تحليلات

مرآة الجزيرة وإمبراطورية الإعلام

“كن أنت التغيير الذي تريد أن تراه في العالم حولك” – غاندي

يُنظر إلى الإعلام على أنه أداة للرقابة ووسيلة تنشئة اجتماعية، وقد اعتبرت في بعض الدول سلطة رابعة بالتوازي مع السلطة التشريعية والقضائية والتنفيذية، لكن هذه السلطة يتغير وجهها في ظل دولة الاستبداد والطغيان، فهناك دوما ًما كان يكمل الصورة النهائية للاستبداد والظلم ويصنع منه حدثاً تاريخياً تدونه السجلات، ومن أجل ذلك قالوا أن التاريخ يكتبه المنتصر نثراً وشعراً وفناً وثقافة تسقي مشاربه وتصنع ما يريده المتغلب بعد انهاء جولاته العسكرية والسياسية والأمنية، ففي ذاكرة التاريخ الحديث للانقلابات العسكرية في المنطقة أنها بادئ ذي بدء تعمل على السيطرة على مباني الراديو والتلفزيون للإعلان عن هيمنتها العسكرية والأمنية على البلاد ، إلا أن هذا الصراع أصبح خلال العقود القليلة المنصرمة أكثر حدة، بل يمكن أن يكون أكثر وحشية من الصراعات العسكرية والسياسية بتقدم وسائل الاتصال وثورة الاتصالات الحديثة.

وليس من باب المبالغة في شيء توصيف الماكنة التي يسيطر عليها آل سعود بـ”الإمبراطوريات الإعلامية”،بسلوكها الإمبراطوري في الاستحواذ وسطوة الرأي الواحد والوجه الواحد والعنوان الواحد، ماكنة إعلامية وبإدارة إعلانية بعلامة ممتاز، فتحت سيطرة هذه الماكنة مئات القنوات التلفزيونية والإذاعية والصحف والمجلات وآلاف المواقع الالكترونية وعشرات الدمى التلفزيونية بألقاب دكتور ومحلل استراتيجي وخبير إعلامي التي تضج بها الفضائيات والقنوات الاخبارية أمثال أنور عشقي و محمد آل زلفة، ويكتمل المشهد بجيش إلكتروني اصطلح عليه شعبياً بـ “البيض”.

في ظل هذا الاستحواذ وتلك السيطرة التي اسماها الإعلامي يسري فودة “امبراطوريات الورق والهواء”، كان لزاماً وجود طرف آخر يقاوم ويكافح، وجود أطراف ومعسكر آخر يمثل التغيير والانتصار للحق والحرية، بحتمية تاريخية وإرادة تغيير ومقاومة في وجه الطغيان الإعلامي السعودي وإمبراطوريات التمييع والتدليس والكذب، في مواجهة إعلام رسمي أخذ على عاتقه تكريس الأمر الواقع والتخندق في خندق التخلف والتبعية والاسترزاق الذي تحاول المؤسسة الإعلامية ومن ورائها مؤسسة “الحكم السياسية” فرضه.

و”مرآة الجزيرة” مشروع جاد مقاوم للهيمنة الإعلامية السعودية، والصوت الإعلامي المقاوم لقوى الزيف والتضليل، في محاولة لزيادة سلطة الجمهور الإعلامية وخلق مساحة حرة لفضح الممارسات السياسية والأمنية التي باتت تهدد أول وأبسط حقوق الإنسان: حق الحياة والحرية، أو الحياة بحرية، وهو الأمر المرفوض من النظام، فأنت في نظره إما تابع وخاضع وإما مثير للفتنة وخارج على “النظام”، وعلى الرغم من محدودية تلك المساحة التي خلقتها “مرآة الجزيرة” إلا أنها وبجانب مثيلاتها من المواقع الإخبارية والأصوات الحرة، يمكن أن تصنع الفارق وتحدث التغيير.

امبراطوريات الورق والفضاء ومهما امتلكت من وسائل وتقنيات وإمكانات، تبقى قاصرة ما لم يكن الإنسان في هذه البقعة من جمهورها، ويمكن أن نضرب مثلا بما استطاعته بضع أصوات متمايزة عن الرأي الرسمي أن تخلقه من صداع، بالملاحقات الأمنية التي طالت المغردين المناهضين لعاصفة الحزم في دول الخليج بإيعاز من الأخ الأكبر “النظام السعودي”، ليسجن ويحاكم ويعتقل ويلاحق من وقفوا في وجه الطغيان الرسمي.

ولنتذكر دوما أن من يروي القصة الأولى للحدث بالمتابعة والتحليل يمكنه صنع الاتجاه العام له، وهذا الملمح هو ما تعتمده الماكنة الإعلامية السعودية التي تحاول وتجتهد في توجيه الرأي العام للرواية الرسمية من جانب، وفي المقلب الآخر تعمل على تجفيف وتجويع الطرف الآخر المقاوم، بسياسات عدة كالحجب والتضييق وإن لزم الأمر إلى الملاحقات القضائية والأمنية، ويمكن للفرد أن يكون له دوره المؤثر في هذا الصراع بالتآزر والحشد والتأييد لكل رسالة إعلامية صادقة.

عبدالعزيز علي لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى