مقالات

اليمن الحزين.. مبذّرون وموت بطيء

بعد قصف السعودية وحصارها للمشافي، والجسور والمراكز الطبية والموانئ، كما أفصحت عن نفسها في التهديد الشديد اللهجة بتدمير وشيك لميناء الحديدة، والذي تدخل عن طريقه 80% من المساعدات الإنسانية الدولية إلى اليمن، كما نشرت صحيفة واشنطن بوست أخيرا، وهو الميناء اليمني الذي مازالت على متن رصيفه رافعات صالحة للعمل وتحميل البضائع. أفلا يحق لعاقلٍ التساؤل عن حيوات الأطفال اليمنيين التي كان يمكن انتشالها من مسغبتها بمبلغ 100 مليون دولار؟

مصعب قاسم عزاوي

 

تناقض وجوه أي حكاية وتقاطبها قد يمنحها صفة الملحمية، أو المأساوية، أو يدخلها في حيز المضحك المبكي على طريقة الكوميديا السوداء. نشرت صحيفة الإندبندت، قبل أيام، أن العاهل السعودي، سلمان بن عبد العزيز، أنفق مائة مليون دولار في عطلته الصيفية في طنجة؛ وهو خبر قد يحمل مسحةً إيجابية من التطور الظاهري بانزياح اتجاه إنفاق ثروات العرب النفطية، ليذهب بعض ما قد يتبقى منها، بعد تلقف الحيتان والقطط السمان لها، إلى جيوب المواطن المغربي.

ولكن كل ما قد يتفتق الذهن المتقد عنه من محاولة لنبش أي إيجابية في ذلك الإنفاق المهول، يتضاءل عند قراءة تقرير منظمة الصحة العالمية الذي صدر أخيرا، وجاء على إصابة أكثر من “542000 مواطن في اليمن بالكوليرا بشكل مثبت، ووفاة أكثر من ألفي شخص إلى الآن من جرّاء تلك الجائحة”، وهو المرض المرتبط عضوياً بضعف الجهاز المناعي الناجم عن سوء التغذية، وقلة الوارد من البروتينات، وهو مرض فتاك، وخصوصا في الأجسام الناحلة للأطفال الذين لم ينضج جهازهم المناعي بشكل ملائم لمقاومتها، وهو ما يعزّزه استمرار استهلاك الغالبية الساحقة من أبناء الشعب اليمني مياه الآبار الملوثة بكل ما يتسرب إليها من نفايات وفضلات بشرية، بعدما هشّمت الآلة الحربية السعودية، ومن لفّ لفّها، كل البنية التحتية للماء الصالح للشرب على امتداد الجغرافيا اليمنية.

وإذا سلمنا بطهرانية النيات السعودية في حصار المشافي وفصفها، والجسور والمراكز الطبية والموانئ، كما أفصحت عن نفسها في التهديد السعودي الشديد اللهجة بتدمير وشيك لميناء الحديدة، والذي تدخل عن طريقه 80% من المساعدات الإنسانية الدولية إلى اليمن، كما نشرت صحيفة واشنطن بوست أخيرا، وهو الميناء اليمني الذي مازالت على متن رصيفه رافعات صالحة للعمل وتحميل البضائع. أفلا يحق لعاقلٍ التساؤل عن حيوات الأطفال اليمنيين التي كان يمكن انتشالها من مسغبتها بمبلغ 100 مليون دولار؟

لا توجد إحصائيات حكومية معلنة عن نفقات الحرب في اليمن، لكن الصفقات السعودية لشراء أسلحة وذخائر وعتاد وصيانة قاربت أربعة مليارات دولار من بريطانيا فقط خلال السنتين الماضيتين بحسب ما أعلنت عنه الحكومة البريطانية ونشرته وكالة سي سي إن الإخبارية، بينما الصفقات العسكرية الموقعة أخيراً مع الولايات المتحدة، وتصل فاتورتها إلى 350 مليار دولار، توحي بالتكاليف الهائلة التي يستدعيها الاستمرار في معركة كسر العظم والتوازن السرمدي بين اللاغالب واللامغلوب الراسخ في اليمن التعيس، وهو التوازن الذي لا يمكن لأي قارئ للتاريخ القديم وغيره استخلاص سواه، في ضوء أن كل غزاة التاريخ القديم والمعاصر من الإسكندر المقدوني، مروراً بهولاكو، وتيمورلنك، وصولاً إلى البرتغاليين، وبعدهم الإنكليز، لم يتمكنوا من السيطرة على أرضه المعقدة التضاريس، وشعبه المغرق في كبريائه وأنفته التي تتفارق مع أي ممكنات لتركيعه بالقوة، وهو ما قاد الإنكليز “أكثر الإمبرياليين خبثاً ووحشية”، بحسب توصيف شيخ المؤرخين الأميركيين، هوارد زين، إلى الاكتفاء باحتلالهم محافظة عدن، وترك بقية اليمن للاحتراب بين الإدريسيين والسعوديين وأنصار الإمامة، في وقتٍ كانت امبراطوريتهم لا تغيب عنها الشمس.

هناك إجماع لدى كل المحللين السياسيين، لخصته صحيفة نيويورك تايمز، للمأساة اليمنية بأنّه

“أفلا يحق لعاقلٍ التساؤل عن حيوات الأطفال اليمنيين التي كان يمكن انتشالها من مسغبتها بمبلغ 100 مليون دولار؟” “موت بطيء”، وأنّه “أسوأ كارثة إنسانية على المستوى الكوني منذ الحرب العالمية الثانية”. وهذا يقود إلى تساؤل منطقي عن الكيفية التي سوف يستجيب لها كل الأفرقاء في اليمن، بكل أطيافهم وتوجهاتهم، إن تم إنفاق كل تلك الملايين والمليارات من صبيب البترودولار العربي لإقامة مستشفيات ومدارس، وإنشاء شبكات للطرق، والصرف الصحي، ومزارع وموانئ على أرض اليمن، ليعمل بها مواطنه البسيط، مستقيلاً من سلاحه وغضبته الجاهلية على إخوته وأبناء عمومته، فيقيت أطفاله بها، بدل أن ينتظر أوان إطباق الموت البطيء عليهم، بالكوليرا أو بغيرها من الكوارث الصحية والأوبئة التي “تتربص بالشعب اليمني”، على حد تعبير مدير برنامج الطوارئ الصحية في منظمة الصحة العالمية، بيتر سلامة، لتزيد الوجع اليمني أوجاعاً وفواجع بجوائحِ أمراضٍ ظنت البشرية بانقراضها منذ زمن بعيد.

والجواب الصدوق على التساؤل الضاغط أخيرا قد يكمن في الظن العاقل أنّ غلواء الحرب وعصبية داحس والغبراء بين أبناء العمومة لا يمكن أن تتفوق على حس الأبوة لدى كل الأفرقاء اليمنيين المحسورين الذين يعايشون يومياً كيف تذوي فلذات أكبادهم بين أيديهم، وهم لا حول ولا قوة لهم إلا بالدعاء على كل من طغى وتجبّر، معتقداً أنّ المؤمنين شعوبا وقبائل، لا خيار لها سوى الاحتراب فيما بينها، وأنّ المبذّرين المسرفين من نِعَمٍ ظَنّوها سرمدية أقانيمُ للملائكة تعتقد بسيرها على سنن السلف الصالح من الأتقياء الصديقين، بينما الحق قد يكون في أنهم في غِيّهم يعمهون، مرائين مجرمين بكل نفس يمنية أزهقوها بغير وجه حق.

العربي الجديد

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى