شهداء الصلاةمقالات

الصورة بعد العمليات الإرهابية

العلم السعودي الذي لفت به جثامين شهداء الدالوة كان يختزل صورة القلق الذي انتاب الناس في حادثة مربكة لم يعهدوها من قبل، كان الغضب عارما، والإحساس بكل جراحات التاريخ حاضرا، لأن الحادثة كانت استهدافا طائفيا صريحا، لطبيعة الزمان والمكان، غير أن الإرادة التي صاغت المشهد بعد الحادثة مضت إلى خيار الاحتماء بعنوان الوطن بدل “الطائفة”، كان هنالك خوف واضح من أن يتحول التشديد على صورة الهجوم الطائفي إلى صورة من العزلة، والمزيد من خلق العدوات الاجتماعية، في مجتمع يشعر بأنه يحيا على حد هذا الحذر، أي الحذر من الاخلال بهذه التسوية الاجتماعية التي سمحت بهذا اللون من التعايش ضمن البيئة الأحسائية.

كانت المشاعر المناهضة لهذا الموقف صريحة أيضا، خاصة في المشهد الموازي دائما، أي القطيف، حيث كانت البيانات والخطب والشعارات تتوالى في شكل احتجاج، وتذكير، وتنبيه إلى تراخي الجهات الرسمية في معالجة التأزيم الطائفي، تحول التشييع ومراسيم الدفن إلى كرنفال وطني تبعاً لطبيعة الخطب وطبيعة الشعارات والرايات، مع شيء من المسحة الكربلائية المألوفة التي تحضر في كل هبة حزن تمر على المكان.

بذلك أصبح الوطن هو المتن، وكربلاء هي الهامش، شهداء القضية الحسينية -كما يحلو للفريق الآخر وصفهم – باتوا شهداء الوطن في المقام الأول، وبات الدفاع منصبا على الحفاظ على أمن الوطن، ووحدته، قبل أي شيء، وهذا يستبطن أيضا أحاسيس الخوف من المجهول الذي يحمله البديل لهذا الوطن في صورته القائمة.

ردود الفعل التي جاءت من القطيف يومها كانت تستظهر احساسا بأنها المعنية بهذه الحادثة، فكان فارق المزاج السياسي وفارق اللغة سببا للتحسس من هذا الاسراف في صرف القضية ومستحقاتها في خانة عنوان آخر، يعتقدون بأنه لا يلائم واقع المرحلة وحساباتها السياسية، بعد سنوات من المواجهة التي قادها الغاضبون من عناوين التمييز والتهميش في شوارع المحافظة قبل أن تتقلص حدودها وتنكمش في مساحة صغيرة هي العوامية.

هذه المعطيات هي ما دفع الناس في حادثة القديح وبعدها في العنود إلى الابتعاد عن صورة الدالوة، بكل حمولاتها الدلالية، فكانت أول رسالة قادمة من القديح تشير إلى أن التشييع لن يكون جنادرية ثانية، في غمز صريح واحتجاج مبطن على ما جرى من اخراج درامي لأحداث الدالوة، وكذلك صنع أهل العنود حين باشرت اللجنة الإعلامية أول إعلانها بالتذكير بأن “شهداؤنا هم شهداء الحسين في المقام الأول”، رغم أن الحادثين الأخيرين قد حظيا بتعاطف رسمي وشعبي كبير، ما جعل القضية وطنية بامتياز، إلا أن أهل المنطقة كانوا يدفعون باتجاه عنوان التحدي الرئيس الذي يرونه يتلخص في استهداف هويتهم/وجودهم لا في وحدة الوطن.

خلت مسيرات التشييع في كل من حادثة القديح وحادثة العنود من أعلام الوطن، وتقدمت كربلاء بكل بيارقها وشعاراتها المعروفة، حضرت شعارات الوحدة بكثير من الخجل، وعلت كل الهتافات المستنهضة للهمة، وللتحدي، في سبيل الدفاع عن هوية المكان، وهوية أهله، فالمعركة لم تعد بحسابات السياسة مع الإرهاب فقط، بل مع منابع الكراهية التي وجدوا في بعض المؤسسات الرسمية داعما لها، فكانت مؤسسات الإعلام والتعليم والدين في دائرة الاتهام، عبر يافطات لم تعرف الطريق إلى المواربة والمجاملة.

والمحصلة أن الناس في القطيف والدمام لم يجدوا في ذهابهم إلى المعركة الأساس انتقاصا من وزن قضيتهم، ولا تقويضا لصور التعاطف الوطني الذي حملتها حادثة الدالوة، فتعبيرهم عن هويتهم، وتذكيرهم بكل قيمها، أكسب الحدث صبغته الواقعية، ودفع ناحية الاستثمار في هذه اللحظة التاريخية، والتي يريد من خلالها الناس طوي صفحة مليئة بالارتباك والأسئلة المؤجلة، وبدء صفحة من المحاسبة والمراقبة، فلم يعد هذا الكائن هو المعني بإثبات وطنيته، بل الآخرون الذين وجدوا أنفسهم مضطرين لذلك.

أثير السادة
لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى