تحليلات

المـال قد يشتري الذمم، لكنه لا يضمن ولاء الشعوب

المتابع لتفاعل الشباب العربي على شبكات التواصل الاجتماعي ومواقع الإنترنت حول الأحداث الخطيرة التي تعصف بوجود العرب ومصيرهم اليوم، يقف عند مجموعة ملاحظات لافتة، تؤكد أن نسبة الوعي لدى القوى الحية في الأمة وصلت مستوى يفوق بكثير مستوى ما يطرحه عديد الكتاب من ادعاءات، خصوصا منعدمي الضمير من كتاب الزيت، ولعل من أبرزها ما يمكن تلخيصه كالتالي:

الملاحظة الأولى: هناك تركيز غير مسبوق على فضح ما تقوم به “السعودية”، باعتبارها رأس حربة في كل ما حصل ويحصل للأمة العربية والإسلامية من كوارث ومآسي لم يعرف لها التاريخ نظيرا.

الملاحظة الثانية: إن “السعودية” تستطيع أن تشتري بالمال الحرام الذمم الفاسدة، سواء على مستوى الحكام أو النخب الدائرة في فلكها من ساسيين ورجال دين وإعلاميين ومرتزقة، لكنها قطعا لن تستطيع شراء محبة الشعوب واحترامها فأحرى ولائها.

الملاحظة الثالثة: بإمكان السعودية التزود بما تشاء من أسلحة وعتاد وتجهيزات تكنولوجية متطورة، لكنها لا تملك قضية عادلة ولا مقاتلين أكفاء لتحقيق أهدافها، لأن الانتصار يتطلب توفر عقيدة متينة، وإرادة حرة، وعزيمة ثابتة، وثقافة التضحية، وهي مقومات يمكن تسويقها بالكذب والتضليل من خلال الإعلام المدفوع الأجر، لكنها لا تستطيع أن تصمد أمام الواقع حين يكشف رجال الله في الميدان زيفها..

الملاحظة الرابعة: إن كل ما تقوم به “السعودية” من حروب مباشرة أو بالوكالة من خلال سلاح الإرهاب في المنطقة، يصب رأسا في مصلحة أمريكا و”إسرائيل”، على حساب وجود ومصير العرب والمسلمين، ومن يعتقد بغير هذه الحقيقة الواضحة وضوح الشمس في قبة السماء لا يمكن أن يكون إلا أعرابيا منافقا أوصهيونيا متواطئا، أو في أحسن الأحوال غبيا يعيش منسلخا عن الواقع..

الملاحظة الخامسة: إذا كانت “السعودية” تقول، أن كل ما تقوم به من قتل ودمار وخراب في المنطقة هو لصالح العروبة والإسلام، فلماذا تدين بالولاء لأمريكا بدل الله وأمة محمد، وتتحالف مع “إسرائيل” سرا وعلنا بدل محاربتها، وتصر على أن يكون هذا السرطان المزروع في جسد الأمة مكونا طبيعيا من مكونات المنطقة، في حين تعلن الحرب على العراق وسورية وليبيا واليمن ولبنان وغزة بدعوى مواجهة إيران المسلمة، بدل الاستثمار في التقارب معها بالحوار والتعاون الأمني والعسكري والتجاري والثقافي والعلمي والتكنولوجي، وإقامة مشاريع تنموية عملاقة مشتركة تعود بالخير العميم على العرب والمسلمين، حتى لا يبقى جاهل أو فقير أو مريض أو عاطل، وتتحول الأمة إلى قوة حضارية عظمى يحترمها الشرق والغرب؟..

الملاحظة السادسة: كيف يمكن أن تكون العروبة والإسلام هما المستفيدين من كل هذا القتل والدمار والشر الذي يمزق الجسد العربي والإسلامي تحديدا، وكيف يمكن بعد كل ما حصل من كوارث ولا يزال الحبل على الغارب، أن تدعي “السعودية” أحقية الزعامة على العرب والمسلمين؟..

الملاحظة السابعة: لا شك أن “السعودية” بلد غني جدا، بل هو الأغنى عربيا بفضل الريع لا الإنتاج، لكن حكامه جهلة وأغبياء.. وإذا اجتمع مال الريع مع الجهل والغباء، يكون المولود في هذه الحالة نظاما مشوها فاسدا وخائنا، لا يستطيع حماية فساده إلا بتأبيد ظلمه واستبداده ضدا في قوانين الأرض وشرائع السماء، ولا يستطيع حماية نفسه من خيانته لأمته إلا باستجداء الغطاء الأمني من أسياده في واشنطن وتل أبيب.

وبناء عليه، فإن الحرب التي تخوضها السعودية ضد العرب والمسلمين بسلاح المال والإرهاب، هي حرب أمريكية صهيونية بامتياز، وحيث أنها كذلك، فهي حرب ضد الله ودينه وعباده المستضعفين في الأرض، لأنها حرب ضد “الإسلام” كما يدرك الجميع بعد أن تحول “الإسلام” إلى عدو بديل عن الشيوعية زمن الرئيس ‘رونالد ريغان’..

ووفق حسابات العقل والمنطق وسنن الله في التاريخ والخلق، يستحيل أن تكسب “السعودية” بدعم أسيادها من الخلف حربها الجاهلية هذه حتى لو استثمرت فيها كل مذخراتها، وجندت لها مرتزقة العالم وشياطين الأرض، لأسباب بديهية معروفة.. وهي أن المال لا يستطيع أن يحول عقيدة فاسدة إلى عقيدة صالحة، ولا يستطيع أن يستأجر إرادة الجيوش النظامية الحليفة والصديقة لأنها لا تملكها، ولا يستطيع أن يطفئ نور الله ليسود ظلام الجاهلية حتى لو اشترى ضمائر كل حاخامات الجهل، لأن النور لا يرى ولا يدرك، و وحده الله من يتحكم فيه فيقذفه في قلوب عباده المخلصين، وبالتالي، من لا يستطيع التحكم في نور الله لا يستطيع أن يؤلف بين قلوب الناس ليكسب ولائهم..

وإذا كان الصهاينة في عقيدة ‘أل سعود’ أبناء عمومة لا تجوز محاربتهم لأنهم شعب الله المختار ولهم الحق في الولاية على أرض الميعاد كما يقول تلمودهم.. وإذا كان العدو هو إيران “الشيعية” التي تناهض الاستكبار وترفض وجود “إسرائيل” وتدعم المقاومات العربية والإسلامية لتحرير الأرض، وتستثمر في مساعدة الشعوب المستضعفة على التحرر من نير الاستعمار وظلم الإقطاع… فلماذا لا تعلن مملكة الشر والظلام الحرب مباشرة ضد إيران بدل أن تذبح الشعوب العربية وتبيدها انتقاما منها، لا لذنب سوى لأنها قررت التمرد على التبعية للاستعمار، واختارت نهج المقاومة الذي أوصاها به قرآنها، طمعا في وعد السماء بأن يورثها الأرض التي تدفع الدماء الزكية قربانا لتطهيرها من رجس وفساد وكلاء الشيطان الأنجاس؟..

“السعودية” لا تستطيع الانتصار بالإرهاب مهما حاولت، فقد جربت لسنوات في أكثر من دولة ومنطقة من العالم ولم تنجح، ووصل شرها إلى أمريكا وأوروبا وروسيا والصين وإفريقيا، وحصدت كراهية شعوب الأرض واحتقارها، وأصبح ‘آل سعود’ اليوم رمزا للشر والإرهاب لدى كل شعوب الأرض..

حتى الرئيس ‘أوباما’ الذي ادعى بالخديعة أنه جاء للمنطقة العربية لنشر ثقافة الديمقراطية وحقوق الإنسان، تنصل من ذلك كله بعد الانقلاب العسكري الذي دعمته “السعودية” لإجهاض التجربة الديمقراطية الفتية في مصر، ولم يجد ما يقنع به شعبه بعد أن بدأت الأسئلة تتناسل حول علاقة أمريكا ببلد يفرخ الإرهاب ويدعمه كـ”السعودية”، وحول طبيعة التحالف القائم بين نظام ديمقراطي كالنظام الأمريكي ونظام غير شرعي، قبلي، رجعي، فاسد ومستبد كالنظام السعودي، ويدعي بوقاحة منقطعة النظير أنه يقاتل إلى جانب أمريكا من أجل إقامة الديمقراطية في سورية والعراق وليبيا والدفاع عن الشرعية في اليمن ضدا في شرعية الثورة ودون تفويض من الأمم المتحدة..

وعندما ووجه الرئيس أوباما بهذه الحقيقة خلال مقابلة تلفزيونية مع قناة ‘بلومبرغ’ الشهيرة مطلع سنة 2014، من خلال سؤال: “أيهما في رأيك أكثر خطراً: التطرف السني، أم التطرف الشيعي؟”..

جاء جوابه مباشرا ودون لف أو دوران حتى لا يفقد ما تبقى له من مصداقية فقال: “عندما تنظر إلى السلوك الإيراني ستجد أن الإيرانيين استراتيجيون، وليسوا متهورين، يملكون رؤية عالمية، ينظرون إلى مصالحهم، ويستجيبون لعوامل الكلفة والفائدة. هذا لا يعني أن إيران ليست دولة ‘دينية’، لكن إيران ليست كوريا الشمالية.. إيران دولة كبيرة وقوية، ترى نفسها لاعباً مهماً على المسرح العالمي (وليس الإقليمي فحسب)، ولا أظن أنها تملك رغبة انتحارية، بل يمكنها الاستجابة للحوافز”.

وتعليقا على هذا التصريح الواضح الفاضح الذي تناول فيه ‘أوباما’ إيران وتجنب الحديث عن “السعودية”، علق الكاتب السعودي ‘خالد الدخيل’ في إحدى مقالاته بمناسبة اجتماع ‘كامب ديفيد’ بالقول: “ليس من الصعب في هذا الإطار الاستنتاج من صمت الرئيس هذا، بأن العرب وفق رأيه هم على النقيض، بصيغة أو أخرى، من الإيرانيين. أي أنهم أقل رؤية استراتيجية، وأكثر ميلاً للتهور”.. وكان حريا به أن يستبدل كلمة التهور بـ”الانتحار” ليكون أكثر دقة.

لكن ما لم يدركه الوكلاء في مشيخات الزيت وعلى رأسهم ‘آل سلول’، هو أنهم أضعف مما يتصورون، وأن الحماية الأمريكية لهم ليست في الحقيقة سوى وهم وسراب، لسبب بسيط، وهو أن ‘أوباما’ لا يستطيع أن يوقع معهم اتفاقية للدفاع المشترك فيرفعهم لمصاف الحلفاء الإستراتيجيين مثل “إسرائيل”، أو الغرب الأطلسي، أو حتى اليابان وكوريا الجنوبية التي عقدت معهما الولايات المتحدة اتفاقية الدفاع المشترك من خارج المظلة الأطلسية، وذلك لأن الكونجرس الأمريكي ليس في مقدوره تمرير أتفاقية باسم الشعب “السعودية” التي لا تملك مقومات دولة القانون والمؤسسات، ولا تتشارك نفس القيم الحضارية مع الغرب وعلى رأسها تقديس الحرية والالتزام بآليات الديمقراطية واحترام مبادئ حقوق الإنسان..

وحيث أن الأمر كذلك، فقد فهم آل سعود الأغبياء اليوم هذه الحقيقة، وتيقنوا أنهم بالنسبة لأمريكا ليسوا سوى عملاء حقيرين ووكلاء محليين بلا شأن ولا قيمة، ينفذون سياساتها في المنطقة، وفي حال فكروا في التمرد على أسيادهم في واشنطن كما هدد ‘بندر بن سلطان’ عندما رفضت أمريكا ضرب سوريا عسكريا وقال أن المملكة ستبحث لها عن حلفاء آخرين، فإن الطرد سيكون مصيرهم كما حدث مع أمير قطر ووزير خارجيته، وسترمي بهم أمريكا في مزبلة التاريخ كمناديل ورق المراحيض، تماما كما حصل مع بن علي ومبارك وغيرهم من قبل..

اليوم، أما ‘آل سعود’ فرصة أخيرة بعد أن فشلوا في العراق وسورية بالإرهاب واليمن بعاصفة الإجرام ويخططون لعاصفة وهم جديدة في شمال سورية بمعية تركيا وقطر، وتتمثل الفرصة الأخيرة إن جاز التعبير، في مدى قدرتهم على إشعال فتنة طائفية راهنت عليها أمريكا كثيرا لتنفيذ استراتيجيتها القاضية بتمزيق الشعوب العربية والإسلامية وتقسيم أوطانها على أسس عرقية وطائفية ومذهبية، وهو ما تعمل عليه المخابرات السعودية جاهدة بمساعدة الموساد، بموازاة التحريض المذهبي غير المسبوق الذي يروج له إعلام الزيت، لتحرق اليابس والأخضر إلى أن تتدحرج كرة النار إلى الداخل الإيراني فتسقط الثورة الإسلامية التي تعمل من أجل الوحدة بين شعوب المنطقة، لمناهضة الهيمنة الأمريكية والوجود الإسرائيلي، وتساعد الشعوب المستضعفة على التخلص من حكامها الظلمة الخونة..

وهذا مشروع كبير وخطير، سنتناوله في مقالتنا المقبلة، لرصد مكامن قوته وضعفه، واستشراف إمكانية نجاحه من عدمه، وفي ذات السياق، سنتطرق لما حضر له محور المقاومة من خطط لمواجهته، وفق ما يتبين من المعلومات المتداولة والمعطيات المتوفرة، بالمقارنة مع تطورات الأحداث..

وللإشارة، فهذه ليست ثورة من أجل الخبز، لأن الإنسان لا يعيش ليأكل كالحيوان، بل حرب وجود ومصير لن تتوقف حتى تتحرر الإرادة، وتتمتع الشعوب المقاومة والأجيال القادمة بالحرية والكرامة والسيادة..

أحمد الشرقاوي

بانوروما الشرق الأوسط 

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى