مقالات

الدولة السعودية .. تاريخ من التناحر على السلطة

 

محمود عبد الحكيم

رغم سقوط الدولة السعودية الأولى على يد إبراهيم باشا عام 1818، وإعدام آخر حكّامها عبد الله بن سعود في الأستانة، ظلّت جذورها حاضرة في أرض نجد من خلال جماعة محمد بن عبد الوهاب، الغطاء الأيديولوجي الثابت لحكم آل سعود ونفوذهم ومشروع دولتهم.

مع بقاء أفراد من أسرة آل سعود في البلاد بعد أسر المصريين لنحو 400 فرد منهم، وآل الشيخ أي أسرة محمد بن عبد الوهاب، لدى دخولهم الدرعية، عاصمة الدولة الأولى، وإسقاطها، من هنا توالت تحركات تحاول إعادة تأسيس حكم آل سعود في مواجهة القوات التركية والمصرية المرابطة في شبه الجزيرة، ووُلِدت الدولة السعودية الثانية.

إزاحة النفوذ المصري واقتتال أولاد العم
كانت الحركة الأبرز لتركي بن عبد الله بن محمد بن سعود، التي لم تهدف فقط لمواجهة نفوذ الأتراك والمصريين، بل شملت منازعة محمد بن مشاري بن معمر على الحكم، الذي كان يحكم الدرعية مدعوما من الأتراك العثمانيين وسلّم لهم، قبل حركة تركي، مشاري بن سعود ابن عم تركي، فقتله الأخير وسيطر على الدرعية عام 1820، فوجّهت حكمدارية نجد التركية القائد العثماني عبوش آغا إلى التعامل مع الموقف، فقمع التحرك وتمركز في الرياض مسيطرا عليها.

وفر تركي لفترة من الزمن كانت كافية لإعادة تجميع قواته ونظّم هجوما كبيرا على الرياض محاصرا القوات العثمانية فيها، وأخرج الأخيرة ليسيطر على نجد، والرياض التي باتت وقتها العاصمة الجديدة بحكم الأمر الواقع، وتمرّكز فيها لتمتد سلطته إلى القطيف والإحساء، شرقا، معترفا بالسيادة الاسمية والرمزية للعثمانيين على نجد، في محاولة لإقامة صيغة متوازنة تقّيه هجمة تركية مضادة جديدة، وقتله ابن اخته مشاري بن عبد الرحمن عام 1834 منتزعا السلطة منه، ليقتل فيصل بن تركي الأخير، مشعلا فيه النار بعد فراره من قصره إلى أحد المساجد، وبعد شراء كبير معاونيه، سويد بن علي، بوعده بإمارة جلاجل بمنطقة سدير شمال الرياض له ولأبنائه من بعده، ليجمع فيصل بن تركي زمام الحكم لديه بعدما حاصر الرياض وسيطر عليها مسقطا مشاري.

فيصل بن تركي وعودة المصريين
استتب الأمر لفيصل، ومعه آل محمد بن عبد الوهاب، وأقام مؤتمرا تأسيسيا للدولة استعان فيه بقضاة الأقاليم ممن عملوا مع والده، وأمر بتشكيل هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، واضعا أعضائها في منزلة معاوني حكام الأقاليم، وعلى رأسهم القاضي علي بن حسين بن محمد بن عبد الوهاب، وقام بقمع بعض القبائل، جنوب شبه الجزيرة وشمالها، التي رفضت دفع الضرائب والدخول تحت حكم الدولة الجديدة، مخلّفا مئات القتلى.

استقطب محمد علي حاكم مصر، خالد بن سعود، الذي كان أسيرا لديه، منصّبا إياه «قائمقام» نجد لتثبيت الحكم المصري في شبه الجزيرة، واُخذ فيصل أسيرا إلى مصر مع حلفائه من آل محمد عبد الوهاب، لتنتهي الحقبة الأولى من الدولة السعودية الثانية، بالاستعانة بخورشيد باشا القائد العسكري العثماني، وتبسط الدولة المصرية سيادتها على سائر شبه الجزيرة بتنصيب خالد بن سعود حاكما محليّا، ويُعتقَل فيصل بن تركي في قلعة محمد علي بالقاهرة، إلا أن الأمور لم تسِر لصالح المصريين طويلا إذ تحرك الإنجليز والأوروبيون في مواجهة النفوذ المصري الصاعد، والمزاحم جديا للنفوذ العثماني.

وانسحبت القوات المصرية عام 1840 بموازاة شروع عبد الله بن ثنيان بن إبراهيم آل سعود، ذي النزعة السلفية الطاغية، في مواجهة خالد بن سعود، الأميّل إلى التحديث إذ عاش في مصر 18 عاما والمصطف إلى جانب مصر، وإزاحته عن الحكم وإعدام رجالاته من الجزيريين والعديد من رموز القبائل الأخرى، كما استطاع فيصل بن تركي الإفلات من محبسه في مصر في مقابل تعهده بالولاء وحسن العلاقة، إضافة إلى تنسيقه، مع العثمانيين متعهدا بإقرار سلطتهم الإسمية، وعاد فيصل إلى شبه الجزيرة لتبدأ الحقبة الثانية من الدولة، بعد أن دارت رحى الحرب الأهلية مرة أخرى هناك لإزاحة بن ثنيان، والتي انتهت لصالح فيصل في الرياض.

صراع الأخوة والقبائل تحت مظلة الإنجليز
بوفاة فيصل، الذي قام بتصليب الدولة الثانية وأكسبها معالمها التنظيمية، بالتوافق مع «بيلي» المقيم السياسي البريطاني في «بوشهر» وبتوقيع معاهدة حماية بريطانية للدولة ونجد معه، تولّى ابن فيصل، عبد الله، الحكم، ونازعه أخوه سعود لتندلع الحرب الأهلية مرة أخرى ويسود الانقسام كامل نجد، في ظل انضمام قبائل نجران والجنوب إلى سعود، الذي هاجم الرياض لإسقاط حكم أخيه وفشل في ذلك، ثم فرّ نحو الصحراء ليستجمع قواه ويعيد الهجوم، الذي نجح بالفعل، وسيطر سعود على الرياض في ظل غضب شعبي بداخلها تجاهه، مع فرار أخيه عبد الله إلى الكويت.

كان آل الرشيد المسيطرين على حائل، الخارجة عن سيطرة الدولة السعودية الثانية، يرقبون الموقف عن كثب، مترقبين فرصة مواتية للانقضاض على حكم آل سعود وضم الرياض، مركز ثقل الدولة، وما يسيطرون عليه من مناطق، واستغلوا التطاحن بين الأخوين من ناحية وأخيهم عبد الرحمن بن فيصل، الذي انضم للصراع قادما من العراق، وحاربوا عبد الله الذي خرج منتصرا من التطاحن العائلي، وحاربوا، بعد وفاته، أخاه عبد الرحمن، الذي فرّ إلى البحرين، وقام بمحاولة أخيرة لاستعادة السلطة انطلاقا منها، لكنه هُزم في حريملاء على يد محمد بن الرشيد، ليُسدل الستار على الدولة السعودية الثانية بعد اقتتال شمل كامل عناصرها وقراباتها لنحو سبعين عاما.

 

البديل

 

 

 

 

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى