تحليلات

سلطة المؤسسة الدينية في السعودية.. هل أفلَّ نجمها؟

 

تتوالى سياسة تنفيذ التوجهات الجديدة في المملكة العربية السعودية، والتي تصب في خانة تقليص صلاحيات المؤسسات الدينية الرسمية، وتفضي بالتالي إلى تهميش دور العلماء، وتراجع تأثيرهم في المجتمع السعودي بحسب باحثين ومحللين.

وكانت الحكومة السعودية قد أقدمت على تجريد هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من صلاحياتها طبقا لقانون جديد صدر عن مجلس الوزراء في مارس سنة 2016.

واقتصر دور رجال الهيئة بحسب ذلك القانون على إخبار أفراد الشرطة أو إدارة مكافحة المخدرات عن الاشتباه في شخص معين، وليس من حق أعضاء الهيئة إيقاف الأشخاص أو التحفظ عليهم أو مطاردتهم أو طلب وثائقهم، أو التثبت من هوياتهم أو متابعتهم.

وأظهرت الاحتفالات بيوم العيد الوطني السعودي السابع والثمانين، إقامة حفلات مختلطة شاركت فيها النساء جنبا إلى جنب الرجال، وهم يغنون ويرقصون معا في شوارع المملكة، وهو ما أحدث ردود فعل ساخطة على مواقع التواصل الاجتماعي، إذ انتشر على صفحاتها هاشتاغ بعنوان “الوطنية ليست بالمعاصي”.

وجاء قرار العاهل السعودي بالسماح للمرأة السعودية بقيادة السيارة، مربكا للمؤسسة الدينية، وتحديدا لهيئة كبار العلماء، التي أيدت القرار وباركته، وهو ما عرضها لسيل من الانتقادات القاسية، لأن ما كانت تعده سابقا مفاسد جراء قيادة المرأة تحول فجأة بعد قرار ولي الأمر الملك سلمان إلى مصالح متحققة وفقا لتغريدات ومنشورات ناقدة.

وقد فتحت تلك السياسات والقرارات أبواب التحليل السياسي لتحديد مستقبل العلاقة بين المؤسسة الدينية الرسمية،والعلماء من جهة والنظام السعودي من جهة أخرى، وهل ستفضي تلك القرارات التي تصفها الصحافة السعودية بالتاريخية إلى أفول نجم “السلطة الدينية” في السعودية، بعد تقليص صلاحياتها، وتهميش دورها؟.

من المعروف تاريخيا أن طبيعة العلاقة بين النظام السعودي والعلماء بدأت بشراكة بينهما، حيث كانت العائلة المالكة تكتسب شرعيتها الدينية والسياسية من دعم المؤسسة الدينية الوهابية لها، لكن بعد اكتشاف النفط وتراكم الثروات النفطية، وبناء المؤسسات السياسية تراجعت حصة المؤسسة الدينية في هذه الشراكة بحسب الكاتب والباحث الكويتي حامد الحمود.

ولفت الحمود في حديثه لـ”عربي21″ إلى أن “ميزانية المؤسسة الدينية، وامتيازات علماء الدين تمر عبر الدولة، ذات السطوة في تفضيل عالم على آخر، ومن الطبيعي أن تفضل الدولة علماء الدين الأقل مشاكسة، الذين لا يتدخلون في القرار السياسي الذي تقرره السلطة السياسية، أو أن يقتصر تدخل علماء الدين في السياسة على الإجابة عن الأسئلة التي تطرح عليهم”.

وأضاف الحمود “لذا فإن العلاقة تبدو معقدة وحساسة بشكل كبير، لأن الطرفين بحاجة إلى بعضهما لتحقيق الاستقرار السياسي، ولعل أهم حاجة من حاجات الدولة للمؤسسة الدينية الوهابية (المرجعية) تتمثل في ضرورة وقوفها مع السلطة ضد حركات إسلامية أخرى تتحدى النظام، أو تدعو إلى مشاركة أكثر في اتخاذ القرار السياسي”.

وتابع الكاتب الكويتي قوله “ميزة المؤسسة الدينية السعودية أنها لا تتدخل في الشأن السياسي إلا إذا دُعيت لذلك، فرجالاتها ليسوا “مشاكسين” مثل الإخوان المسلمين، الذين يحملون أهدافا سياسية، ويبدون الرأي في كل ما يتعلق بإدارة البلاد سياسيا واقتصاديا واجتماعيا”.

وجوابا عن سؤال: كيف يقرأ السياسات والقرارات السعودية الأخيرة؟ وما مدى تأثيرها على دور المؤسسة الدينية؟ قال الحمود “يرى البعض أن دور أو ثقل المؤسسة الدينية بدأ يضعف في الآونة الأخيرة، وهو صحيح لكن الخطأ يكمن في تحديد بدايته، والذي بدأ منذ أن بدأت الدولة تصدر أول برميل نفط، وليس حين السماح للمرأة بقيادة السيارة” بحسب رؤيته.

وذكر الحمود “أن من اعتقد بهذا الرأي، إنما وصل إليه لأنه كان يبالغ أصلا في تقدير الثقل الحقيقي للمؤسسة الدينية السعودية”، متابعا حديثه “صحيح أن السماح للمرأة بقيادة السيارة اتخذ بالرغم من معارضة كثير من علماء الدين، وربما لم يكن ليمر لو تم إجراء استفتاء عليه، لكن الملك كان حكيما حينما استمع إلى آراء نخب سياسية واجتماعية وسياسية، واقتنع بها، وكان حكيما باستشعاره لحاجات آلاف النساء من ذوات الدخل المحدود، واللائي ليس بمقدورهن دفع تكاليف توظيف سائق، وتوفير مكان لإقامته.

ورأى الحمود أن “موضوع سياقة المرأة في السعودية شبيه بإعطاء الحق للمرأة الكويتية بالتصويب، ولو ترك الأمر لمجلس الأمة بوعيه المتواضع لكان مصيره الرفض، لكن تدخل المغفور له جابر الأحمد غير اتجاهات بعض الأعضاء ليحصل قرار مشاركة المرأة السياسية”.

وأضاف “كان الملك سلمان بحاجة إلى فتوى دينية لدعم قراره بالسماح للمرأة بقيادة السيارة، وتمكن من إقناعهم، لكنه لو أراد إقناعهم بإصدار فتوى بالاستمرار في منعها من قيادة السيارة لتمكن من ذلك أيضا” مبينا أن “جزءا قليلا من شرعيته مستمدة من علماء الدين لكن شرعيته الحقيقية مستمدة من قدرة الدولة على صرف رواتب مئات الألوف من الموظفين، وتوفير الأمن والرعاية الصحية والتعليم لملايين المواطنين، فالحكم للملك، والإمامة لعلماء الدين”.

في السياق ذاته لاحظ الباحث السياسي المصري، المتخصص في الشأن السلفي، مصطفى حمزة أن “القرار الأخير بالسماح للمرأة بقيادة السيارة كشف عن وجود نية لدى النظام السعودي لاتخاذ قراراته المتعلقة بالدين بعيدا عن سلطة المؤسسة الدينية، إلا إن الإفتاء وهيئة كبار العلماء تداركوا الموقف منعا لحدوث فتنة، وأفتوا بجواز الأمر شرعا”.

وأوضح حمزة لـ”عربي21″ أن هناك اتحاد في الرؤية ما بين هيئة كبار العلماء والدولة، باعتبارها جزءا منها، ومؤسسة من مؤسساتها، والمتتبع لها يلاحظ أنها تنزل أفعال حكامها على نصوص شرعية، لتأكيد عدم مخالفة مواقف حكامهم للشريعة الإسلامية”.

من جهته أكدّ الداعية المغربي السلفي، حسن الكتاني أن “العلاقة بين النظام السعودي والعلماء وطيدة، لأن الدولة قامت منذ نشأتها على فكر الحركة النجدية، وأخذت مشروعيتها منه، والممثلون له هم العلماء، وقد سوقت نفسها باعتبارها حامية لمنهج أهل السنة والجماعة السلفي” مضيفا “لكن اعتقالها للعلماء وانقلابها عليهم يعد هدما لمشروعيتها التي قامت عليها منذ تأسيسها”.

وردا على سؤال “عربي21”: هل يسعى النظام السعودي لفك ارتباطه بالمؤسسة الدينية بمرجعيتها الوهابية؟ قال الكتاني “مما لا شك فيه أن النظام السعودي يسعى لذلك، وقد بدا ذلك واضحا من تعطيله لمهام هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتوسيع صلاحيات هيئة الترفيه، ومن اعتقاله للعلماء العاملين، وعدم استشارته لهم في خطواته المستقبلية”.

واستبعد الكتاني قيام الدولة السعودية بفك ارتباطها نهائيا بالمنهج السلفي، لما في ذلك من هدم لمشروعيتها التي أسست عليها”.

وختم الكتاني حديثه بقوله: “قد تبقي الدولة السعودية على علاقة محدودة بمؤسسات تأخذ من السلفية بعض القشور، مع إدارة ظهرها للب الدعوة السلفية وجوهرها كما تفعل دول أخرى في أخذها ببعض الشكليات المذهبية وطرح جوهرها الحقيقي جانبا، وقد تُقرب علماء يناسبون توجهاتها الجديدة، فتعتبرهم العلماء المقبولين، في الوقت الذي تعتبر فيه معارضيها منحرفين”.

 

عربي 21

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى