تقارير

خاص: مملكة الرمال غير المستقرة: قرارات الفجر تُصعد بن سلمان للعرش

داخلياً فشلت القبضة الأمنية لوزارة بن نايف في اخضاع ووأد الحركة المطلبية في الأوساط السنية والشيعية رغم تسليط سيف الاعدام ورصاص الإغتيالات على أصحاب الرأي والمطالبين بالكرامة والحرية والعدالة والحقوق.. ورغم امتلاء السجون بآلاف المعتقلين, على خلفية المعارضة السياسية أو المشاركة في الاحتجاجات أو التعبير عن الرأي، ما تسبب في تنامي وتجذر النقمة الشعبية ضد الأسرة الحاكمة في المحيطين السني أو الشيعي.

 محمد المنصور ـ مرآة الجزيرة

عبر حزمة القرارات التي أصدرها الملك السعودي فجر الأربعاء 21 يونيو الجاري فتح أبواب العرش أمام ابنه المدلل محمد بن سلمان ليجعله قاب قوسين من التربع الرسمي على حكم مملكة الرمال غير المستقرة!.

القرارت غير المفاجئة لعموم المتابعين للشأن السعودي الداخلي تكفلت بهدم ما تبقى من الهيكل القديم لتراتبية الحكم في أسرة بن سعود. وقد سبق للملك عبدالله أن لوح بمعوله على جدرانه مذ أصدر مرسومه الملكي بتأسيس هيئة البيعة ثم استحداثه منصب ولي ولي العهد.

وبشكل عام فإن ما جرى لم يُستكمل والمتوقع أن تتواصل في الأسابيع و الشهور القادمة مفاعيله وتتبلور آثاره في إجراءات تشمل مختلف أجهزة الحكم. الانقلاب كان واضحاً ولكنه ليس مفاجئاً والمعطيات كلها كانت تشير لحدوثه وأن تنفيذه كانت مسألة وقت ليس إلا، وقد ساهم في التعجيل به العديد من الملفات والتطورات الإقليمية والداخلية.

فداخلياً فشلت القبضة الأمنية لوزارة بن نايف في اخضاع ووأد الحركة المطلبية في الأوساط السنية والشيعية رغم تسليط سيف الاعدام ورصاص الإغتيالات على أصحاب الرأي والمطالبين بالكرامة والحرية والعدالة والحقوق.. ورغم امتلاء السجون بآلاف المعتقلين, على خلفية المعارضة السياسية أو المشاركة في الاحتجاجات أو التعبير عن الرأي، ما تسبب في تنامي وتجذر النقمة الشعبية ضد الأسرة الحاكمة في المحيطين السني أو الشيعي.

 ديباجة مهينة وغير مسبوقة:

على خلاف المعتاد مما درج عليه ملوك الحكم السعودي بإسناد إقالة وإبعاد الأمراء عن مناصبهم إلى مبررات تهدف إلى حفظ كرامتهم وإظهار الاحترام لهم، جاءت ديباجة القرارات الصادرة فجر أمس الأربعاء صادمة ومثيرة حتى لمعارضي النظام نفسه. فالعبارة المعهودة ((بناء على طلبه)) لم يكن لها محل من الإعراب هذه المرة واستبدلت بمجموعة عبارات تبرر قرار إزاحة محمد بن نايف عن ولاية العهد وكافة مناصبه بـ”المصلحة العامة“.

وهو ما يُفهم منه أن وجوده في مناصبه بات يتعارض مع تلك المصلحة، وأن إعفائه تم بمبررات حفظ وحدة البلاد ورعاية كيان الدولة!. فنص القرار الصادر: (بناءً على ما اطلع عليه أعضاء هيئة البيعة من مبررات وتأييد أعضاء هيئة البيعة بالأغلبية العظمى وذلك بأغلبية ( 31 ) من (34) وعملاً بتعاليم الشريعة الإسلامية فيما تقضي به من وجوب الاعتصام بحبل الله والتعاون على هداه، والحرص على الأخذ بالأسباب الشرعية والنظامية، لتحقيق الوحدة واللحمة الوطنية والتآزر على الخير، وانطلاقاً من المبادئ الشرعية التي استقر عليها نظام الحكم في المملكة العربية السعودية، ورعاية لكيان الدولة ومستقبلها وضماناً – بعون الله تعالى – لاستمرارها على الأسس التي قامت عليها لخدمة الدين ثم البلاد والعباد، ومافيه الخير لشعبها الوفي)

هكذا وبهذه المبررات أقال الملك الأمير محمد بن نايف وعين نجله محمد بن سلمان ولياً للعهد!.

 الأحفاد يخوضون الصراع حول العرش:

بعد رحيل الملك الأسبق فهد بن عبدالعزيز الذي تربع على عرش البلاد منذ يونيو 1982 وحتى وفاته في 1 أغسطس 2005 توسّعت دائرة الصراع حول العرش من أبناء المؤسس بن سعود إلى أبناء الأبناء. استحدث الملك عبدالله في مارس 2014 منصب ولي ولي العهد حيث شغله الأمير مقرن بن عبدالعزيز تمهيداً بحسب مارشح من التسريبات الرسمية، لتصعيد نجله الأمير متعب بن عبدالله. غير أن موت الملك في 23يناير2015 حال دون تنفيذ المخطط وتحقيق حلمه في تصعيد ابنه إلى العرش.

أعقب ذلك صعود الملك سلمان بن عبدالعزيز للعرش الذي سرعان ما أطاح بولي عهده الأخ غير الشقيق وأصغر أبناء المؤسس الأمير مقرن بن عبدالعزيز ليحل مكانه في ولاية العهد الأمير النافذ محمد بن نايف الذي كان يشغل وقتها منصب ولي ولي العهد، وهو المنصب الذي عيّن الملك فيه ابنه المدلل محمد بن سلمان في 29 أبريل2015 عقب 3 أشهر فقط من استلامه عرش الملك!.

نجح الملك سلمان فيما فشل فيه الملك عبدالله، فقراراته كانت مرسومة قبل تنصيبه ملكاً، ومنذ اللحظة الأولى لاعتلائه العرش راح يُسابق الزمن ويصنع الفرص داخلياً وخارجياً لتمرير مخططاته لتشييد “المملكة السلمانية”، فإعفائه للأمير مقرن كان الخطوة الأولى من مخطط تنصيب ابنه المدلل ملكاً وحاكماً مطلقاً على عرش الرياض، وأما تعيين بن نايف ولياً للعهد قبل سنتين فقد كان تمهيداً أولياً, حيث عُقدت النية المبيتة لعزله منذ ذلك الحين، الأمر الذي يُفسر القرارات التالية التي اتخذها الملك باتجاه تقليص صلاحيات بن نايف ودعم نفوذ وصلاحيات ابنه وتعزيز سلطاته.

أبرز الإجراءات في هذا السياق الإعلان في 22 أبريل الماضي عن تأسيس مجلس الأمن الوطني وربطه مباشرة بديوان الملك، الأمر الذي الذي سحب من بن نايف السيطرة على جهاز الأمن العام المسلح، ثم الإعلان في 17 يونيو الجاري عن تغيير اسم هيئة التحقيق والادعاء العام وفصلها عن وزارة الداخلية، وتحويلها إلى مسمى النيابة العامة، وربطها أيضاً مباشرة بالملك، ما شكل مزيداً من التهميش لسلطات بن نايف وصلاحياته.

 المسكوت عنه في قرارات الانقلاب الملكي:

ضمن قرارات الإعفاء والتعيينات تم الغاء منصب ولي ولي العهد بصمت ودون أي إشارات، فالملك لا يريد أن يُعين منافساً لابنه قد يطمع ويخطط للانقلاب عليه، كما أن الغرض من المنصب قد تحقق بوصول ابنه لولاية العهد, المفتاح والباب الرئيس لتربعه على عرش الملك سواء بتنازل الملك عن منصبه بمبررات المرض والعجز عن القيام بمهامه أو بعد وفاته المتوقعة بحسب المصادر الطبية خلال أقل من عام.

وبالتوازي أغفلت قرارات الملك الإشارة إلى منصب رئيس مجلس الشؤون السياسية والأمنية الذي كان يشغله ولي العهد المخلوع محمد بن نايف، حيث لم يُشر قرار تعيين وزير الداخلية الجديد عبدالعزيز بن سعود بن نايف لهذا المنصب، كما أن قرار التأسيس للمجلس الصادر 29 يناير 2015 لم يربط رئاسته بمن يشغل منصب وزير الداخلية.

 دلالات مروحة التعيينات:

مراجعة سريعة للأسماء المشمولة بقرارات انقلاب الأربعاء، تعييناً وإعفاءً، تكشف 3 دلالات استهدف الملك ومَنْ شاركه في صياغة ورسم خطة الانقلاب تحقيقها عبر تلك المراسيم الملكية.

الدلالة الأولى: بهدف ضمان عدم قدرة محمد بن نايف على القيام بأي خطوات التفافية وقطع إمكانية اتصاله مع كبار قيادات وضباط الداخلية الموالين له، فقد تم إعفاء عبد الرحمن بن علي الربيعان نائب بن نايف في وزارة الداخلية وتعيينه مستشاراً بالديوان الملكي لتحييد موقفه ووضع تحركاته تحت الرقابة المباشرة من بن سلمان نفسه.

وهنا ينبغي عدم اغفال حركة الفصل والإحالة على التقاعد والتي شملت العشرات من كبار منسوبي أجهزة الداخلية، فيما رجح مراقبون محليون وَضع البعض منهم قيد الإقامة الجبرية.

فيما شككت بعض المصادر في مصداقية الفيديو الذي بثه التلفزيون السعودي الرسمي لمبايعة بن نايف لبن سلمان ولياً للعهد، مؤكدين أن الفيديو أُعد قبل إعلان القرارت الملكية، وأن بن نايف كان مجبراً على تمثيل الدور تحت تهديد السلاح، وقد تم نقله فور الانتهاء من تسجيل المشهد إلى قصره الخاص وفرض الإقامة الجبرية عليه.

الدلالة الثانية: تأمين سيطرة بن سلمان على شؤون وزارة الداخلية عبر تعيين مقربين موالين له, حيث تم تعيين أحمد بن محمد السالم نائباً لوزير الداخلية، وناصر بن عبد العزيز الداود المستشار السابق بالديوان الملكي وكيلًا للوزارة، ما سيجعل الوزير الجديد تحت كماشة الرقابة المستمرة بل تحت السيطرة التامة من قبل محمد بن سلمان عبر ذراعيه النائب والوكيل!.

الدلالة الثالثة: تحت يافطة ضخ الدماء الجديدة إلى مؤسسة الحكم، والاستعانة بالكفاءات الشابة، جرى استرضاء ـ ولو مؤقتاً ـ عدداً من الأمراء أبناء عبدالعزيز عبر توزير أبناء أحفادهم (الجيل الثالث) أو تعيينهم في مناصب رفيعة على الدرجة الممتازة، حيث حرص الملك أن تشمل التعيينات شريحة واسعة من أبناء أحفاد الملك عبدالعزيز الأحياء لضمان كسب تأييدهم لتولي بن سلمان ولاية العهد, أو على أقل التقادير تحييد مواقفهم.

فيما يرى محللون أن اختيار عديمي الكفاءة والخبرات من جيل أبناء الأحفاد يهدف إلى تسهيل مهمة الاستحواذ على مقادير السلطة وأجهزة الدولة عبر مستشارين ونواب يدينون بالولاء إلى الملك سلمان وابنه، ما يعني بقاء الأمراء المعينين حديثاً في الوزارات والمناصب الأخرة مجرد واجهات ديكورية ريثما تستتب الأمور ويصعد بن سلمان ملكاً متوجاً على عرش المملكة القائمة فوق أرض رخوة تعصف بها الهزات المتتالية لاسيما في السنوات العشر الأخيرة.

تسويات مؤقتة فوق رمال متحركة:

لماذا تم التعديل على الفقرة ب من المادة الخامسة من نظام الحكم الأساسي؟ بموجب التعديل جرى منع محمد بن سلمان أن يعين ولي عهد من أبنائه أو أشقائه أو أبنائهم، وهي في عمومها رسالة طمأنة إلى أمراء ابن سعود كافة تقول بأن الملك سلمان لا يطمح ولا يُمهد إلى إقامة “المملكة السلمانية”.

تكشف القرارات في عمق دلالاتها، بحسب مقربين من العائلة الحاكمة، أن الملك وابنه المدلل تنتابهم المخاوف من تحالف وزير الداخلية المخلوع محمد بن نايف مع شقيقه حاكم الشرقية سعود بن نايف بما يمكنهما من قيادة تمرد مسلح وإعلان انفصال الشرقية عن حكم سلمان بن عبدالعزيز. وتشير التسريبات إلى تبادل رسائل في هذا الاتجاه بين محمد بن نايف وأمير قطر تميم بن حمد لتأمين دعم الأخير للخطوة التي كان ينوي بن نايف تنفيذها.

وهذا أحد أبرز العوامل لانفجار الأزمة الراهنة بين الرياض وحلفائها مع الدوحة، من هنا لجأ الملك وابنه لتعديل تلك الفقرة لطمأنة الأمراء وتمرير اتفاق مع حاكم الشرقية مركز الثقل الاقتصادي التي تعمد بن نايف خلال السنتين الماضية تعزيز تواجد الأذرع المسلحة التابعة للداخلية فيها.

الاتفاق الصفقة الذي عقد مع سعود بن نايف ضمن شراء قبوله بعزل شقيقه بل وتأييده ودعمه لعملية تجريده من كل السلطات، حيث قضى الاتفاق بتعيين ابنه عبدالعزيز وزيراً للداخلية ريثما يقوي خبراته ويعزز موقعه ليتم تصعيده ولياً لولي العهد تمهيداً لوصوله لعرش الملك بعد محمد بن سلمان!.

لكنه اتفاق شيد فوق رمال متحركة ولا ضمان لثباته، فقد يلجأ الملك الحالي لتعيين ولي ولي عهد آخر لأي سبب أو مبرر ضمن تسويات وترضيات أخرى قد يضطر لها.

وأما مواد نظام الحكم الأساسي فكما تم تعديلها بموجب مرسوم ملكي فجر أمس الأربعاء، فإن بمقدور الملك سلمان نفسه أو ابنه الملك المستقبلي أن يجري أية تعديلات يراها بما يشمل محو التعديل الأخير الذي منع تعيين ((ملكاً وولياً للعهد من فرع واحد)) فالمملكة غير المستقرة بكل ما تشكله من أنظمة وقوانين قائمة فوق رمال متزلزلة يمكن للملك أن يمحو ويثبت منها ما يشاء متى شاء!!

 الموقف الشعبي من انقلاب فجر الأربعاء:

رغم غياب ردة الفعل الشعبية في الشارع نظراً لسطوة القمع وشيوع حالة الخوف في أوساط المواطنين سنة وشيعة، ولعدم وجود قنوات ومؤسسات مدنية حيث يمنع القانون المحلي من تأسيس الأحزاب والتنظيمات السياسية، إلا أن بإمكان المراقب أن يقرأ اتجاهات الموقف الشعبي من خلال متابعة وسائل التواصل الاجتماعي حيث تشكل المنابر البديلة للتعبير عن آراء مواقف عموم الشعب بكل أطيافه وفئاته.

ففي حين سكب ما يصطلح على تسميتهم شعبياً بـ”صقور نايف” دموع الحسرة والأسى على رحيله بالطريقة المهينة التي تمت وتجريده من كل صلاحياته ومناصبه، ويقابلهم قطاع عريض عبر عن ابتهاجه وفرحه بالقرارات التي خلصتهم من بطش بن نايف وعنف أجهزته الأمنية.

فيما عبر فريق ثالث عن مخاوفه وخشيته من مآلات الإجرآت الدراماتيكية متوقعين ردة فعل انتقامية يقوم بها الوزير المخلوع عبر تحريك الموالين له في أجهزة وزراة الداخلية وأذرعها المسلحة، دون أن يستبعدوا احتمالات اندلاع صراع دموي بين كبار الأمراء في الأسرة.

وفي خطوة بدت أنها تستبق أية ردة فعل شعبية أصدر الملك مرسوماً بإعادة جميع البدلات والمكافآت والمزايا المالية لموظفي الدولة من مدنيين وعسكريين التي تم اقتطاعها من رواتبهم وبأثر رجعي، ما يعني إعادة صرف ما تم اقتطاعه منذ 27 سبتمبر 2016 تاريخ العمل بوقف تلك المزايا. وبالتوازي مع ذلك تم تمديد إجازة عيد الفطر المبارك إلى 10 يوليو القادم ليصبح مجموع الإجازة نحو أسبوعين.

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى