تحليلات

بين ’كولن باول’ و’محمد بن سلمان’: الهدف واحد والوسائل مختلفة

اسامة رحال

إنَّ المقاومة بما هي فعل استنهاض للأُمم والشعوب، هي رد فعل طبيعي بوجه ظلم وجوْر واضطهاد، أي أنَّها في المبدأ لا مدروسة مسبقًا، بل وليدة ساعتها ويومها.
إلا أن محور المقاومة أو الممانعة (على اختلاف تسمياته)، بعد الضغوط الخارجية عليه ـ أقله ـ منذ ما بعد الاحتلال الأمريكي للعراق، وبعد ست سنوات من الحرب ـ المفروضة ـ عليه في الجغرافيا السورية ومن خلفها العراقية واليمنية، حوّل ردَّ فعله إلى فرصة، فامتص موجة الهجوم الشرس على النظام السوري وعلى العراق، منتقلاً إلى انتاج موجات معاكسة ومضادة.

 

شروط باول نسختها المعدلة
فلنعد بالذاكرة قليلاً، إلى عام الاحتلال الأمريكي للعراق، لنستذكر السيئ الذكر كولن باول، وزير الخارجية الأمريكية الأسبق، والذي حطّ الرحال في دمشق بعد سقوط نظام “صدام حسين” في العراق، ليهدد الرئيس السوري بالجيوش الأميركية، القابعة في بلاد الرافدين قائلًا: “النجاح في العراق قد يعيد ترتيب هذه المنطقة جذريًا بطريقة إيجابية تخدم أكثر المصالح الأميركية” (جريدة السفير (لبنان) 5 ايار/ مايو 2003، ولا شك أنَّ باول كان يعني بهذا الترتيب الجديد “الشرق الأوسط الجديد” ذاته الذي رواد لاحقاً خليفته “كونداليزا رايس”.
أما المطالب الأميركية يومها فكانت ثلاثة وثلاثين، أهمها قطع صلات دمشق بثلاث جهات وهي: طهران، حزب الله، المقاومة الفلسطينية (حماس والجهاد الإسلامي..)، لتكون هذه الزيارة المؤشر الأبرز لبدء مرحلة جديدة من السياسة الأميركية تجاه سوريا.
فبعد التهويل الأمريكي باجتياح سوريا من العراق، وبعد القرار 1559 الذي كان ثمرة مساعٍ أميركية ـ فرنسية (بشكل رئيسي)، لقطع النفوذ السوري في لبنان، استدار الأميركيون نحو سياسة “القوة الناعمة”، لا سيما ما بعد حرب تموز، فكان التقارب السوري من جهة، والتركي القطري من جهة أخرى، بالإضافة إلى تواصل سوري فرنسي مُعلن.


باول هدد الرئيس الاسد بالجيوش الاميركية

والهدف طبعا محاولة استمالة سوريا وتحييدها عن محور المقاومة، أي تنفيذ المطالب الثلاثة الأهم التي نقلها كولن باول، وتاليًا إحداث الشرخ في محور ايران ـ سوريا ـ حزب الله ـ المقاومة الفلسطينية، وفي سوريا بالتحديد لما تحمل من ثقل جيوسياسي ولما تلعب من دور تحضيري ولوجسيتي يصل ايران بأذرع المقاومة المختلفة، خصوصا مع اتخاذ حماس من دمشق مقرا لها. (طبعا، لايمكن حصر الدور القطري، التركي، الفرنسي، بتحقيق الغايات الأميركية، بل كانت لكلٍ منها أهداف اقتصادية وسياسية، مضافةً إلى تقاطع مصالحها مع الجانب الأميريكي بتحويل بوصلة سوريا عن المقاومة والمقاومين).
إلا أن هذا  التقارب مع دمشق، لم يكن كافياً لتغيير الموقف السوري تجاه محور المقاومة.
لاحقًا، وبعد انخراط العراق في محور المقاومة ـ محولا إياه إلى هلال مقاوم، ومع تشبث سوريا بمحور المقاومة ـ اطلت غيمة الخريف العربي، وكانت الفرصة، لضرب النظام السوري ومن خلفه المحور الممانع عبر المجموعات المنبثقة عن القاعدة وفكرها، والدائرة في الفلك السعودي، وبالطبع بموافقة ومباركة أميركية، كشف عنها بشكل واضح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مرارًا في حملته الانتخابية وبعدها، إذ حمّل هذا الأخير إدارة أوباما ـ هيلاري كلينتون بالتحديد ـ المسؤولية في صناعة “داعش”.

الفرق بين الامس واليوم
لنعد الآن إلى عامنا الحالي، وبالتحديد إلى رجل المرحلة “قاسم سليماني”، فالرجل الذي لم يتوانَ أبدًا عن القتال في أي بقعة جغرافية كُرمى لعيون محور المقاومة، يلعب دورا رائدا في الحرب النفسية أيضًا.
إذ انتشر على مواقع التواصل شريط مصور للجنرال سليماني، تكلم فيه عن ولي العهد السعودي الجديد “محمد بن سلمان”، فالأخير وخلال لقائه أحد قيادات النظام السوري في موسكو، بوساطة روسية، عبّرَ بشكل صريح عن قدرته على إنهاء داعش والنصرة في يوم واحد، إلا أنَّ المشكلة بنظره هي علاقة سوريا بالجمهورية الإسلامية الإيرانية.
ولا شك أن توقيت نشر التسجيل الذي يعود لفترة ليست بالبعيدة، والذي يحمل في طياته توقعاً بتنحية “محمد بن نايف” ولي العهد السعودي الأسبق لمصلحة “محمد بن سلمان” ـ الأمر الذي حدث منذ أيام ـ ليس عبثيا.


هل عاد كولن باول بثوب محمد بن سلمان؟

إذاً، ها قد عاد “كولن باول”، إنما بثوب “محمد بن سلمان”، والمطالب هي هي، أما أوضاع سوريا والمنطقة ففيها عدة اختلافات.
أهم تلك الاختلافات أن محور المقاومة اليوم ما عاد في مرحلة رد الفعل والدفاع، بل انتقل إلى مرحلة الفعل الابتدائي والهجوم، رغم أنه لم يستعد السيطرة على كامل الرقعة الجغرافية السورية، ولا العراقية، وما زال العدوان على اليمن قائمًا، إلا أنَّ قوات محور المقاومة حققت إنجازات استراتيجية، منها إعادة وصل طريق طهران بيروت برًا، واستعادة السيطرة على مدينة حلب.
كذلك، فإن الامين العام لحزب الله سماحة السيد نصر الله في خطابه في ذكرى يوم القدس العالمي الأخير، أكَّدَ أن محور المقاومة تحصّل من خلال الأزمة الأخيرة التي عصفت بالمنطقة على ذراعين جديدتين حقيقيتين، ألا وهما الحشد الشعبي في العراق واللجان الشعبية في اليمن، ما يعني إضافة نوعية وعددية كبيرة لهذا المحور.


السيد نصرالله في خطاب يوم القدس

وفي خطاب السيد نصر الله ذاته، ما يدعو لوضع الجبهة مع العدو الصهيوني تحت المجهر أكثر من ذي قبل، فطرحه إمكانية فتح الجبهة مقابل الكيان الصهيوني أمام المقاتلين من كل أرجاء محور المقاومة في حال نشوب حرب مع “إسرائيل”، يعني الكثير، لا سيما وأنَّ القيادة الإسرائيلية تأخذ كلام السيد نصر الله على محمل الجد، مثلها مثل الجبهة الداخلية الإسرائيلية.
ولا شك أن العين الآن شاخصة الى جبهة الجنوب السوري، التي يلعب فيها الكيان الغاصب دورا واضحاً في دعم قوات “جبهة النصرة” الإرهابية وتنظيمات أخرى، على صعد عديدة، المعلوماتية منها واللوجستية والاستخبارية. كذلك لم يعد خافيًا الدعم الطبي لمصابي التنظيمات التكفيرية.
في نهاية المطاف، لا مناصَ هنا من اعتبار كلام السيد نصرالله الآنف الذكر، عين الفعل الابتدائي من قِبل محور المقاومة ـ لا رد الفعل ـ وأحد مصاديقه..
وأما مطلب “محمد بن سلمان”، فسيلقى على الأرجح مصير مطالب “كولن باول”.

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى