مقالات

الحرب الناعمة الخليجية ضد قطر

ما كادت تنتهي زيارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب الى السعودية، حتى حصل انفجار مفاجئ في العلاقة” بين قطر والسعودية ھو الثاني من نوعه بعدما كانت وصلت العلاقة في العام 2014 الى مستويات متقدمة من التوتر وحدث انذاك سحب للسفراء، ثم جرت “مصالحة خليجية”.

بدأ شريط الأحداث الاخيرة من بث وكالة “الأنباء” القطرية كلمة “ألقاھا” أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني في حفل تخريج عسكري، قال فيھا:”إن بلاده تتعرض لحملة ظالمة، وتستھدف ربطھا بالإرھاب، وتشويه جھودھا في تحقيق الاستقرار …”.
الرد جاء سريعا على ھذه الكلمة من جانب السعودية والإمارات ومصر، فتم حجب المواقع الإعلامية القطرية الرسمية والمدعومةة من قطر مثل قناة الجزيرة ومواقع الصحف الإلكترونية، فيما شنت بعض وسائل الإعلام السعودية والإماراتية ھجوماً على قطر، واصفة البيان القطري بأنه يشق الصف العربي والإسلامي. ترافق ذلك مع نشر وسائل الإعلام السعودية بياناً قالت إنه صادر عن أبناء عمومة أمير قطر “فرع أحمد بن علي من أسرة آل ثاني”، يعلنون فيه تبرؤ الأسرة من توجھات تميم “قبل أن يغرق المركب بالعائلة بسبب أفعاله”، ويقدمون اعتذارا إلى الملك سلمان. أيضا لم يتأخر التوضيح القطري. فأعلنت الدوحة أن وكالة “الأنباء” القطرية تعرضت لقرصنة وخرق من قبل جھة غير محددة يجري التحقيق في ھويتھا لملاحقتھا ومقاضاتھا.
ھذا التدھور الدراماتيكي في العلاقات بين قطر والسعودية يعبر عن أزمة استثنائية وعميقة متشعبة، وتأخذ شكل حرب تصفيةة الحساب الذي طال أمده وكبر حجمه. فلائحة الاتھام السعودية بحق قطر تكاد تبدأ من مبادرة السلام العربية التي قدمتھا السعودية العام 2002 في قمة بيروت وقوبلت بتنديد قطري عبر قناة “الجزيرة”. لتصل إلى:
– محاولة قطر الاضطلاع بدور إقليمي منشق عن الخط العام لدول الخليج، خصوصا في مسألة الخطر الإيراني.
– تدخلاتھا السيادية في مصر وليبيا عبر دعم الإخوان المسلمين.
– دعم حركة حماس على حساب القضية الفلسطينية.
– اللعب على تناقضات سياسية وطائفية واحتضان معارضات ودعمھا.

 

لكن، كيف ستتعامل قطر مع ھذا الواقع ؟!
مما لا شك فيه أن قطر تواجه وضعا صعبا وحرجا لانها مقيدة بوقائع الجغرافيا والتاريخ وبحسابات المصالح الاقتصادية . إجراءاتت العزل والحصار المطبقة ضد قطر تھدف بالدرجة الأولى الى إشعارھا بالخطر المحدق بھا ودفعھا الى تقديم تنازلات أساسية، وهذه الشروط رفعتھا الرياض الى الدوحة عبر الوساطة الكويتية، وهي:
– طرد جميع أعضاء حركة حماس من أراضيھا وتجميد حساباتھم البنكية وحظر التعامل معھم.
– طرد قيادات الاخوان المسلمين اللاجئين الى الدوحة من مصر والامارات والسعودية.
– طرد العناصر المناوئة لدول مجلس التعاون الخليجي.
– قطع العلاقات مع إيران فورا.
– عدم التدخل بالشؤون الداخلية للدول الأخرى والشؤون المصرية تحديدا.
– عدم الاتفاق مع أي دولة إلا بالرجوع لدول مجلس التعاون الخليجي واخذ موافقته.
– إغلاق بث قناة الجزيرة فورا.
– وقف دعم وتمويل المنظمات الارھابية بكافة الصور.
– الاعتذار لدول مجلس التعاون الخليجي خلال 24 ساعة.
– الالتزام باتفاقية الملك عبد لله عام 20122.

مصادر دبلوماسية عربية تعتقد أن ما يجري مع قطر وضدھا ھو من إفرازات ونتائج السياسة الأميركية الجديدة بالدرجة الأولى، والتي يمكن توقع أي شيء معھا، بما في ذلك نقل “قاعدة العديد ” العسكرية الأميركية من قطر الى الإمارات إذا اقتضى الأمر، والاستغناء عن قاعدة “أنجرليك” الجوية في تركيا لمصلحة قاعدة بديلة في كردستان العراق، أميركا تغيّرت والعالم يتغيّر معھا، والمنطقة الى تبدلات وتحولات، من إيران الى تركيا، ومن سوريا الى العراق، ومن اليمن الى لبنان، الذي بالتأكيد ستصله ارتدادات الأزمة الخليجية-المصرية فكيف سيتصرف؟

ما تطلبه السعودية ومصر والإمارات من لبنان ليس الانضمام الى المحور الضاغط على قطر ولا اتخاذ إجراءات ضدھا، وإنما عدم اتخاذ “إجراءات معھا” وعدم الانحياز إليھا، حتى لو حصل من خارج الموقف اللبناني الرسمي ومن قبل جھات مشاركة في الحكومة، وتحديدا حزب الله.

مصدر سياسي كشف أن الدوائر السياسية اللبنانية تلقت تحذيرات واضحة وصريحة من جھات عربية مفادھا أن أي تدخل لحزب الله في الأزمة الخليجية – القطرية سيعتبر تدخلا لبنانيا سافرا في الشؤون العربية وسيترتب عليه تداعيات خطيرة على الوضع اللبناني ككل. منبھة الى أن ھذا التدخل ستتحمل مسؤوليته الدولة اللبنانية وليس حزب الله فقط على اعتبار أن الحزب ھو شريك في الحكومة والمجلس النيابي.

أما “إسرائيل”وموقفها من الأزمة الخليجية، فقد تجسد عبر صحيفة “جيروزالم بوست” التي رأت “أن الإعلان الخليجي- المصري لقطع العلاقات مع قطر يتيح لـ”إسرائيل” فرصة ذھبية لتغيير ميزان القوى في الشرق الأوسط لمصلحتھا، فهي تجدها فرصة لتعزيز المحور الإسرائيلي – العربي ضد إيران، ويشجع الدول المشاركة في إعلان قطع العلاقات على رؤية حماس بوصفھا عدواً مشتركا، فأحداث سوريا ومصر واليمن وليبيا والنزاع القطري حالياً أزاحوا النزاع الإسرائيلي – الفلسطيني إلى الھامش “.
من الواضح أن كل المؤشرات المتعلقة بالأزمة الخليجية تفيد أنھا سائرة الى مزيد من التأزم والتعقيد، وأن الخروج منھا ليس سھلاا ولا قريبا. فالإجراءات التي اتخذتھا السعودية والإمارات والبحرين ومصر ضد قطر من قطع علاقات وإقفال حدود ومعابر بحرية وجوية وبرية وترحيل مقيمين، تتجاوز حدود الإجراءات التأديبية الھادفة الى ترويض و”تطويع” ھذه الدولة الصغيرة التي يفوق دورھا وطموحھا حجمھا الواقعي، إنھا ترقى الى مرتبة ومستوى “إعلان حرب”. ھذا النمط من الإجراءات لم يسبق أن شھدته منظومة العلاقات بين الدول العربية ولا الدول الخليجية، ھذه المنظومة التي تعاني من تشققات وانھيارات في سياق عملية إعادة النظام الإقليمي. وإذا كانت ثورات وحروب “الربيع العربي” أعلنت عن انتھاء الجامعة العربية وفضحت عجزھا وفشلھا، فإن الأزمة الخليجية الراھنة تعلن عن تفكك مجلس التعاون الخليجي وبداية انتھائه ليقوم على أنقاضه بناء خليجي جديد تتوضح معالمه مع تطورات الاوضاع.

 

 

العهد

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى