أي شكل من أشكال التنوع.

في الدولة الوطنية لن نكون بحاجة لاستدعاء ما ورد في المادة الأولى للإعلان الصادر بشأن حقوق الأشخاص المنتمين إلى أقليات قومية أو إثنية وإلى أقليات دينية ولغوية، بموجب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة في 18 ديسمبر 1992م الذي تنص الفقرة الأولى منه على أن: “على الدول أن تقوم، كل في إقليمها، بحماية وجود الأقليات وهويتها القومية أو الإثنية، وهويتها الثقافية والدينية واللغوية، وبتهيئة الظروف الكفيلة بتعزيز هذه الهوية.”

وتردفها في الفقرة الثانية من المادة نفسها بالقول: “تعتمد الدول التدابير التشريعية والتدابير الأخرى الملائمة لتحقيق تلك الغايات.” أي أن على الدول الجادة في تحقيق الاستقرار لجميع مكوناتها وبالتالي استقرار أمنها كدولة تسعى في تحقيق الشعار الذي ترفعه (وطن واحد ضد الإرهاب)، أن تعترف أولاً وقبل كل شيء بوجود هذه المكونات جميعها، وتشرّع وجودها في تشريعاتها ودستورها، كخطوة أولى لحماية وجودها، وهو ما نفتقده أصلاً في الحالة السعودية.

إذ ليس هناك ثمة إعلان واضح وصريح من الدولة بالمكون الشيعي كمكون مذهبي رئيس في هذا الوطن، له حقوقه، فضلاً عما نطالب به من حماية لوجوده وكيانه، وصولاً إلى ما يلي من حقوقه في ممارسة حقه الثقافي وتكوين الروابط الخاصة به، من خلال تشريعات قانونية كفيلة بحماية الهويات الثقافية والدينية، بل وتهيئة الظروف الكفيلة بتعزيز هذه الهوية، وهي مرحلة متقدمة تطالب فيها الدولة بما هو أبعد؛ وهو ما لا يتوافر أيضاً في الحالة السعودية، بل العكس هو ما يجري، حيث القنوات الرسمية كلها تعزز الحالة الطائفية والأحادية المذهبية في نفوس المواطنين من خلال المناهج الدراسية والمنابر الرسمية وقنوات الإعلام، وهو ما زرع بذور الكراهية، وغذى الحس المذهبي والقبلي، على حساب المواطنة.

سالم الأصيل 

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى