تحليلاتشهداء الصلاة

تفجيرالقديح: الطائفية تمارس الجريمة

لقد فجعنا بهذه الجريمة الصلعاء التي استهدفت الأبرياء في القديح، رحم الله من قضى نحبه منهم، وشفى من أصيب وربط الله على قلوب الموجوعين.

بتلك الفعلة الشنيعة، لن يكون هدف الطائفيين هو فقط إيذاء المختلف المذهبي وظلمه والاعتداء عليه فحسب؛ بل أيضًا تفجير الوضع الطائفي واستفزاز الحالة الطائفية التي هي بذاتها لا تحتاج لمزيد من الاستفزاز والتصعيد.

الطائفية التي تمارس الجريمة لا تفعلها فقط تجاه شكلٍ واحد من أشكال الاختلاف؛ بل هي كأنها تتعامل مع قيمة الاختلاف والتعددية ذاتها كـ ”مرض معدٍ” ومخيف؛ لذلك يتعامل المجرم الطائفي مع المختلف بدرجات مختلفة بنفس المنطق الإجرامي الذي يعتقد أن بإمكانه التخلص مع المختلف المذهبي أو الفكري أو الديني أوالسياسي بحد السيف وبالعنف، وبهذه الطريقة فالحرب التي يخوضها الطائفي حرب لا يمكن لها التوقف إلا حينما تتوقف عن الحياة عن القبول بالتعددية والاختلاف، وهذا شيء لا يمكن له أن يكون.

حينما تمارس الطائفية الجريمة فهي قد تبررها بجريمة أخرى، وقد تلهم الطائفية المضادة، وتمارس أشكالًا مختلفة من الظلم والعدوان وقد تفعل كل ذلك باسم رفع الظلم ودفع العدوان، ولا يجوز ولا يمكن للمعتدي والظالم أن يرد أي عدوان أو ظلم بنوعٍ آخر من الظلم والعدوان؛ فالظلم لا يمكن كفاحه بظلم والطائفية لن تنتهي بطائفية مضادة.

أفضل طريقة لكفاح الجرم الطائفي هي في ضرب القيم العدوانية التي تدفع للجرم الطائفي، ولن يكون هناك أفضل في كفاح ذلك من الاعتراف بالاختلاف وتفعيل قيم الحقوق المشتركة للجميع والمشاركة السياسية وإشراك الجميع في العمل السياسي الذي ينخرط فيه الكل، وهي الطريقة التي تحمي على المدى البعيد قيم الناس واختلافهم وحقوقهم وممارسة الرقابة الشعبية في تحقيق قيم العدالة، وكل ذلك يقطع الخط على كل من يحاول استغلال الهوامش المختلفة في المجتمع لتفجير الوضع طائفيًا أو محاولة هزّ قيمة التعددية والاختلاف التي اعترفت بها قيم الأرض والسماء.

الطائفية حينما تمارس الجريمة، فهي لا تدافع عن طائفة ولا تحمي طائفة ولا تستهدف طائفة لوحدها فقط، ولكنها تحاول إعادة تعريف المجتمع طائفيًا وتحاول تفجير الحساسية من الاختلاف وضرب المجتمع للنفوذ إليه وزرع بذور السيطرة الظالمة باسم الطائفة التي تصغر مع كل اختلاف ومع كل حدث، وتضمر تجاه كل مختلف؛ فـ ”المرتدون” في ذهنية الطائفي تشمل تقريبًا كل الناس إلا فئةً قليلة ضئيلة تشترك في كل شيء أو يجب عليها ذلك!

طائفية الطائفي التي تدفعه لاستخدام العنف للتعامل مع المختلف، هي بالتحديد موطن جريمته، ولأن هذا هو الباعث الأساس للجريمة الطائفية؛ فإنه مهما ظهر أن الطائفي يجنح باتجاه طائفة محددة إلا أن حقيقته تشير إلى أن تعريفه لنفسه يعني أنه قد يؤجل بعض النزاعات الصغيرة أو يتحاشى تكتيكيًا بعض الخلافات لغرض سياسي أو تكتيكي خاص، لكنه في الحقيقة ينظر لكل تلك الخريطة الواسعة والدنيا الشاسعة كألوان طيف لشريحة محددة يصنفهم كـ “مرتدين”، فهو قد يحمل أولوية عدوانية لاستهداف نوعية معينة من “المرتدين” -كما يزعم- ويؤجل تفجير وضع نوعية أخرى من المرتدين، لكن فكرة تلك الحرب الشاملة تجاه كل هؤلاء “المرتدين” بكل خلفياتهم الثقافية والدينية قد تصبح حتمية لدى هذا الفكر الطائفي المريض.

إدانة الجريمة الطائفية تعني بشكل قيمي وأخلاقي إدانة كل أشكال الجريمة الطائفية أيًّا من كان المجرم فيها، وأيًّا من كان المعتدى عليه؛ لأن الطائفيين إخوةٌ لعلّات، يبرر بعضهم لبعض، ويبرر بعضهم وجود بعض، ويكتسب أحدهما أهميته وشرعية وجوده المزعومة من الآخر؛ لذلك فإن الطائفي دائمًا ما يصرّ ويضغط على وجود الطائفي الآخر في محاولة لا شعورية لدعمه؛ لأنه المتطرف الآخر الذي يستعير وجوده من وجود ذاك، ومهما كان بينهما “طائفيًا” بعد ما بين المشرقين؛ إلا أن العقلية المعلولة الطائفية تجمعهما، لتبرر لكل جريمة طائفية وتسوّغ العمل الطائفي، أو قد تدين نوعًا محددًا من الجريمة الطائفية لتبرر نوعًا آخر.

في النهاية.. الجريمة الطائفية عملٌ مريض وجبان، لا يمكن علاجه إلا بمزيد من الاعتراف بالاختلاف وتحقيق قيم العدالة والحقوق والحريات، وتفعيل آلية المشاركة السياسية.

عبد الله العودة 

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى