تحليلات

وافدو الرياض بين نارين

 

عصام سحمراني

كثير من الوافدين إلى السعودية لا يتحمّلون العودة إلى بلادهم، لكنّ قراراً أخيراً للسلطات بدأ تطبيقه مطلع الشهر الجاري، سيضطرهم إلى ذلك بسبب الضريبة المالية المرتفعة على مرافقيهم

بعد البدء بتطبيق قرار جديد في السعودية تجاه الوافدين قد يفضّل كثير من هؤلاء تقاضي راتب أقل. فالمفارقة أنّ ذلك القرار الصادر عن مجلس الوزراء يحتّم على كلّ عامل وافد يتقاضى راتب 3 آلاف ريال سعودي (800 دولار أميركي) أو أكثر في القطاع الخاص، دفع 100 ريال شهرياً (27 دولاراً) عن كلّ تابع ومرافق له (زوجته وأولاده وغيرهم من أفراد عائلته)، ترتفع إلى 200 ريال شهرياً العام المقبل. وهو القرار الذي بدأت المديرية العامة للجوازات تنفيذه ابتداء من أول يوليو/ تموز الجاري، بالمشاركة مع وزارة المالية ومركز المعلومات الوطني.

لكنّ تفضيل الوافدين تخفيض رواتبهم مستحيل، فالحدّ الأدنى للأجور هو 3 آلاف ريال، وهو ما يعني أنّ المؤسسات لا يمكنها أن تعلن أمام وزارة المالية عن رواتب بأقلّ منها. هي معضلة كبيرة إذاً أمام الوافدين، فبحسبة بسيطة فإنّ على كلّ وافد معه عائلته المؤلفة من زوجة وثلاثة أطفال أن يدفع عليهم 400 ريال سعودي هذا العام بالذات، قبل أن نتحدث عمّا يدفعه أساساً من إيجار منزل ورسوم مدرسية وغذاء ودواء، وعمّا يدفعه على إقامته. وقبل أن نتحدث عن الضريبة المتصاعدة عاماً بعد عام إذ ستصل عام 2020 إلى 400 ريال سعودي عن كل مرافق أو تابع. هو قرار يهدف إلى طرد ما أمكن من العمال وعائلاتهم من السعودية بحسب كثيرين، وبكلمات ألطف هو دفع لهؤلاء خارج السعودية طوعاً بعد عجزهم المتوقع شهراً بعد شهر عن السداد.

على مواقع التواصل الاجتماعي تسبب القرار بكثير من الجدل، فبينما عارضه الوافدون وسعوديون متضامنون، أيّده كثير من السعوديين باعتبار “السعودية للسعوديين” كما قالوا. لكنّ الديموغرافيا السعودية تكشف الكثير في هذا الخصوص، إذ تشير أرقام الهيئة العامة للإحصاء في السعودية إلى أنّ عدد سكان المملكة بلغ 31.7 مليون نسمة في نهاية عام 2016، من بينهم 11.7 مليون أجنبي. وهو ما يؤكد أنّ الوافدين حقيقة ديمغرافية واقتصادية في البلاد، ويشير بالتالي إلى أنّ القرار الأخير سيضع عقبات كبيرة أمام ثلث سكان البلاد.

الحديث عن عودة الوافدين إلى بلادهم انتشر كذلك بين كثير من مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي، لكنّ هؤلاء تغافلوا عن كون نسبة كبيرة من الوافدين هي من اللاجئين اليمنيين بالدرجة الأولى، وهناك عدد ملحوظ من اللاجئين السوريين. أي إنّ عودتهم إلى بلادهم مستحيلة في ظلّ الوضع الحربي القائم.

اليمنيون هم الأكثر تأثراً بمثل هذا القرار، إذ يتجاوز عددهم في السعودية مليون نسمة، كثير منهم جاء خلال الحرب، ويعيش على المساعدات في السعودية من دون أن يكتسب حق اللجوء سواء عبر الدولة أو عبر المنظمات الدولية التي يمكن أن تتكفل بمعيشتهم. وبذلك، فهؤلاء مضطرون إلى المغادرة إلى مناطق ما زالت تشهد عمليات حربية على الأرض، وقصفاً من قوات التحالف العربي الذي تقوده السعودية بالذات.

في ما يتعلق باليمنيين تتحدث الناشطة اليمنية بشرى المقطري إلى “العربي الجديد” حول قضيتهم. تشير إلى أنّ السعودية بسبب مجاورتها اليمن وثرائها مثلت لكثير من اليمنيين البسطاء، خصوصاً ذوي التعليم المتدني والمتوسط، سوق عمل يجذبهم ويمكّنهم من تحسين شروط حياتهم، كما مثلت خياراً لليمنيين الهاربين من الهزات السياسية والاقتتال الأهلي والأزمات الاقتصادية الخانقة. مع ذلك، تقول إنّ السلطات السعودية “تعاملت مع العمالة اليمنية في أراضيها كورقة سياسية استخدمتها ضد السلطات اليمنية المتعاقبة، منذ حرب الخليج الثانية إذ طردت مئات الآلاف منهم، فيما فرضت نظام الكفالة على من لم يغادروا، واستمرت هذه القوانين بعد الثورة اليمنية 2011 وأثناء الحرب الحالية”.

تقول المقطري إنّ قوانين سعودة الوظائف التي بدأت مطلع 2013 ضيقت على العمال اليمنيين بحرمانهم من العمل في قطاع الذهب والخضر وبيع وصيانة الهواتف المحمولة، ومن العمل في المولات والسوبرماركت، ما أفقد الآلاف من العمال مصادر رزقهم. أما الراتب الشهري الذي يتقاضاه العامل اليمني فلا يتعدى في أكثر الأحيان 3 آلاف ريال سعودي، يقتطع الكفيل ومعه التأمين والضرائب جزءاً كبيراً منه.

تتحدث المقطري عن الوضع القانوني لليمنيين في السعودية، فهؤلاء بحسب إحصائيات سابقة يتجاوزون مليون يمني، وهناك أيضاً من دخلوا إلى المملكة بشكل غير شرعي، قبل الحرب وخلالها، وقد تمكن نحو 300 ألف منهم من تسوية وضعهم القانوني بعد صدور مرسوم ملكي أثناء الحرب. وهناك آلاف اليمنيين، ومن بينهم قيادات سياسية في السلطة الشرعية، منحوا هوية مؤقتة وهي هوية زائر ثم ألغتها السلطات السعودية لاحقاً.

في خصوص قرار السلطات السعودية الأخير وتأثيره على اليمنيين، تقول المقطري: “القرار في المجمل يعني ترحيل العمالة اليمنية طوعيًا وبشكل قانوني، لأنّ العامل اليمني الذي يتقاضى 3500 ريال لن يستطيع سداد كلّ هذه الرسوم”. تنقل المقطري عن عامل يمني في السعودية قوله: “فرض عليّ بموجب القرار أن أدفع هذا العام 14 ألف ريال بالإضافة إلى رسوم التأمين الصحي البالغة 9 آلاف ريال سنوياً، وفي العام المقبل تتضاعف الرسوم وهكذا حتى عام 2020”.

مثل هذا الوضع لليمنيين خصوصاً، وكذلك للسوريين، دفع إلى إطلاق عريضة احتجاجية عبر الناشط ماجد مكاوي، شاركت المقطري في طرحها. تقول عن هذه الخطوة: “هدف العريضة مطالبة المبعوث الدولي إلى اليمن إسماعيل ولد الشيخ بالضغط على السلطات السعودية بالتعامل مع العمال اليمنيين والسوريين كلاجئي حرب بمقتضى القانون الدولي الإنساني والاتفاقيات التي وقعت عليها السعودية، ما يعني أنّ وجودهم في المملكة ليس منّة من السلطات السعودية ولا مكرمة. أرسلت العريضة إلى ولد الشيخ وننتظر الرد”. تستدرك: “شخصياً، لا أتوقع استجابة السلطات السعودية الفورية، لكن إذا تحولت قضية العمالة اليمنية والعمالة السورية إلى قضية رأي عام محلي ودولي، بما في ذلك إرسال رسائل إلى المنظمات الدولية الحقوقية وكذلك المنظمات المعنية باللاجئين والعمال فربما يؤدي ذلك إلى تغيير السلطات السعودية موقفها بعد إحراجها كدولة متدخلة في اليمن”.

يشار إلى أنّ الضرائب الجديدة تشمل العمّال الوافدين من جهة والتابعين والمرافقين لهم من جهة أخرى. وفي خصوص العمال فإنّ على كلّ منهم دفع 400 ريال شهرياً ابتداء من مطلع العام 2018 تتصاعد سنوياً إلى 800 ريال شهرياً عام 2020 في الشركات التي تضمّ أغلبية وافدة. أما في خصوص التابعين والمرافقين، فإنّ القرار يعرّف التابعين بأنّهم “الزوجة والأبناء الذكور ما دون 18 عاماً والبنات” والمرافقين بأنّهم “الأبناء الذكور فوق 18 عاماً، والزوجة الثانية (والثالثة والرابعة) والأب والأم، ووالد الزوجة، ووالدة الزوجة، العمالة المنزلية، وكلّ وافد مسجل على كفالة العامل الوافد”.

 

العربي الجديد

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى